«الفدراليّة» لا تتعارض مع الطائف.
لطالما سأل المسيحيون انفسهم خلال الحرب وبعدها أي لبنان نريد؟ وهذا السؤال ظل قائماً حتى بعد التوصل إلى اتفاق الطائف الذي اصبح دستوراً وواقعاً مؤسساتياً وسياسياً. ذلك ان التطبيق المجتزأ للطائف في ظل ميزان قوى داخلي غير متكافىء في زمن الوصاية جعل المسيحيين غير مطمئنين إلى واقعهم وغير واثقين بمستقبلهم في ضوء ما يشهدونه من تراجع حاد في دورهم وحضورهم ونفوذهم داخل الدولة والحكم والمؤسسات، وهذا ما شجعهم على الهجرة الكثيفة الى ديار الله الواسعة.
وبالرغم من ذلك لم يظهر المسيحيون يوماً رغبة او ارادة سياسية في الخروج من الطائف وعليه، وانما دعوا الى تطبيق كامل وصحيح لهذا الاتفاق بما يضمن ويحفظ الخصوصيات والتوازنات اللبنانية السياسية والطائفية وطالبوا بتصحيح الوضع بدءاً من اعادة النظر في صلاحيات رئاسة الجمهورية وصولاً الى قانون انتخابات عادل ومتوازن يؤمن المناصفة الفعلية في الدولة.
لم يحصل تجاوب مع الهواجس والمطالب المسيحية المحقة، لا بل تبين وبالممارسة منذ العام 2005 ان «النظام» القائم والذي تم تركيبه على يد الوصاية استمر «شغالاً» حتى بعد خروج الوصاية ولم يلمس المسيحيون اي فارق في التعاطي معهم على المستوى السياسي.
لا بل ظهر ميل لدى بعض شركائنا المسلمين في الوطن والذي استطاب لهم هذا الوضع كما يبدو، الى الاستثمار في الخلافات (المسيحية -المسيحية)، وتوزعت الاحزاب والقوى والتيارات المسيحية على المعسكرين «السني والشيعي» في اطار الفرز والاصطفاف الذي حصل على قاعدة 8 و14 آذار بحيث يتولى الشيعة والسنة قيادة هذين الفريقين، وتحول المسيحيون في لبنان وبكل صراحة واسف الى مسيحيين سنة ومسيحيين شيعة.
وما زاد الطين بلة … بداء ما سمي «بالربيع العربي»، وهذا ما اضاف قلقاً جديداً على المستقبل لدى المسيحيين في لبنان من جراء التغييرات الدراماتيكية الحاصلة في المنطقة والتي الحقت افدح الاضرار والخسائر بالوجود المسيحي في العراق وسوريا وارخت هذه الاوضاع بظلالها الثقيلة على لبنان خصوصاً بعدما وصلت الحرب الى حدوده وبات هاجس الارهاب مهيمناً على اجوائه… واصبحت الاوضاع والتطورات تنبىء بإعادة صياغة المنطقة العربية على أسس وانظمة جديدة بعدما سقطت الحدود التي رسمتها اتفاقية (سايكس- بيكو) وبدأت تظهر ملامح كيانات طائفية ومذهبية وعرقية في العراق وسوريا وليبيا واليمن.
من هنا فان مجمل هذه العوامل والمستجدات في الداخل والخارج والمحيط عززت القلق عند معظم المسيحيين في لبنان ودفعتهم الى البحث عن حلول وتسويات تضمن وجودهم ومصالحهم ودورهم.
وبالتزامن مع هذه التطورات شهد الوضع المسيحي في الاشهر الاخيرة تطوراً وتقدماً تمثل في احتكام قادة الاحزاب المسيحية الى لغة الحوار والمصالحة والتفاهم لطي صفحة الماضي بكل اثقالها وبشاعتها وخصوصاً بين «التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية»، ولتسود اجواء ومناخات جديدة من العلاقات السياسية الراقية والتعاطي الحضاري في ادارة الخلافات وتنظيمها.
اما التطور الثاني والاهم فإنه تمثل في بداية بلورة مشروع سياسي موحد لدى المسيحيين وهذا ما يحصل للمرة الاولى بهذا الشكل الواضح والصريح، بعدما كان يؤخذ على المسيحيين انهم يفتقرون إلى مشروع سياسي موحد ولا يعرفون ماذا يريدون.
