ماذا يريد الراعي من الدعوة إلى طائفٍ ثانٍ في هذه اللحظة؟

النوع: 

 

هي المرة الأولى على مرّ العهود الرئاسية في مرحلة ما بعد الطائف، التي تجاهر فيها بكركي بهذه الصراحة بالدعوة الى طائف ثان يعزز موقع رئاسة الجمهورية ويعيد إليها صلاحيات فقدتها مع دخول هذا الاتفاق حيّز التنفيذ منذ ما يزيد عن العشرين عاما.

ولعل موقفا بهذا الحجم يطرح أسئلة حول توقيته، وما اذا كان مجرد تعبير عن انفعال بطريركي جراء الاهانة التي تلقاها رئيس الجمهورية بعدم قدرته على فرض مونته على مدير عام، او انه يأتي ضمن سياق ثابت وله تتمته اللاحقة، وحول مدى قابلية طرح كهذا لكي يتحول من مجرد فكرة الى حقيقة ملموسة، وحول مدى قابلية كل فريق من الشركاء المسلمين لتلقي هذا الطرح، وحول ما اذا كان اطلاق هذه الدعوة مناسبا في اللحظة السياسية الراهنة، وتحديدا هل هناك جهة دولية أو اقليمية مستعدة لتلقف هذا الطرح أم أنه يأتي في غير أوانه؟

يقول مؤيدو طرح الراعي ان الصفعة التي تلقاها رئيس الجمهورية خلال حادثة الاتصالات، «هي الشعرة التي قصمت الظهر، ذلك انها غيض من فيض مسار طويل من محاولة اختزال الرئاسة الاولى والاستيلاء على الصلاحيات بدأت مع الياس الهراوي الذي ذاب كليا في «عهد رفيق الحريري»، ثم مع اميل لحود الذي تعرض لحرب ضروس في مرحلة ما بعد 14 شباط 2005 اطاحت بما تبقى من صلاحيات رئاسية وما تلاها من محاولة تذويب لمجلس الوزراء في شخص رئيس الحكومة كما حصل ايام فؤاد النسيورة، وصولا الى العهد الرئاسي الحالي الذي دخل اليه ميشال سليمان عاريا من اية صلاحيات تؤكد الحضور الماروني الفاعل في المشهد الداخلي، ومن هنا كانت مطالباته المتكررة منذ بداية عهده بتعزيز الصلاحيات ومنحه قدرة الشراكة الفاعلة بالقرار كما يردد دائما».

وفي تقدير مؤيدي طرح الراعي انه اختار توجيه دعوته الى الطائف الثاني في توقيت مدروس سواء على المستوى الوطني في ظل الهريان المؤسساتي الذي يعيشه البلد والذي يكاد يصل الى حد الانحلال جراء العثرات المتراكمة في التطبيق الانتقائي والاستئثاري للطائف، بالاضافة الى العجز عن تشكيل حكومة، بل ان كل ذلك بات يدفع الى طرح سؤال حول الجدوى من هذا الاتفاق.

وفي خطوة تبدو مكملة للخطوة الأولى التي نجح فيها البطريرك الماروني في جمع القادة الموارنة المتناقضين تحت عباءته، يبدو أن توقيت الدعوة الى طائف ثان جاءت عشية اللقاء الثاني للقادة الموارنة في بكركي وكأنه يحاول بذلك تحديد جدول اعمال اللقاء ببند اساسي هو «الصلاحيات المارونية»، وصولا الى استرداد صلاحيات الرئاسة الاولى وتحقيق التوازن الذي اخل به الطائف.

ما أراده البطريرك الماروني، كما يقول مؤيدو طرحه، ليس اجراءً شكليا يقوم على رد الصفعة التي تلقاها رئيس الجمهورية، وكانت باكورتها محاولة اتصاله مرتين بأشرف ريفي وعدم رد الأخير عليه... بل هو أراد فعليا ان يهز الشجرة المسيحية لتحقيق مكاسب جوهرية تفرز واقعا جديدا يؤكد الحضور في المشهد الداخلي وفي منطقة القرار تحديدا، وثمة مقولة معبرة ان رئيس الجمهورية لا يستمد هيبته من طوله او وزنه او عرضه او لون عينيه او ماركة بذلته او مقاس حذائه، بل من قوة الموقع، وفي الماضي كان ادمون رباط يقول «ان الصلاحيات الرئاسية نوعان، صلاحيات منظورة اي المنصوص عليها في الدستور، وصلاحيات غير منظورة تتأتى من قوة الموقع، وقوة الموقع تتأتى مما يمتلك هذا الموقع».

