العجز عن تسوية لإدارة الأزمة

النوع: 

 

لا شيء يكشف مدى الإنحدار السياسي في لبنان أكثر من بقاء السباق الرئاسي بلا حركة جدية على الرغم من بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس. ولا أحد يتوقف أمام مفارقة بالغة التعبير: أحاديث عن ثلاثة خيارات رئاسية، وسط التصرف كأن الشغور الرئاسي هو الخيار الوحيد الذي يراد له أن يكون قدراً. الخيار الأول في الأحاديث هو أن يتمكن "حزب الله" وحلفاؤه من إنتخاب رئيس تحدٍ يكمل رئاسة الجنرال ميشال عون. الثاني هو أن تتفق القوى السيادية والتغييرية على انتخاب رئيس سيادي إصلاحي شعاره "لبنان أولاً وأخيراً". والثالث هو أن يصطدم الجميع بالجدران في الواقع، وتدفعهم الواقعية الى التفاهم على رئيس تسوية لا يشكل أي تحدٍ لأحد. وكلها، حتى إشعار آخر داخلي وخارجي، خيارات إفتراضية، حيث تبادل الأدوار في تعطيل النصاب في جلسات الإنتخاب هو اللعبة الوحيدة في المدينة.

وليس ذلك جديداً، بعدما عشناه غير مرة. ولا خارج المألوف أن تدار اللعبة من قوى خارجية بقوى داخلية. فالتجارب والصراعات تتكرر بشكل أو بآخر، باردة أو حارة، من أيام الإمارة الى القائمقاميتين فالمتصرفية ولبنان الكبير. والخلاصة أن لبنان بلد الأزمة الدائمة في العمق والأزمات المتبدلة على السطح. لا حلول جذرية بل تسويات موقتة. كل تسوية هي فاصل بين أزمتين أو حربين أو صراعين، وفرصة لبقاء رأس لبنان فوق سطح المياه. وإذا كانت الأزمة هي القاعدة، فإن التسويات هي الإستثناء. وكل التسويات هي عملياً مرحلة من إدارة الأزمة. مرحلة متقدمة أو مرحلة عادية.

المشكلة اليوم أن الأزمات المتبدلة على السطح سياسياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً تفاقمت، وانضمت الى الأزمة الوطنية الدائمة في العمق والتي صارت بدورها أزمة وجودية مصيرية. وما يشغل الأحزاب والتيارات هو التراشق بالوحل من فوق بؤس الناس، وسط مخاطر المبارزة بالصواريخ مع إسرائيل: مبارزة في حرب لا يريدها أحد، ولا يضمن أحد عدم الإنزلاق إليها على طريقة شمشوم الجبار في الأسطورة: "عليّ وعلى أعدائي يا رب".

وما وصلنا إليه هو أخطر معادلة: لا حل، لا تسوية، ولا قدرة على إدارة الأزمة حتى بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال. وما يزيد هذه المعادلة سوءاً هو الجمع بين فراغ حكومي وشغور رئاسي وصراعات سياسية وإنهيار إقتصادي. فضلاً عن أن أية حكومة تولد بالإضطرار في وقت محشور وبالعقلية السياسية التي نعاني بلاياها لن تصنع فارقاً مهماً. حتى انتخاب رئيس للجمهورية، فإنه لن يغيّر الكثير من الصورة. وما عرقل العهد الحالي قادر على عرقلة العهد الجديد. والعمل المستمر لقيام "لبنان آخر" ضمن "جبهة المقاومة" بقيادة إيران يقود الى أزمة أشد خطورة في الداخل ومع الخارج. ويحدثونك عن الحاجة الى "تدوير الزوايا"، وهي ليست من المزايا المهمة في السياسة.

لعل ما نحتاج اليه هو التذكير بقول الشاعر العراقي الراحل مؤخراً مظفر النواب: "ما لبعض الضحايا يناصر ذئباً على آخر".

الكاتب: 
رفيق خوري
التاريخ: 
الأربعاء, سبتمبر 7, 2022
ملخص: 
وما وصلنا إليه هو أخطر معادلة: لا حل، لا تسوية، ولا قدرة على إدارة الأزمة حتى بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال. وما يزيد هذه المعادلة سوءاً هو الجمع بين فراغ حكومي وشغور رئاسي وصراعات سياسية وإنهيار إقتصادي