سؤال جنبلاطي مثير بالتزامن مع البيان: أين الطائف؟
قد تكون من المرات القليلة، ان تبدأ حكومة في صياغة البيان الوزاري على وقع تصعيد من قبل طرف رئيسي فيها: هو الحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة النائب السابق وليد جنبلاط، الذي جمع كتلة اللقاء الديمقراطي في كليمنصو، في خطوة وصفت بالتصعيدية، إن لجهة سؤاله: عمّا وصفه بأحادية تشكيل الحكومة وشبه غياب لمركز رئاسة الوزارة، «وكأن وزير الخارجية جبران باسيل وضع الخطوط العريضة للبيان الوزاري محذراً من اللعب بالنار»، واصفاً ما حصل ويحصل بأنه طعن بالطائف.. وسأل: الطائف إلى أين؟.. وإذا كان الحريري يريد التخلي عن الطائف فهذا يشكل أزمة كبرى في البلد، و«لسنا مستعدين ان نقبل بهذا الخلل».
وكشف عن ان وفدين من اللقاء الديمقراطي سيزوران بعبدا وعين التينة، حاملين إلى الرئيسين ميشال عون ونبيه برّي سؤالاً: الطائف إلى أين؟
ولم يتأخر ردّ الرئيس الحريري الذي أكّد ان رئاسة مجلس الوزراء المؤتمنة على الطائف، وعلى الصلاحيات التي اوكلها إليها الدستور، لن تكون مكسر عصا أو فشة خلق لأحد، وهي لا تحتاج إلى دروس بالاصول والموجبات الدستورية من أي شخص.
اشتباك الحريري - جنبلاط
وإذا كان عنوان «حكومة العمل» الذي اختير في أوّل انطلاقة جلسات مجلس الوزراء، لالتقاط الصورة التذكارية، وتشكيل لجنة صياغة البيان الوزاري، لم يكن عبثياً، في إشارة إلى حرص الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري على العمل لتعويض ما فات، فإن ما شهدته البلاد غداة أوّل اجتماع للحكومة الوليدة، من اشتباك سياسي ما كان يفترض ان يكون بين حليفين ولو كانا لدودين، عكس أجواء محمومة يخشى ان ينعكس على جو العمل نفسه داخل الحكومة، خصوصاً وان الاشتباك جاء سريعاً ومفاجئاً، رغم انه كان متوقعاً ومحسوباً، نتيجة الملابسات التي رافقت مفاوضات تشكيل الحكومة، ولا سيما في اليومين الأخيرين اللذين سبقا صدور المراسيم، حيث رفض رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط التخلي عن حقيبة الصناعة لتعويض ما يريده «التيار الوطني الحر» من وضع يده على وزارة «البيئة» والتي كانت من حصة الرئيس نبيه برّي.
يومذاك لم يشأ لا جنبلاط ولا الرئيس الحريري، ان يعملا مشكلة من هذه الحقيبة، خاصة وان الحريري نجح في إقناع صديقه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بأن يتخلّى عن الثقافة للرئيس برّي مقابل التنمية الإدارية «للقوات»، وحرص الرجلان: الحريري وجنبلاط في ان يسلطا الضوء على ما يواجهانه من حملات وضغوط سياسية عليهما، على خلفية احداث الجاهلية والتحالفات المستجدة بين خصوم الأمس داخل الطائفة الدرزية، والتي تبقى في تقدير مصادر سياسية، في خلفية العوامل الأساسية التي دفعت بجنبلاط إلى شن هجومه العنيف على الحريري، واضعاً الوزير جبران باسيل منصة لاطلاق النار من خلاله على رئيس الحكومة، في توقيت اختار ان يكون غداة صدور مراسيم تشكيل الحكومة لاعلان معارضته السياسية للعهد من داخل الحكومة وخارجها.
وبحسب المعلومات، فإن أي اجتماع «اللقاء الديمقراطي» لم يكن مقرراً أمس الأحد، لكن مجرّد الدعوة إلى أن اجتماعاً استثنائياً سيعقد في الخامسة من غروب أمس في كليمنصو، أوحى للمتابعين، بأن الاجتماع سيكون على مستوى كبير من الأهمية، خاصة وان جنبلاط الأب حرص على ان يحضره شخصياً، من ثم أعلن ان هناك أحادية في تشكيل الحكومة، وشبه غياب لمركز رئاسة الوزارة بحسب اتفاق الطائف، لافتاً إلى ان المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية جبران باسيل بدا وكأنه يضع الخطوط العريضة للبيان الوزاري من دون استشارة أحد، معتبراً بأن هذا الأمر يطعن بالطائف الذي كان دائماً يوضع على طاولة مجلس الوزراء، لكنه هذه المرة لم يوضع، وهذا لعب بالنار ويؤدي إلى خلل كبير في البلد، ولسنا مستعدين ان نقبل بهذا الخلل.
ثم رفع جنبلاط من حدة تحامله على الحريري، عندما سأله: «أين الطائف الذي بناه ابوك واستشهد من أجله؟ إلا انه استدرك انه لا يتهم أحداً، لكنه يريد ان يعلم أين الطائف واين البلد ذاهب، مشيرا إلى ان وفداً من «اللقاء الديمقراطي» سيزور الرؤساء الثلاثة لسؤالهم إلى أين الطائف، متمنياً على رئيس الوزراء ان يقدم جواباً واضحاً.
وفي أوّل تعليق له على توزير صالح الغريب لشؤون النازحين السوريين، قال جنبلاط: «التحالف الجديد المضاد فرض وزيرا لشؤون اللاجئين لونه سوري»، متعهداً بأنه «سيقوم بمعركة لأننا لن نتخلى عن حماية اللاجئين السوريين في لبنان، ولن ننجر إلى رغبة الفريق السوري في الوزارة بإرسالهم بأي ثمن إلى المحرقة والسجون وإلى التعذيب في سوريا"
ردّ الحريري
وحيال هذا الاتهام المباشر، كان من الطبيعي ان يرد الحريري على جنبلاط باللهجة نفسها، لكنه الرد الذي شاء الحريري أن يأتي على لسان رئاسة مجلس الوزراء، لم يشر إلى كلام زعيم المختارة مباشرة، الا انه وضعه في خانة «محاولة غير بريئة للاصطياد في المياه العكرة، والتعويض عن المشكلات التي يُعاني أصحاب هذا الكلام والتنازلات التي كانوا أوّل المتبرعين في تقديمها»، في إشارة إلى تنازل جنبلاط عن تسمية الوزير الدرزي الثالث.
وشدّد بيان المكتب الإعلامي للحريري على أن رئاسة مجلس الوزراء مؤتمنة على الطائفة وعلى الصلاحيات التي اوكلها إليها الدستور، وانها «لن تكون مكسر عصا أو فشة خلق لأحد، وهي لا تحتاج إلى دروس بالاصول والموجبات الدستورية من أي شخص، ولن يكون من المجدي لأي كان تزوير الوقائع، لا سيما ما يتعلق باعداد البيان الوزاري والايحاءات التي تحاول تعكير المسار الحكومي بدعوى العمل على تصحيح الاوضاع».
