هكذا يتطابق الواقع اللبناني وأهداف ميثاق العيش المشترك وينتج عنه عملية إصلاح ذاتية شعبية من دون قيادة سياسية
يجب أن نعترف أولاً بأن كل شيء في لبنان مختلف ولا مثيل له، إلى درجة أن المفاهيم "الطبيعية" الموحدة للكيان في أي وطن أو مجتمع لا تتلاءم وحالتنا -كوطن ومجتمع- الغنية والمتخمة بالتنوع في مكوناته الطوائفية، المتفاوتة في الأحجام والمتضاربة في المصالح والمتناقضة في وسائل إثبات وجودها.
وبسبب من هذا الإختلاف، جاء ميثاق العيش المشترك كأساس لشرعيّة أي سلطة، وليكون صيغة وطنية جامعة تربط الشعور بالإطمئنان، وكذلك مصالح مكونات المجتمع اللبناني الطوائفية -مع تضاربها- بوجود المجتمع نفسه والمحافظة عليه من خلال المشاركة في إنتاج الدولة الحاضنة لهذا المجتمع المركب والقادرة على تعزيز وحدته وحمايته من الأخطار كافة.
إن ما نعيشه اليوم، يؤكد أن المشكلة ليست في الميثاق، بل في المؤتمنين على تطبيقه، الذين أنتجوا حالاً من انعدام الثقة بين الطوائف، وحوّلوا السياسة إلى أداة مرتبطة بالمصالح الضيقة للأفراد والجماعات على حساب الصالح الوطني العام.
إن الترجمة المنطقية لميثاق العيش المشترك والقابلة للحياة على المدى الطويل، والتي يجب أن ترتكز إلى اتفاق الطائف والدستور اللبناني، هي عبر قانون للانتخابات النيابية يُجسد ويحترم الواقع اللبناني و"يعترف" بكياناته الطوائفية المكونة له على تفاوت أحجامها، ويمنحها حق المشاركة "الميثاقية" في صناعة السلطة -وبشكل خاص- في طريقة انتخاب مجلس نيابي وطني مؤلف من نواب عن الأمة جمعاء منتخبين من جميع اللبنانيين لا من طوائفهم فقط، لإبعاد الغبن عن أي طائفة مهما قلّ عدد المنتمين إليها سعياً لطمأنتها، وإلغاء مقومات استئثار أي طائفة على حساب الطوائف الأخرى، وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنية "بدون تمييز غير معلن"، بهدف تكريس الشراكة "الميثاقية الحقيقية" لكل طائفة كضمانة معنوية وسياسية لوجودها وتفعيلاً لمشاركتها كبديل وطني عن حاجتها إلى الحماية من طريق طلب الرعاية والوصاية والدعم، وفي كثير من الحالات بالإستقواء عبر "الإفراط" في الولاء للخارج -حيث لكل طائفة خارجها- على حساب الولاء للوطن، لإثبات "الوجودات الطوائفية" الذي تتسابق الطوائف الكبرى قبل الصغرى منها على تحقيقه "وبالإكراه أحياناً".
وبناءً على ما تقدم، نعرض فيما يلي آلية تحقيق المشاركة "الميثاقية":
أولاً: اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة.
ثانياً: تقبل الترشيحات النيابية إفرادياً.
ثالثاً: يجب على كل ناخب الاقتراع المزدوج "الميثاقي" (صوت واحد -ذو فعالية مزدوجة- لكل مقترع)، في الوقت نفسه، على ورقة واحدة لإثنين من المرشحين من الفئتين الإسلامية والمسيحية (أي 1 مسلم + 1 مسيحي) كحد أدنى، مع حقه بالاقتراع لـ: أربعة أو ستة أو ثمانية مرشحين كحد أقصى (أي 2 أو 3 أو 4 مسلمين + 2 أو 3 أو 4 مسيحيين) على ورقة واحدة والتي يمكن أن تشكل لائحة "ميثاقية" صغيرة أو متوسطة.
وليس المقصود هنا أن يجري التصويت لمرشحين من الفئتين الإسلامية والمسيحية (أو أكثر) بشكل متلازم أو إلزامي، بل المقصود أن يترك الخيار للناخب في الاقتراع لمتحالفين أو الجمع بين (غير المتحالفين) ممن يعتبر أنهم سيمثلونه بشكل صحيح على ورقة واحدة، للحؤول دون تحكم الأكثرية العددية لفئة على أخرى وبالتالي على النتائج بشكل مسبق.
رابعاً: يفوز بالمقاعد النيابية المرشحون الذين نالوا العدد الأعلى من مجموع الأصوات "المشتركة"، على أن تمنح أولوية الفوز للمرشحين الذين حققوا المجموع "المشترك" الأعلى مع الفارق الأقل بين مجموعي أصوات الفئتين، إلى أن ينتهي عدد المقاعد المخصص لكل طائفة.
وبذلك "يمكن" تحقيق الأهداف التالية:
1- المطابقة بين نتائج الانتخابات والواقع اللبناني، وبين الأهداف الوطنية العليا لميثاق العيش المشترك.
