مجلس الشيوخ… ولكن

النوع: 

 

ثبُت بالدليل الحسي ان اتفاق الطائف وبعد مرور اكثر من خمسة وعشرون عامآ عليه لم يضع حداً لأزمة النظام اللبناني ولم يدخل لبنان مرحلة الإستقرار الثابت والنهائي، لا بل ما زالت الأزمات على انواعها تتوالد وتتناسل، ازمات حكم وحكومة، وازمات رئاسية وحكومية ونيابية ودستورية، وازمات عند كل مفترق واستحقاق.

ولو لم تكن المشكلة كامنة في النظام السياسي لكانت الأمور والأوضاع “اصطلحت” بعد خروج الجيش السوري من لبنان، فلطالما كنا نرمي المسؤولية مسؤولية الأزمات والخلافات والإشتباكات السياسية على “الوصاية السورية” ونتذرّع بها لإعفاء انفسنا من المسؤولية ودفن الرؤوس في الرمال والهروب الى الأمام، لكن الوضع انكشف على حقيقته المرة عندما لم يحدث تحسن بعد زوال عهد الوصاية واستمرت الأوضاع السياسية على حالها من السوء والتأزم، حتى لا نقول انها ساءت اكثر لأن “المايسترو” وضابط الإيقاع وناظم قواعد اللعبة وخطوطها لم يعد موجوداً.

نظرة اللبنانيين الى اتفاق الطائف

– هناك من يرى في لبنان ان اتفاق الطائف ليس متناسباً مع الواقع اللبناني ولا يعكس حقيقته وانما وُلد في لحظة اختلال التوازنات وانكسار معادلة “اللاغالب واللامغلوب” مطلع التسعينات وبالتالي لا بدّ من تغييره والبحث عن “طائف جديد” يأخذ في الإعتبار كل المتغيرات بما في ذلك وجود قوة اساسية ومؤثرة جداً هي “حزب الله” الذي لم يكن موجوداً في المعادلة آنذاك.

– وهناك من يرى ايضآ ان المسّ باتفاق الطائف ضرباً من ضروب المقامرة والجنون والتسبّب بحرب اهلية جديدة، لأن هذا الإتفاق كان نتاج حرب استمرت على تقطع 15 سنة ومن حسناته واهدافه انه طوى صفحة الحرب وفتح صفحة السلام والحوار والإعمار.

وبالتالي فإن المطلوب ليس تغيير الطائف وانما إدخال تعديلات وتحسينات عليه، وان تكون لعبة التعديل والتحسين مُتاحة ولكن تحت “سقف الطائف” ومن اجل سدّ ثغرات ونواقص دستورية وسياسية ظهرت في معرض التطبيق والممارسة لا سيما ما يتعلق بصلاحيات تنفيذية لرئاسة الجمهورية لتكون متناسبة مع مسؤولياتها الدستورية، وما يتعلق ايضاً بتحديد مخارج لأزمات انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومات ووضع آليات لتفادي سياسات التعطيل والفراغ.

– وهناك من يرى ان المشكلة تكمن وبكل بساطة في عدم تطبيق الطائف تطبيقاً كاملاً لأن ما جرى على مرّ السنوات الماضية كان تطبيقاً استثنائياً ومجتزأ لهذه التسوية التاريخية المتكاملة، وبالتالي فإن الخروج من الأزمات السياسية وولوج مرحلة الإستقرار لا يكونان الا من خلال تطبيق الطائف بكل بنوده ومضامينه، نصاً وروحاً، لأن ما اُسقط من هذا الإتفاق وما تم التغاضي عنه هو اكثر واهم مما نُفذ منه حتى الآن…

قانون الانتخابات…

ولكن يبقى ان المسالة الأهم والأكثر إلحاحاً هي قانون الإنتخابات الذي لم يوضع وفق المعايير والمواصفات التي حددها اتفاق الطائف ليكون معبراً في الحقيقة عن التمثيل الشعبي الصحيح وعن التوازن الوطني الذي اُرسي على قاعدة “المناصفة” بين المسيحيين والمسلمين.

وهنا الفضيحة و”الصدمة” الكبرى ان تعجز الطبقة السياسية الحاكمة عن التوصل الى قانون انتخابات عادل ويساوي بين اللبنانيين ويتناسب مع الواقع اللبناني.

مجلس الشيوخ والمغالطات …

والى قانون الإنتخابات تُضاف مسألة انشاء مجلس للشيوخ الذي جرى ربطه دستورياً بمسالة إلغاء الطائفية السياسية وقيام مجلس نيابي جديد خارج القيد الطائفي ويجري ربطه سياسياً بمسألة إرضاء الطائفة الدرزية وزعيمها وليد جنبلاط اي إعطاء الدروز جائزة ترضية على مستوى تركيبة النظام واعطاء جنبلاط مكسباً معنوياً كي يوافق على الخروج من النظام الأكثري والإنخراط في قانون جديد ينطوي على النسبية بصورة كاملة او جزئية.

