مطامر الطائف
يقال إن الزبالة تتمثل في الجالسين على مقاعد السراي.. وإننا نستحق ما يصيبنا، لأننا نحن مَن يعيد انتاج هذه الطبقة السياسية التي تفعل بنا ما تفعل، و"تُطيّف" كل شيء، حتى النفايات التي لا تَسلَم من المحاصصة.. يقال إن المناطق المحرومة من الإنماء والخدمات يحق لها أن ترفض استقبال زبالة الدلوعة الإدارية بيروت، ولو تحت طائلة حروب أهلية صغيرة.. ويقال، رداً على الأخيرين، إن سكان بيروت ليسوا جميعاً بيروتيين، بل كثر هم أبناء المناطق فيها، يضيفون زبالتهم إلى زبالتها، ثم يتبرأون!
حسناً: النظام السياسي نخبته ملوثة، الدولة عرجاء، الإنماء لامتوازن، المركزية الإدارية مفرطة، الخصخصة متغوّلة، وزبانيتها طبعاً، ترييف المدينة، وحرمان الريف، الفساد طاغٍ والنظام يفشل حتى في إعادة إنتاج نفسه فيغرق في ما يضاهي الزبالة خطورة: الشلل.
لا جديد، سوى أن الآفات، العائدة جذورها إلى تأسيس الكيان اللبناني، ثم المكرّسة في تركيبة ما بعد الحرب الأهلية، تتفجّر اليوم شاملة، وإن كان الجديد أنها تأتي، هذه المرة، على محمول بيئي/صحي/إداري بدلاً من المحمول الأمني/السياسي/الاقتصادي المعتاد.
الأزمة أزمة فساد، أزمة إدارة، أزمة فراغات دستورية وقانونية وحيوية، استشرت حتى ملأتها النفايات. هي مبالغاتُ عقلية المحاصصة والنفعية والريعية، "تفرعَنت ولم تجد مَن يردّها". والأهم أنها كبوة في إدارة الماكينة المذهبية. فالمذهبية أيضاً نظام. تتفاوت فعاليته، بحسب مشغليه، لكنها الآن صفرية تقريباً. خللٌ ما أصاب دورة المنافع، فتكدّست فضلات النظام في الشوارع. واليوم نحن أمام "نيو مذهبية"، حاضرة بعُطلها بدلاً من دينامياتها، بمفاصلها العالقة بدلاً من حركتها موضع النقد.. وهذا أسوأ. هي المذهبية المُعاد اختراعها، برائحة "سوكلين" المنبعثة من الحاويات والمكاتب على حد سواء، من مكبّات المناطق ومن امتناع صفقات معامل المعالجة، إذ ولّى زمن الصفقات المشبوهة وبتنا نترحّم على ما كانت تيسّره من حياة. "عبوة جديدة والطعم الرائع نفسه"، كما تقول اللازمة الإعلانية. كل هذا بات واضحاً. ورغم استعصائه على حلّ سريع أو مُجدٍ، بيئياً وسياسياً واقتصادياً، فإن فهمه وتوصيفه ليس فيزياء نووية.
لكن بعض الشعارات "المدنية" المطروحة، لا سيما ما يتعلق منها بما نستأهله، نحن الشعب الذي يجدّد للسُلطة نفسها كل مرة، ربما بات في حاجة إلى قراءة واقعية، وهذه المرة أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن النفايات وطنية، رغم حصص الطوائف، ولعلها القضية الأكثر وطنية بين المطروح من قضايا وأزمات منذ أشهر، بما في ذلك انتخاب رئيس للجمهورية. وهي مرشّحة للتجدد، رغم الانفراجات الوهمية الأخيرة.
معلوم أن انتهاء الحرب الأهلية كان بإعلان اتفاق الطائف، الذي كرّس الزعامات المذهبية والمناطقية أقطاباً للسلطة في "الجمهورية الثانية"، يتوازعون غنائم الحرب في أيام السِّلم: الدولة حصص، و"المقاومة" – من خارج الدولة – حصص أيضاً. ورغم شوائب الاتفاق، كان هذا الشكل الوحيد الممكن لطيّ صفحة حرب مضنية، في ظل التفويض الدولي والعربي لنظام حافظ الأسد بإدارة "الملف اللبناني" بالكامل، وحصر كل حراك في الجنوب في "حزب الله"، مع هامش واسع للرئيس رفيق الحريري – بما كان يمثّل عربياً ودولياً آنذاك – للتحرك اقتصادياً وإنمائياً وإعمارياً، مع دعم وليد جنبلاط ونبيه بري وسليمان فرنجية وغيرهم، كل في موقعه، وإطلاق تغريبة الشارع المسيحي عن "ممثليه" المعيّنين سورياً، فيما قادته الفعليون قابعون في السجن أو المنفى.
ومع ذلك، ما كان للبنانيين الذين مزقت الحرب أنسجتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، أن يرفضوا مدخلاً لحياة طبيعية من جديد، كيفما أتت، وما كان ليُسمح لهم بذلك أصلاً. وحتى لو أراد البعض نقاشاً لشكل السِّلم المشتهى، فإن غالبية مساحات التفاوض صارت ساحات احتفال بالبداية الجديدة، وهوامش لإعادة التموضع. لم تستحق الصيغة إعجاباً كبيراً، لكنه واقع الحال، وهذه كانت الفرصة الوحيدة المتاحة: تنظيم سلمي لقوى الحرب.
