مجلس الشيوخ... بين الضرورة التطويرية وصعوبة التطبيق

النوع: 

فجأةً، تلازَم الحديث عن وضع قانونٍ جديد للانتخابات النيابية وضرورة إنشاء مجلس شيوخ، كبداية حلٍّ للحكم المدني في لبنان، كما نصّ اتّفاق الطائف. هذه الدعوة أطلِقت بعد بروز مشروع «اللقاء الأرثوذكسي» خياراً يمكن اعتماده لإجراء الانتخابات. فهل التوقيت مناسب حاليّاً لإنشاء مجلس شيوخ؟ساهم طرح "اللقاء الأرثوذكسي" بتسليط الضوء على مجلس الشيوخ من زاوية أنّ التمثيل الطائفي يتناسب مع هذا المجلس أكثر من المجلس النيابي الذي نصّ الطائف على تحريره من القيد الطائفي مقابل تثبيت الطائفية في مجلس الشيوخ.

وقد رأت مروحة واسعة من القوى السياسية أنّ الأرثوذكسي يصلح لمجلس شيوخ أكثر منه للمجلس النيابي. ومن هذا المنطلق، ارتفعت وتيرة المطالبات بإنشاء هذا المجلس لعلّه يشكّل مخرجاً من المأزق الوطني الراهن بإعطاء المسيحيّين ما يبتغونه من تمثيلٍ فعليّ يضمن لهم ولغيرهم حقّ "الفيتو" على القرارات الوطنية، ما يشكّل الضمانة لهذه المجموعات ويبدّد هواجسها من أيّ استهداف أو تغيير لوجه لبنان، وما يتّصل بمنظومة الحرّيات والديموقراطية ودور لبنان في الخارج.

وفي هذا الإطار، تلقّف الرئيس سعد الحريري هذا الموضوع، فأدرجه ضمن مبادرته بالدعوة الى إنشاء مجلس شيوخ، فضلاً عن تطبيق اللامركزية الإدارية والإبقاء على طائفية المجلس النيابي، ما يشير الى أنّ الحريري تقصّد إعطاء المزيد من التطمينات إلى المسيحيّين عبر تعديل الدستور، لجهة أن لا يكون إنشاء مجلس الشيوخ ممرّاً لانتخاب مجلس نيابيّ محرّر من القيد الطائفي، لأنّ الدستور اللبناني ينصّ في المادة 22 منه، المعدّلة بالقانون الدستوري الرقم 18 تاريخ 21/9/1990، أنّ "مع انتخاب أوّل مجلس نوّاب على أساس وطني لا طائفي، يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحيّاته في القضايا المصيرية".

وعليه، فإنّ الخطوات القانونية المتّبعة لإنشاء مجلس الشيوخ في لبنان، تتمّ أوّلاً عبر إلغاء الطائفية، وبعدها الطائفية السياسية، ومن ثمّ إنشاء مجلس نيابي على قيد غير طائفيّ، وصولاً إلى إنشاء مجلس للشيوخ.

لا شكّ في أنّ المبادرة لاقت استحساناً لدى شرائح مسيحية واسعة كونها تشكّل رزمة مطالب مسيحية مزمنة في ظلّ الاعتقاد أنّ هذه الرزمة غير قابلة للتحقيق إلّا في لحظة سياسية مؤاتية، كاللحظة الحاليّة ربّما، والتي تشهد ضغوطاً وسباقاً مع الوقت، الأمر الذي قد يُحدث خرقاً على هذا المستوى ويؤدّي في المحصّلة إلى تحوّل نوعيّ في الحياة السياسية، أي تطبيق ما عجزت الفترة الفاصلة من إنشاء اتّفاق الطائف الى اليوم عن تطبيقه، خصوصاً إذا ما أضيف الى هذه الرزمة موقف الحريري نفسه من الزواج المدني.

هذا التبنّي الذي يمهّد لقوننة هذا الزواج في ظلّ وجود رافعتين أساسيتين له، إحداهما في بعبدا، والثانية في بيت الوسط مرشّحة لأن تُكلَّف مجدّداً برئاسة الحكومة بعد الانتخابات النيابية المقبلة. غير أنّ ما تقدّم لا يعني غياب التساؤلات عمّا إذا كانت الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات كافية لمقاربة هذه القضايا الشائكة، فيما الطبقة السياسية برُمّتها عاجزة عن الاتفاق على قانون انتخابي لإجراء الانتخابات في موعدها؟

فالكلام عن مجلس شيوخ يتطلّب ورشة دستورية لوضع آلياته التطبيقية، كون اتّفاق الطائف اكتفى عمليّا بالإعلان عن إنشاء هذا المجلس من دون الدخول في التفاصيل المتّصلة به، من عدد أعضائه الى صلاحيّاته وآليّة انتخابه، وصولاً إلى مدّة ولايته ورئاسته، هذه الرئاسة التي تشكّل الإشكالية الكبرى في إنشاء هذا المجلس.

ولعلّ مردّ هذه الإشكالية عائد إلى اعتبار فريق أنّ رئاسة مجلس الشيوخ يجب أن تؤول إليه حكماً، وهو الطائفة الدرزية، فيما تعتبر الطائفة الأرثوذكسية أنّها الأحقّ في هذا المجال لاعتبارين: أوّلاً على مستوى عدد نوّابها وحجم ديموغرافيتها، وثانياً لجهة توازن الرئاسات، لأنّه في حال آلت هذه الرئاسة إلى الدروز، يختلّ التوازن بين المسلمين والمسيحيّين لجهة وجود ثلاث رئاسات إسلاميّة مقابل رئاسة الجمهورية، في حين أنّ الترئيس أورثوذكسيّاً سيرسّخ التوازن على مستوى الرئاسات.

غير أنّ هذه الإشكاليّات المتّصلة بوظيفة المجلس ورئاسته لا تعني إطلاقاً عدم الإقدام لمناقشتها وإقرارها لأنّه على الطبقة السياسية مواجهة الحقائق ومكاشفة بعضها البعض، كون التأخير سيؤدّي الى تمديد الأزمات القائمة واستفحالها، فيما تطبيق ما ورَد في اتفاق الطائف لجهة اللامركزية ومجلس الشيوخ سيريح الواقعين السياسي والشعبي، وينقل البلاد من ضفّة الى أخرى.

ويبقى على الطبقة السياسية أن تأخذ بهذه المبادرة على محمل الجدّ وتعمل على مناقشتها، ولا بأس إذا عقدت اللجان المشتركة اجتماعات مكثّفة من أجل جعلها تبصر النور. فاتفاق الطائف أقرّ في نهاية المطاف، ضمن مهلة زمنية محدّدة استحوذت عدداً لا يُحصى من النقاشات، وبالتالي إذا كانت النيّات صادقة وجدّية، فإنّ كلّ هذه الورشة لن تتطلّب أكثر من أسبوعين أو ثلاثة لتحقيقها.

الكاتب: 
باسكال بطرس
التاريخ: 
الجمعة, فبراير 8, 2013
ملخص: 
الإشكاليّات المتّصلة بوظيفة المجلس ورئاسته لا تعني إطلاقاً عدم الإقدام لمناقشتها وإقرارها لأنّه على الطبقة السياسية مواجهة الحقائق ومكاشفة بعضها البعض، كون التأخير سيؤدّي الى تمديد الأزمات القائمة واستفحالها، فيما تطبيق ما ورَد في اتفاق الطائف لجهة اللامر