ان مجلس الشيوخ اللبناني هو الغرفة الثانية في البرلمان اللبناني أنشأ بموجب الدستور اللبناني الصادر في 23 أيار 1926 وتم إلغاؤه بموجب القانون الدستوري الصادر في 17 تشرين الأول 1927 بإيعاز من سلطات الانتداب وضُمّ أعضاؤه لمجلس النواب بعدما تبيّن أنه يعرقل الحياة البرلمانية، جرى الحديث في الأوساط اللبنانية عن إعادة إحياءه في الآونة الأخيرة خصوصاً بعد اتفاق الطائف وصدور القانون الدستوري رقم 18 بتاريخ 21 أيلول 1990 والذي أقر إعادة إنشاءه بموجب المادة 22 من الدستور كمخرج للخروج من الطائفية السياسية في مجلس النواب اللبناني.

وهنا لا بدّ من التوقف عند مغالطات والتباسات كثيرة بشأن هذا الموضوع ولا بدّ من وضع النقاط على الحروف لنقول بكل محبة واحترام انه:

اولا”: لا احد يجادل في اهمية الطائفة الدرزية في التركيبة اللبنانية وضرورة حفظ مكانتها وخصوصيتها، فهي مكون اساسي من المكونات اللبنانية ولعبت دوراً تأسيسياً في قيام لبنان “الكيان والدولة”، ولا احداً يريد تحجيم او تهميش دور الدروز او الإفتئات من حقوقهم، وخصوصاً من جانب المسيحيين الذين اكتووا بنار الغبن والتهميش خلال عهد الوصاية وبعده ولا يريدون لغيرهم ما رفضوه لأنفسهم.

ثانياً: ان طرح موضوع مجلس الشيوخ من خلفية ان رئاسته محسومة للطائفة الدرزية وقد اتُفق على هذا الأمر في مداولات الطائف فإن في هذا الطرح الكثير من المغالطات وعدم الصحة.

فلقد ثبُت ان رئاسة مجلس الشيوخ لم تكرّس لأي طائفة في الطائف، وليس هناك من نصوص او وثائق تثبت ان المسالة حسمت وجرى البتّ بها على قاعدة ان تكون رئاسة مجلس الشيوخ للطائفة الدرزية الكريمة، وفي اصل غياب اي اتفاق خطي او مثبت فإن الإحتكام الى الواقع وقاعدة التوازن الطائفي يبقى الأنسب والأصح.

الواقع يفيد ان هناك ثلاث رئاسات في لبنان للجمهورية والمجلس النيابي والحكومة يشغل الاولى مسيحي ماروني، والثانية مسلم شيعي، والثالثة مسلم سنّي، وبالتالي فإنه استناداً الى مبدأ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين فإن الرئاسة الرابعة التي يُبحث بإستحداثها وهي رئاسة مجلس الشيوخ، يجب ان تكون من حصة المسيحيين لتتوزع الرئاسات الأربع مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

ثالثاً: رئاسة مجلس الشيوخ في هذه الحال تصبح شأناً مسيحياً ويبحث بين الأورثوذكس والكاثوليك لأن الموارنة يشغلون رئاسة الجمهورية، اما بتولي الروم الأورثوذكس رئاسة مجلس الشيوخ كونهم الطائفة المسيحية الأكثر عدداً بعد الموارنة، على ان يتولى في هذه الحال الروم الكاثوليك نيابة الرئاسة في مجلس النواب والوزراء. واما ان يبقى كل شيء على حاله وتُسند رئاسة مجلس الشيوخ الى طائفة الروم الكاثوليك التي تتمتع بحضور وثقل عددي ونوعي يُسمح لها بتولي هذا المنصب وهي التي تعاني من حرمان وغبن مقارنة بما كانت عليه قبل الطائف وقبل الحرب.

رابعاً: ان تكون رئاسة مجلس الشيوخ للمسيحيين، ليس في ذلك اي انتقاص من دور الدروز ومكانتهم ، وانما يهدف الى الحفاظ على التوازن الوطني بشقيّه الطائفي والسياسي.

استحداث منصب نائب رئيس جمهورية للدروز …

واما مكانة الطائفة الدرزية وشانها ومشاركتها في الحكم فيمكن ان تتأمن بطرق ومواقع اخرى غير رئاسة مجلس الشيوخ، ولنا في هذا المجال اقتراح يقضي بإستحداث منصب نائب لرئيس الجمهورية يسند الى شخصية درزية ويكون هذا المنصب الذي يزخر بقيمة وطنية مكسباً فعلياً للطائفة الدرزية وتقف في قمة السلطة الى جانب الطوائف الاسلامية والمسيحية الآخرى.

رحم الله من قال: “من ساواك بنفسه ما ظلمك”.

الكاتب: 
دافيد عيسى
المصدر: 
التاريخ: 
الاثنين, فبراير 27, 2017
ملخص: 
لو لم تكن المشكلة كامنة في النظام السياسي لكانت الأمور والأوضاع “اصطلحت” بعد خروج الجيش السوري من لبنان، فلطالما كنا نرمي المسؤولية مسؤولية الأزمات والخلافات والإشتباكات السياسية على “الوصاية السورية” ونتذرّع بها لإعفاء انفسنا من المسؤولية ودفن الرؤوس في