2- كل مواطن لبناني، من أي طائفة أو منطقة كان، هو معني بالانتخاب، ولصوته الأثر الكبير في النتائج، وبالتالي رفع معدل القوة الإقتراعية لكل الفرقاء، وخاصة عند المسيحيين، وذلك من خلال إلغاء معدل التهميش المسيحي المرتفع، والذي سيقارب في العام 2009 ما نسبته 18.4% من إجمالي الناخبين منهم.
3- سحب مبرر عدم إجراء الانتخابات بسبب وجود السلاح "المقاوم" بيد فريق لبناني، من خلال القدرة على التأثير المتبادل في شكل وحجم التمثيل النيابي لكل الفرقاء.
4- تبادل التأثير الإيجابي في اختيار النواب "المعتدلين" من الفئتين الذين يجمعون ولا يفرقون.
5- التصويت "الميثاقي" للمرشحين مناصفة بين الفئتين ومن مختلف المناطق، مقدمة للتعاون بين المرشحين طائفياً ومناطقياً.
6- تحجيم الإنفاق الانتخابي غير القانوني والرشوة الانتخابية إلى أقصى حد بسبب اتساع الدائرة الانتخابية.
7- تأمين أكبر قدر ممكن من الحرية للناخبين على اختلاف طوائفهم لممارسة حق الاقتراع من دون توجيه أو تحريض طائفي، ما يؤدي إلى زيادة نسبة المقترعين.
8- "إمكانية" مشاركة الشباب من عمر 18 سنة وما فوق من جميع الطوائف، وكذلك المقيمين خارج لبنان من دون أن تشكل عامل كثرة عددية.
9- عدم إفساح المجال أمام طوائف عندها كثرة عددية للتحكم في إيصال من يناسبها من الطوائف الأخرى.
10- تحديد الحد الأقصى لأي تحالف أو إئتلاف انتخابي بـ 8 مرشحين، يؤمن فرصة كبيرة لتحقيق التعددية في التمثيل النيابي داخل الطوائف وخاصة الكبرى منها.
11- فتح الباب أمام الهيئات المدنية والنقابات المهنية والاتحادات النسائية وغيرها لتقديم مرشحين لهم يطرحون قضاياهم من داخل المجلس، وبالتالي تحويل مفهومي الاقتراع والتمثيل من الطائفي إلى المدني للذين يهتمون بالشأن الوطني العام (اقتصادياً، اجتماعياً، تربوياً، مهنياً ...إلخ).
12 ضمان دخول القوى الوسطية الطائفية وغير الطائفية إلى الندوة النيابية، وإقصاء التطرف السلبي.
13- إلغاء فكرة التشكيك بصحة التمثيل وعدالته، حيث يصبح النائب منتخباً وطنياً وممثلاً عن الأمة جمعاء.
14- تفعيل الإنماء في المناطق، من خلال تنافس النواب على توسيع دائرة خدماتهم غير الطائفية للمواطنين في المناطق لما تمثل من خزان انتخابي من جميع الطوائف لجميع المرشحين.
15- التنوع الطائفي داخل الكتل، بحيث لا نرى كتلة نيابية من لون واحد أو القرار فيها للون واحد.
16- اعتماد الخطاب الوطني - وليس الانتخابي فقط - من الأحزاب المتحالفة الذي يؤسس للتقارب بين الطوائف الأمر الذي يعزز الوحدة الوطنية ويحافظ على وحدة مكونات المجتمع.
17- تشجيع الأحزاب على توسيع دائرة الاستقطاب غير الطائفي وعلى أساس البرامج السياسية والمتنوعة، وكسر حلقات التقوقع الحزبي - الطائفي.
18- نشوء أحزاب غير طائفية تستطيع دعم مرشحيها وإيصالهم إلى المجلس النيابي من خلال اتساع القواعد الشعبية العابرة للطوائف لكل حزب، والقادرة على منع الفرز الطائفي.
19- تشجيع مبدأ المحاسبة المشتركة للنواب باعتبار أنهم مسؤولون أمام أكثر من طائفة بحيث لا يعود بمقدورهم تبني خيارات سياسية غير معتدلة لا تتناسب مع أجواء ناخبيهم من جميع الطوائف.
20 تشجيع الكتل النيابية على ممارسة المساءلة الفعلية مستفيدة من التنوع الطائفي "الإرادي" في داخلها، الذي يؤمن غطاءً وطنياً قوياً "غير طائفي" يستطيع أن يقف بوجه الحماية الطائفية التي تمنع محاربة الفساد ومحاسبة المخالفين للدستور والقوانين، ويلغي المحاصصة في المحاسبة.
أما الهدف الأسمى فهو "ولادة" الجسم الذي يربط بين جناحي لبنان (كما وصفهما المغفور له الرئيس صائب سلام)، وتحقيق شعار (لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه)، وفتح أبواب الاندماج الاجتماعي وتبادل الثقة بين مجموعاته، ليبقى لبنان منارة ونموذجاً لكل المجتمعات الأخرى التي تتميز بالتنوع الشديد (تطبيقاً لما أوصى به سماحة الإمام الشيح محمد مهدي شمس الدين).
