ذكرى حرب لم تنتهِ!
تحلّ بعد نحو أسبوعين الذكرى الحادية والأربعون لاندلاع "الحرب الأهلية"، في وقت يسبق هذه الذكرى، وعلى نحو غير مسبوق منذ مطلع التسعينات، استحضارٌ كثيفٌ لعناوين طرحت في الحرب أو في عشياتها وتبدو اليوم، ويا للمفارقة، قضايا راهنة.
فالوزير نهاد المشنوق كرر أكثر من مرّة منذ المشكلة المستجدة بين لبنان والمملكة العربية السعودية، أن لبنان لا يستطيع التهاون في مسألة عروبته، وقد كلفّه تأكيد هذه العروبة 200 ألف قتيل، وهو أورد هذا الموقف أخيراً في حديثه مع الإعلامية رشا قنديل على "بي بي سي عربي". كلام المشنوق هذا إضافة إلى اختزاله أسباب الحرب بالخلاف على هوية لبنان على نحو يفتقر للدقة، يضمر تبسيطاً لنقاش معقّد احتدم عشية الحرب واستمر خلالها، لا بل يحاول فرض قراءة أحادية لأسباب الحرب ونتائجها بما يؤكد مرة جديدة أن كل طرف ما يزال متمسكاً بقراءته للحرب بالرغم من كل ما قيل عن مراجعات نقدية في صددها. لكن يبقى أنّ الأخطر في كلام المشنوق هو توظيف نقاش ملتبس أساساً ومتصل بالحرب الأهلية ويفترض أنه طوي بانتهائها، في السجال السياسي الراهن، بالرغم من اختلاف قاعدة هذا النقاش وأطرافه بين الماضي والحاضر! علماً أنّ الوزير المشنوق كان قد أشار خلال وضع نصب تذكاري لريمون إده في جبيل الصيف الماضي، إلى أنّه "من جيل ينتمي الى الخطيئة بحق لبنان واللبنانيين"، مخاطباً إده بالقول: "كم كنت على حق، حين رفضت اتفاق القاهرة الذي شرّع البلاد أمام تجربة السلاح الفلسطيني. كم كنت على حق يوم حذرت من تحويل اتفاق الطائف الى وسيلة لأسر لبنان في قبضة الوصاية السورية (...)"، ولا شك أن كلام المشنوق هذا أكثر دقة ونقدية بما لا يقاس من كلامه المذكور أعلاه، في تناوله سبب رئيسي من أسباب الحرب، أي "تشريع البلاد أمام تجربة السلاح الفلسطيني"!والحقيقة أنّ المشنوق ليس وحده من استعاد لغة الحرب أخيراً، لكنّ كلامه تناولها بكليتها إذ لم يستعد، كالشيخ محمد يزبك أو الرئيس نبيه بري أو الوزير جبران باسيل و"التيار الوطني الحر" عموماً، بعض عناوينها وأدبياتها. فالشيخ يزبك أكد، الأحد، أنه "لن نقبل بالعودة إلى الماضي حيث كانت المارونية السياسية، كما لن نقبل اليوم بتسمية سياسية أخرى رديفة". وكلامه هذا، وإن جاء لتأكيد موقف "حزب الله" الراهن من توافق الحريري- فرنجية أو من تحالف جعجع- عون، إلّا أنّه يستنهض عصبية مستمدة من زمن الحرب عبر التذكير بـ"المارونية السياسية"، وهو مصطلح طرحه كمال جنبلاط عشية الحرب، ولا يعكس حالة سياسية بعينها بمقدار ما يدّل على الرغبة في تقويض وضعية سياسية كانت قائمة وقتذاك، وهو بذلك "مصطلح حربي" بامتياز. علماً بأنّ العودة إلى الماضي ليست دائماً عودة إلى الوراء كما حاول أن يوحي الشيخ يزبك، خصوصاً في ظل المعطيات الراهنة. وكان الرئيس برّي أكدّ أخيراً أمام زواره "اننا سنواجه مشاريع التقسيم حتى ولو اقتضى الأمر ان تكون المواجهة بالسلاح"، وذلك في إطار ردّه على كلام الوزير باسيل في مجلس الوزراء عن "الذمية السياسية"، التي يرى باسيل أنها تمارس في التعاطي مع المسيحيين في لبنان، وهو كلام يُستغرب أن يصدر على لسان رئيس لمجلس النواب يفترض أن يكون الأحرص على تأمين شروط السلم الأهلي وضبط السجال السياسي بالأدوات السياسية المتاحة بين يديه سواء في مجلس النواب أو الحكومة التي له فيها رأي مؤثر، كما أنه كلام يوظّف أدبيات الحرب في سجال راهن. أمّا تحذير الوزير باسيل من توطين السوريين في لبنان، ومقابلته بحملة تتهمه بالمبالغة واستخدام ورقة التوطين في السجال الداخلي، فدليل إضافي على استرجاع مناخات "الحرب الأهلية"، وإن كان موضوع السجال هذه المرة النازحين السوريين لا اللاجئين الفلسطينيين. ناهيك عن كلام "التيار الوطني الحر" عن الفيديرالية، و"تصحيح الشراكة"، وهي أيضاً عناوين طرحتها الحرب، وإن كان المسلمون هم المطالبون بـ"الإصلاح" في زمن الحرب! هذا فضلاً عن إعادة طرح مسألة حياد لبنان في وقت يعبر مقاتلو "حزب الله الحدود" في الاتجاهات جميعاً، على نحو يعادل منحى السلاح الفلسطيني في الحرب وما قبلها. هذه الاستعادات جميعاً إن دلّت على شيء فعلى حضور لغة الحرب في الوعي الجمعي اللبناني وعلى القابلية لإعادة انتاج قضاياها تبعاً للحظة السياسية الراهنة. وهذا برهان واضح على عدم طي صفحة الحرب نهائياً، بالرغم من المحاولات المتكررة لذلك، بدءاً باتفاق الطائف الذي، وعلى الرغم من عدم وضعه إلى حد بعيد على قاعدة "الغالب والمغلوب" إلّا أن تطبيقه كان عكس ذلك (ناهيك عن الخطاب "الإنصهاري" على الطريقة السورية الذي تلا الاتفاق)، وصولاً إلى "انتفاضة الاستقلال" في العام 2005 التي تبنت أدبيات متجاوزة لانقسامات الحرب، إلى أن أتاح انفراط التحالف الإسلامي والمسيحي المنبثق عنها أرضية صالحة لجميع مكوناتها للعودة إلى "لغة الماضي". وهو ما حصل أيضاً على ضفة 8 آذار وخصوصاً بعد تحالف عون- حزب الله، فما إن وهنت أسباب مواجهة "14 آذار" حتى عاد عون إلى "خصوصيته" في وقت انغمس "حزب الله" أكثر، تزامناً مع الحرب السورية، في "فئويته". وكأن لغة الحرب وخطابها هما الأكثر ديمومة في لبنان بعد الفشل مراراً في تأسيس لغة وخطاب جديدين. وبالتالي لم يعد شعار مثل "تنذكر وما تنعاد"، كافياً للدلالة على الرغبة في عدم تكرار هذه التجربة الألمية في تاريخ لبنان، فقد يكون التمادي في تذكّرها غرضياً وخارج أي سياق تاريخي نقدي سبباً في توسيع احتمالات العودة إليها. وهو ما يفعله العديد من السياسيين في لبنان ومعهم جمهورهم بالطبع.. وإذا كان هذا ليس سبباً كافياً لتجدد الحرب إلّا انه بالتأكيد لا يؤخرها ساعة إذا وجدت ظروف إقليمية ومحلية تحفّز عليها!
