الطائف بين رفع السدود وسقوط الحدود

النوع: 

 

كنا نحن معشر الصحافيين والإعلاميين منقسمين بين قلّة حظيت بمتابعة مداولات الطائف في الطائف، وبين كثرة تتابع الإتصالات والتداعيات في لبنان.

وكان الإقتناع كبيرًا بأنه لولا حرب التحرير التي أطلقها آنذاك العماد ميشال عون رئيس الحكومة العسكرية، معطوفة على رفض انتخاب رئيس تسوية، لما كان الطائف. والأدهى أنه لو تسنّى لرئيس الجمهورية المنتخب حديثاً رينيه معوض الدخول إلى قصر بعبدا سلماً، لأمكن تجنُّب سقوط الخطوط الحمر حول المناطق الشرقية، ولتمّ تصحيح بعض الشوائب في اتفاق الطائف أو تجميد تنفيذ بعض البنود، طالما أن الإتفاق ككل كان من المستحيل إسقاطه لا حربًا ولا من طريق المماحكة والمماطلة. وتأكيدًا على هذا الرأي ما زال بعض من مضمون الطائف الذي بات بمعظمه في متن الدستور اللبناني، إما غير مطبّق أو يخضع للإستنساب.

حينها رفضت «القوات اللبنانية»، وعلى الرغم من الرسائل الواضحة، وإحداها للسفير الأميركي في لبنان جون ماكارثي، المشاركة في عملية مواجهة العماد عون بهدف إطاحته من قصر بعبدا، فكان الواقع أن عون هو الذي أطلق بعد ذلك ما عُرف بـ»حرب الإلغاء».

ولكن ما استطاع سمير جعجع فعله، وبعد جهد جهيد وإصرار شديد، في مواجهة القرار المحتوم بإبعاد العماد عون من السلطة والذي التقت على اتخاذه أو التسليم به الدول الكبرى والفاتيكان والدول الإقليمية المعنية، كان منع القوات السورية من الدخول إلى الأشرفية والمناطق التي كانت تحت سيطرة «القوات اللبنانية» في كسروان وجبيل ووسط وأعالي البترون، بالإضافة إلى خط المتن الساحلي بما يشمل الجزء الذي كان خاضعًا منه للعماد عون، وهذا ما حصل على الرغم من التسلل الأمني أحياناً وفي حالات معينة.

لقد تم إنجاز وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف لتُنفَّذ، وكانت المدخل للإنتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم، ولو بدا لاحقاً أن ذاك السلم الأهلي المزعوم كان مفخخاً وخادعاً.

خلال مؤتمر مدريد الذي واكبته في وفد مشترك بين المؤسسة اللبنانية للإرسال وإذاعة لبنان الحر حيث كنا ضمن «هولدينغ» واحد أرساه قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، حصلتُ، وعلى قاعدة «إعرف عدوّك»، على جملة منشورات أعدها الوفد الإسرائيلي كانت موضوعة في منصات مفتوحة لجميع الصحافيين في المركز الإعلامي الضخم في العاصمة الإسبانية، حيث كانت الوفود تتقاطر إليه، فتعقد اللقاءات والمؤتمرات الصحافية، إلى إجتماعات أحيانا في المكاتب الإعلامية المخصصة للوفود المشاركة. ومن بين تلك المنشورات كتيّبات باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية تضم خرائط لما يسمى دولة إسرائيل، وقد أُلغيت في بعضها حدود الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، وتضمنت بعض المطالعات التبريرية لاحتلال الجولان، وهو ما كان يروّج له بنيامين نتانياهو، وكان حينها الناطق باسم الوفد الإسرائيلي وأحد رموز «الليكود» الذي كان يقوده ويترأس الوفد رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحاق شامير. حملتُ بعضاً من تلك المنشورات الصغيرة إلى الرئيس حسين الحسيني الذي عُرف بـ»أبو الطائف»، وذلك بعد أشهر قليلة من تركه سدّة الرئاسة الثانية، وقدّمتها له فاهتم بها جداً، وحاولتُ في المقابل إقناعه بإطلاعي على بعض محاضر الطائف، لكنه تحفظ بتهذيب شديد، وقال لي: كلّو بوقتو، فأردفت: ولكن ينبغي أن تكون في تصرُّف أهل الدولة والسياسة والإعلام والعامّة لتبيان بعض الحقائق والأمور وتفسير البعض الآخر، فكان جوابه بما معناه:  فلننتظر والمهم مصلحة البلد، لكنه أبدى إستعداده للإجابة على أي سؤال حول مداولات الطائف.

في ذاك الحين، إزدهرت بدعة الترويكا التي اختصرت القرار على مستوى الحكم، وعكست من خلال ثغرة معينة في الطائف، بعض التداخل بين السلطتين التشريعة والتنفيذية، لا سيما في موضوع شراكة رئيس مجلس النواب في القرار التنفيذي من خلال قدرته على تعطيل أو تجميد الكثير من مشاريع القوانين المحالة من الحكومة على المجلس، ومن خلال بعض الجوانب الأخرى، الأمر الذي لم يوافق عليه الرئيس الحسيني ورفضه، كما سعى إلى تبرئة الطائف منه، وهو ما دفعه إلى رفض بدعة الترويكا لأنها تخالف الطائف والدستور والديموقراطية ومبدأ فصل السلطات.