«الفدرالية» اذن هو المشروع الذي يجري التعبير عنه تحت عنوان «اللامركزية الادارية والمالية»، وهذا ما اوردته ورقة اعلان النيات بين «التيار والقوات» وكان من ابرز بنودها البند رقم 14 الذي نص على «اللامركزية» في اطار البحث عن المشاركة الحقيقية في الحكم …
وهذا المشروع كانت «القوات اللبنانية» قد طرحته ايام الحرب واثار في حينه موجة من الرفض الشديد بسبب الواقع الذي كان سائداً يومذاك، وفسرت على انها مشروع تقسيم وكانتونات.
اما اليوم وفي ظل الظروف والتطورات الدراماتيكية الحاصلة، وفي الوقت التي يجري فيه رسم خريطة جديدة للمنطقة العربية برمتها، لم يكن توافق اغلبية المسيحيين على مشروع «الفدرالية» هو المفاجأة، بقدر ما كانت المفاجأة هي «التصدّي» لمشروع «الفدرالية» المطروح وذلك من خلال ردود فعل عنيفة من جانب قوى متعددة على الساحة اللبنانية والتشكيك في دوافع هذا الطرح واهدافه والسبب يعود واقولها بكل اسف الى ان معظم السياسيين في لبنان لم يقرأوا اتفاق الطائف بتمعن ليعرفوا ان «الفدرالية» لا تتعارض معه.
ان تصوير «الفدرالية» على انها «تقسيماً» والقول انها تنال من الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي اللبناني وتزيد الطائفية والمذهبية هواجس وانطباعات ليست صحيحة على الاطلاق ولا تعكس حقيقة «الفدرالية» وما ترمي إليه. بل ان ما يبديه البعض من مخاوف وخشية وقلق ازاء طرح هذا المشروع ينطوي على مبالغة ومكابرة لتبرير الواقع غير المتوازن على مستوى السلطة والمؤسسات والادارات والقوانين الانتخابية الخ…
ان القلق والخوف من الفدرالية المطروحة هما غير مبرّرين وذلك للاسباب الآتية:
1 – لأن الفدرالية لا تتنافى ولا تتعارض مع اتفاق الطائف الذي ينص بكل وضوح وصراحة على «اللامركزية الادارية الموسعة». وهذه «اللامركزية» هي خطوة اساسية على طريق «الفدرالية» التي لم تطبّق حتى الآن ولو طبقت لوفرت الكثير من المشاكل والمحاذير…
2 – كون «اللامركزية الادارية والمالية» هي في اساس وصلب الانماء المناطقي المتوازن الذي نصّ عليه اتفاق الطائف ايضاً.
3 – ان المجتمع اللبناني، هو مجتمع تعددي يتكوّن من طوائف لها اوضاعها وخصوصيتها. والنظام اللبناني هو نظام طائفي في الواقع والممارسة والاعراف التي لها قوة الدستور والقوانين. وهذا النظام هو في الواقع وعلى مستوى قمة السلطة «فدرالية طوائف»، يجب ان تستكمل باللامركزية الادارية والمالية، ونحن لا نقول «فدرالية مناطقية» ولا نقول ايضاً «لامركزية سياسية»، فهناك فرق شاسع بين هذا وذاك، ولبنان بمساحته الصغيرة وتداخل مكوناته ليس مناسباً لهذا النوع من الانظمة.
4- عندما يتوجه لبنان صوب «اللامركزية الموسعة» فهو لا يمشي عكس التيار وانما مع التيار الجارف في المنطقة المتجهة إلى انظمة فدرالية ولامركزية تختلف في التفاصيل والتطبيقات تبعاً لاختلاف المعطيات والوقائع في كل بلد. وهذا ما بدأ يرتسم على أرض الواقع في العراق وبدأت ملامحه تظهر في سوريا واليمن وليبيا حيث تبرز الفدرالية كحل يراعي التنوع ويحفظ الوحدة، واما البديل عنها، فحروب طويلة ونزاعات لا تنتهي، أو تقسيم وقيام كيانات ودول جديدة كما حدث في السودان.
5 – ان الفدرالية معتمدة على نطاق واسع في 45 دولة في العالم حتى الآن. كما انها مطبقة في بعض الدول العربية ايضاً. ولعل دولة الامارات العربية المتحدة هي النموذج الصارخ والناجح للنظام الاتحادي الفدرالي العربي…
ويبقى السؤال في الختام… أليست الامارات العربية المتحدة هذه الدولة الخليجية دولة موحدة أرضاً وشعباً، ومتعددة في اماراتها وادارتها وحكامها، وأليست دولة ناجحة ومتفوقة ويمكن الاعتداد بها كمثال ونموذج ؟
لماذا اذن هذا القلق والخوف والتخويف والتهويل من طرح الفدرالية ؟