وبناء على ذلك، يقول مؤيدو طرح الراعي ان القوة والهيبة «لا تتأتيان من منح الاوسمة او ترؤس الحفلات الرسمية او توقيع مرسوم تشكيل الحكومة بالشراكة مع رئيس الحكومة وترؤس مجلس الوزراء ان حضر الجلسة. وبالتالي فإن هذه القوة قد تبقى منعدمة من دون الوصول الى وضع نظام داخلي لمجلس الوزراء، لكي يكون رئيس الحكومة والوزراء محكومين بمهل وسقوف لصلاحياتهم، ومنح رئيس الجمهورية حق حل المجلس النيابي وكذلك حق اقالة الحكومة».

يقود ما تقدم الى السؤال التالي: هل الظرف مؤات لطائف آخر؟

هناك من يعتقد ان البطريرك استعجل وتسرع متأثرا بوهج الثورات العربية، ووجد الفرصة مؤاتية لاطلاق هذه الدعوة لعل رياح الاصلاحات تلفح لبنان، وهناك من يقول ايضا ان دعوة البطريرك الى طائف ثان مشروعة لكنها غير قابلة لان تتحقق، اقله في المرحلة الراهنة الا اذا كان هناك امر ما يجري خلف المشهد العام، وهناك جهات سياسية تؤكد امتلاكها معطيات حول همس اوروبي وتحديدا فرنسي في آذان بعض اللبنانيين بأنهم لم يعودوا مقتنعين بأن الصيغة اللبنانية القائمة حاليا في لبنان هي المثلى خاصة وان تجربة الطائف اثبتت انها لم تعد قادرة على إدارة الحكم في لبنان، وبات من الضروري اعادة النظر فيها.

وهناك من المعترضين على هذا الطرح من يأخذوا على البطريرك الماروني حماسته المفرطة واندفاعه نحو طرح له ابعاد خطيرة وارتدادات سلبية على غير مستوى، وعلى سبيل المثال:

- ان الدعوة الى طائف ثان معناها الذهاب فورا الى التمترس في مواجهة الفريق المستفيد من الطائف، اي السنية السياسية. ومعناها ايضا تشجيع اي طرف يجد نفسه متضررا من الطائف او طاله اجحاف منه على مدى السنوات العشرين الماضية ان يسعى بما اوتي من قوة الى تحسين وضعه وتحقيق مكتسبات.

- حتى ولو ان صيغة الطائف اثبتت عقمها وسوء ممارستها وادائها، فإن الطائف الجديد او اي اتفاق جديد يحتاج الى توافق واسع، والى ظروف مؤاتية محلية وخارجية، فهل في الامكان تحقيق هذا التوافق الان او في فترة لاحقة؟

- اذا كان القصد من هذا الطرح هو تحسين وضع الموارنة سياسيا، فكيف سيتم ذلك، الا يعني ذلك انه سيتم على حساب الآخرين والا يعني ذلك الدخول في مواجهة مع هؤلاء الآخرين الذين سيدافعون عن مكتسباتهم، ثم كيف سيتم الذهاب الى طائف آخر، او الى اي اتفاق آخر، علما ان التجربة اللبنانية اثبتت ان اتفاقات كهذه تاتي نتيجة عمل جراحي، وفي احسن الاحوال لا تولد من دون مخاض عنيف سواء أكان سياسيا أم امنيا.

ماذا بعد هذا الطرح؟

تخلص قراءة احد السياسيين الى افتراض ان طرح البطريرك جاء مفاجئا للجميع الى حد الارباك، فميشال عون سارع الى التأييد وله الف سبب وسبب من تاريخ علاقته الاولى مع الطائف الى اشتباكه المفتوح مع الحريرية السياسية ووريثها نجيب ميقاتي، وسمير جعجع بدا منزعجا من موقف الراعي الذي كان بمقدوره أن ينتظر اللقاء الماروني لاتخاذ موقف من هذه النقطة بدل أن يحاول فرض أمر واقع وبطريقة غير مدروسة، ولذلك بدا جعجع عمليا مستعدا للتضحية بالصلاحيات الرئاسية مراعاة لحليفه سعد الحريري، فيما رئيس الجمهورية وجه شكره الى البطريرك الماروني على طرح قد يحتل حيزا متقدما في واجهة الاعلام في الاتي من الايام، ولكن ليس في الافق المنظور اية جهوزية لمحاولة الدفع بطرح استرداد الصلاحيات الرئاسية لان يتحول من فكرة الى حقيقة.

الكاتب: 
نبيل هيثم
التاريخ: 
الخميس, يونيو 2, 2011
ملخص: 
هناك من يعتقد ان البطريرك استعجل وتسرع متأثرا بوهج الثورات العربية، ووجد الفرصة مؤاتية لاطلاق هذه الدعوة لعل رياح الاصلاحات تلفح لبنان، وهناك من يقول ايضا ان دعوة البطريرك الى طائف ثان مشروعة لكنها غير قابلة لان تتحقق، اقله في المرحلة الراهنة الا اذا كان