في مطلع التسعينات، كنت أُعد في إذاعة لبنان الحر مقابلات حوارية مع كبار المسؤولين والقيادات والوزراء والنواب، وقصدتُ في حينه وتحديدا في مطلع العام 1992 محسن دلول الذي كان وزيرًا للزراعة في مكتبه في الرملة البيضاء، وأحد أبرز الأصوات المدافعة عن إتفاق الطائف، وكان قريبًا من دمشق ثم صديقاً للرئيس رفيق الحريري، بعدما فصله الحزب التقدمي الاشتراكي على أثر إغتيال كمال جنبلاط وكان نائبًا لرئيس الحزب، وقد تولى لاحقاً وزارة الدفاع على مدى أعوام عدة.

والأهم أن دلول كُلِّف خلال مرحلة الطائف بالتفاوض مع العماد عون، لكنه اصطدم برفض رئيس الحكومة العسكرية للإتفاق ولكل ما هو خارج البحث في موضوع رئاسة الجمهورية ضمناً.

وكشف دلول لي في حينه، أن السفير الفرنسي رينيه آلا تمنى على العماد عون بإلحاح أن يقبل بتسوية مشرّفة في إطار الطائف، فيبقى وزيرًا للدفاع وقائدًا للجيش، وتاليًا الرجل القوي، كما تكرر العرض له بعد انتخاب الرئيس رينيه معوض، لكنه أصرّ على موقفه.

وفي الواقع إن الدخول السوري العسكري إلى المناطق الشرقية، كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، والضربة التي ألغت الخطوط الحمر حول المناطق المسيحية الحرة، بعد ترسيخها على مدى نحو خمسة عشر عاماً. فلم يكن بعدها من المتاح تعديل إتفاق الطائف أو تدوير بعض زواياه، أو إعطاء المسيحيين فترة سماح بما يساعدهم في استعادة أنفاسهم. وما حصل أن المسيحيين بدوا الفريق الخاسر وضمر الحضور المسيحي الفاعل في الدولة لا سيما وأن النظام السوري وزع المناصب والمواقع الرسمية على الحمائم والموالين له.

وأستعيد في واقعة غير منشورة، ما رواه لي الوزير الراحل فؤاد بطرس، أحد أبرز وزراء الخارجية في تاريخ الدبلوماسية اللبنانية، خلال زيارة ليلية لمنزله في الأشرفية في أواخر القرن الماضي، وفي ظل تفشي القمع والتنكيل بمختلف الأصوات المعارضة. قال: إتفاق الطائف كان من أولى علامات التغيير في الخريطة الدولية والإقليمية، مع بدايات سقوط المعسكر الشرقي أي الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو.

ويضيف: قبل الطائف كانت حدود لبنان جزءاً من الحدود الشرقية للحلف الغربي. فلبنان كان محسوبًا على الأميركيين، وسوريا محسوبة على السوفييت، علما أن تنسيقاً ضمنياً كان يتم بدرجة أو بأخرى بين الأميركيين وحافظ الأسد في ظل توافق على خطوط  حمر معينة. أما الطائف فكان تجلّيا مبكراً لعملية إعادة خلط المعادلات، فتقدمت أكثر المصالح النفعية على الإعتبارات العقائدية، وأصبح الزمن زمن تحالفات موضعية وتكليف دول إقليمية بأدوار بالوكالة، بحيث تتقاطع مصالح دول في مكان وتتباعد في مكان آخر.

واعتبر بطرس أن لبنان مع الطائف تحوّل ساحة متفلتة من ضوابط واضحة، فالأميركيون معنيون باستقراره الأمني من زاوية العناية بأمن إسرائيل، فيما السوريون يتصرفون في الكثير من الأمور على هواهم، مستغلين الأولوية الأميركية. وهذا الواقع الذي رسا مع الطائف، دفع بلبنان إلى التراجع على مختلف الصعد. ولذلك وكما قال آنذاك، «لست متفائلاً ولا أعتقد أن مستقبل لبنان سيكون مشرقاً، طالما أن اللبنانيين منقسمون طائفيًا ويعطي البعض الأولوية  للولاء الخارجي ويسعى إلى الخروج عن جوهر الميثاق الوطني الذي كرّسه إتفاق الطائف عملياً». وروى بطرس لي رواية عن لقاء ساخن مع العماد عون في عز حرب التحرير لا مجال لذكرها ، ليخلص إلى أن جزءاً من مسؤولية الطائف تقع على الرهانات غير الواقعية.

في أي حال، قد نكشف سرًا خفِيَ على كثيرين في قراءة إغتيال الرئيس رينيه معوض الذي يمكن وصفه بضحية الطائف وشهيد الموقف الرافض لاستغلال الطائف كيفياً.

لقد رفض الرئيس معوض الدخول إلى المناطق الشرقية بالقوة، بل بالحوار والتفاوض، وراهن على أكثر من خيار بديل، فاعتُبر حجر عثرة. على أن سببا آخر كان أيضًا وراء إطاحته، وتمثل باكتشاف نية الرئيس معوّض في إعداد أسس متينة لإعادة بناء الدولة بعد الطائف وبموجبه، والتقى من أجل ذلك مجموعة من أهل الرأي والخبرة والقانون في الخارج قبل انتخابه، وكان المرشح المعروف والأول بعد إنجاز إتفاق الطائف، وطلب تحضير مقترحات عملية لجملة عناوين إصلاحية، ومن بينها كيفية تطبيق المادة 95 من الدستور والقاضية بإلغاء الطائفية مع احترام الميثاق الوطني. ويبدو أن مضمون اللقاء تسرّب بشكل أو بآخر، ما أثار الريبة لدى المراهنين على فرض أجندة خاصة تجعل لبنان جرمًا في الفلك الشقيق، وكان ما كان. فهل نعجب من أن ملف قضية إغتيال الرئيس معوض يخلو من أي ورقة ذات قيمة ومعنى؟!

الكاتب: 
أنطوان مراد
التاريخ: 
الجمعة, أكتوبر 11, 2019