منذ أكثر من 25 عاماً، والمشاكل تتراكم حول الطائف، أكثر منها بسببه. مشاكل كان الكثير منها نتيجة ما لم يطبق من الاتفاق. والمقصود، تلك المواد "التزيينية" التي تغامز عليها أمراء الحرب، لحظة توقيع "الطائف"، من إلغاء الطائفية السياسية، إلى إنشاء مجلس شيوخ تنحصر فيه رؤوس الطوائف، وتنظيم السلاح والمقاومة (حتى تحرير الأرض المحتلة.. وقد تحررت منذ 15 عاماً!)، وتطبيق اللامركزية الإدارية (التي يرزح قانونها مكتوباً وجاهزاً في الأدراج بلا إقرار لأن زعامات المناطق لا يناسبها مثل هذا الانفلات من عباءاتها)...
تعمّقت دولة الطائف، لسنوات، بخيالات الحرب واصطفافاتها القديمة. واليوم ترتدي اصطفافات الحرب المذهبية الإقليمية، وما تبقى من اصطفافات سِلم غير ناجز. ومعها تعمّقت العلاقة الزبائنية للأفراد/الجماعات بزعماء الطوائف، بدلاً من المواطنية اتجاه الدولة، حتى باتت أعقد من تفكيكها أو مقاومتها بالانتخابات أو بالعمل السياسي أو المدني. فحتى لو كان مواطنون رافضين لأداء القوى السياسية والطائفية في دوائرهم الانتخابية، كيف لا ينتخبون مَن يشكّل مدخلهم على الدولة وعلى أبسط مقومات الحياة وحقوقهم فيها؟ وأعلى ما في خيولهم، في حالة الاستياء المبدئي العارم، سيكون مقاطعة الانتخابات أو الانتخاب بورقة بيضاء (لأن الدفع بمرشّحين من خارج النادي هو غالباً معركة خاسرة). لكن المسيحيين جرّبوا، ذات مرة، ولم يجنوا سوى مزيد من التهميش وتكريس للإقصاء.
والحقيقة أنه، شئنا أم أبينا، لم تُرصَد، مرّة، رغبة وطنية فعلية وجامعة في تكسير تلك العلاقة الزبائنية أو تهشيم الطائفية فعلياً، باستثناء ما تعبّر عنه ثلّة من العلمانيين أو اليساريين أو الناشطين. ولنا قرائن شتى في حملة "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي"، ثم الحملة ضد التمديد لمجلس النواب، وغيرها الكثير من الحملات وصولاً إلى حملة "طلعت ريحتكم" المحتجة على النفايات المكدسة في الشوارع. كأن الخوف العام، وربما عن حق، لطالما كان من فوضى عارمة أو حرب جديدة تحلّ محلّ الطائفية المنظمة. وكأن "الأمان" الذي يستشعره الكثير من اللبنانيين في أحضان طوائفهم، المرعية من زعماء يورثون الطوائف لأبنائهم وأصهرتهم مع ممتلكاتهم العقارية والعينية، هذا الأمان هو المواطنية اللبنانية التنفيذية، هو شكل الحكم والمحكومية، والحقيقة أن الحالة تعمّم نفسها في المنطقة، وما عاد للبنان، الآن بالذات، الانسحاب من ريادته للظاهرة.
طبعاً، يتحمل الشعب اللبناني (مَن لم يهاجر أو لم يستفِد مباشرة من التركيبة)، جزءاً من المسؤولية عما أصابه ويصيبه. لكن القول بأنه يستحق ما يجري لأنه، وحده، يعيد انتاج الطبقة السياسية، وكأن الخيارات أمامه بالعشرات.. والقول بإن في استطاعته قلب السحر على الساحر بجرّة قلم في الانتخابات البلدية والنيابية وغيرها، وكأن غالبية اللبنانيين ترى صورة واحدة عن نفسها وعن النظام اللبناني المُراد، لمجرد أنهم متضررون من الأزمات نفسها، فهذا تبسيط يداني المراهقة السياسية. تماماً كما كانت مطالبة ناشطين مؤخراً، باستقالة الحكومة على خلفية ملف النفايات (في غياب رئيس للجمهورية، وتعيينات معطّلة بالجملة، والحكومة متعثرة أصلاً، وحتى لو استقالت فستبقى لتصريف الأعمال، ما يزيد الوضع تعقيداً!).
ربما حان الوقت للتفكير بوحي من "سياسة الواقع".. قبل أن نجد أنفسنا أمام "طائف" يُمزّق – قبل أن يطبّق كاملاً ويستنفد كل إمكاناته – لصالح "مؤتمر تأسيسي" جديد، يبني "الجمهورية الثالثة" على توازنات الاتفاق النووي، ومآلات الحرب السورية، و"سوكلينات" تأتي بعَرَبات جديدة محتفظة بالرائحة الرائعة نفسها.
