ميقاتي… أيّ مصير؟
ما إن أعلن الرئيس نجيب ميقاتي، منذ بضعة أيّام، نيّته الاستقالة ما لم يتّخذ مجلس الوزراء في جلسته بعد غد قرار سداد لبنان لحصّته من تمويل المحكمة الدوليّة، حتّى جوبه بمواقف تعيدُه إلى "الحقيقة".
بسرعة ذكّره "حزب الله"، مباشرةً وبواسطة "التّيار العونيّ"، بأنّه لا يملك قرار الاستقالة، وبأنّ "حزب الله" الحاكم، هو القرار ومركزه، وبأنّ ميقاتي أتى على رأس حكومة أراد لها ثنائي النظام السوريّ – "حزب الله" أن تكون بنتيجة انقلاب موصوف.
بسرعة ذكّره "حزب الله" بأنّه هو من يُسقط الحكومة متى صار سقوطُها حاجة له، وبأنّ لا مجال لأن يجعل ميقاتي من نفسه بطلاً، وهو العارف كيف ولماذا أُتي به إلى رئاسة الحكومة.
لكن وبسرعة أيضاً، ذكّره "تيّار المستقبل" وحلفاؤه في الرابع عشر من آذار في مهرجان طرابلس الكبير أمس بـ"أصل" الموضوع. وأصل الموضوع أنّ حكومة ميقاتي إنّما هي حكومة محور إقليميّ يترنّح في أحد أبرز مركزَيه في دمشق ويعيش أزمةً خانقة في مركزه الثاني في طهران. وأصل الموضوع أنّ حكومةً شكّلها محور ساقط ومتساقط، هي حكومة ساقطة أيّاً كانت صيغة السقوط.
وبهذا المعنى، فإنّ الخطاب السياسيّ لـ "تيّار المستقبل" على لسان الرئيس فؤاد السنيورة أمس، لم يُعطِ حجماً لمسألة إسقاط حكومة ساقطة. وهو إذ كان واضحاً في تظهير حقيقة أنّ السلطة بمعظم مفاصلها وليس الحكومة فقط، إنّما هي سلطةٌ تابعة لوصايتي نظام الأسد وسلاح "حزب الله"، فإنّه كان أشدّ وضوحاً في انتقاله إلى مرحلة "ما بعد" سقوط السلطة التابعة، أي إلى مرحلة "ما بعد" سقوط النظام في سوريا نفسها.
يتجلّى هذا الموضوع في العناوين الثلاثة الرئيسيّة التي تضمّنها الخطاب السياسيّ لـ "المستقبل". عنوان سقوط السلاح غير الشرعيّ أوّلا، وعنوان التضامن مع الشعب السوريّ وثورته ثانياً، وعنوان إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف ثالثاً.
يقول خطاب "المستقبل" إذاً، إنّ مرحلة هيمنة السلاح تنتهي وإنّ مرحلة وصاية سوريّا تنتهي بنهاية النظام في دمشق على يد الشعب السوريّ الذي إذ يصنع الديموقراطّية لسوريا إنّما يفتح صفحة مشرقة في العلاقات اللبنانية – السوريّة، ويقول إنّ اتفاق الطائف هو الملاذ.
فعلى الرغم من نبرته العالية، يتمسّك خطاب "المستقبل" بأنّ لا مكان في لبنان لأيّ غلبة. ويتمسّك بـ"اللا غالب ولا مغلوب"، الأمر الذي يتحقّق بالطائف وبتنفيذه. ويتمسّك بالدولة التي هي وحدها رمز "اللا غالب ولا مغلوب".
إذاً، لم يفرد خطابُ "المستقبل" حيّزاً أساسيّاً لتفصيل المسألة الحكوميّة، لأنّه جاء يُعلن انتقال التيّار وحلفائه في الرابع عشر من آذار إلى مرحلة "ما بعد".
"تيّار المستقبل"وحلفاؤه في الرابع عشر من آذار يتطلّعون إلى مرحلة جديدة، قد تكون هي نفسها بحاجة إلى مرحلة انتقاليّة هادئة تعالجُ قضايا المستقبل وعناوينه. وعلى"حزب الله" أن يعي أنّ زمن السلاح والاستقواء منته فعلاً.
أمّا الرئيس ميقاتي، فإنّه "رهين المحبسين". رهينُ حلفائه الذين يردّون عليه… على الأرض التي وضعوه فوقَها منذ البداية… أرضُ التبعيّة لمحور بذاته. ورهينُ قوى 14 آذار التي تقول له بوضوح إنّك انتهيتَ يومَ شاركتَ في الانقلاب.
وميقاتي لا يجرؤ على الاستقالة في وجه ما صار عليه لبنان في عهد حكومته، بل يريد استقالةً ضدّ عدم التمويل. وعدم التمويل كان معروفاً، وهو تفصيلٌ لن يجعل من ميقاتي بطلاً. ومن لا يجرؤ على قلب الطاولة، إنّما يؤكّد أنّه لم يخرج من "الأصل". وها هوَ ميقاتي اليوم مجرّد كرة في الملعب يجري تقاذفها. فهل ثمّة ما يفاجئه في هذا المصير؟
