قانون الانتخابات: خطوط متوازية لا تلتقي

النوع: 

 

خطان متوازيان لا يلتقيان، بل لنقل انها خطوط متوازية، طوعتها الوصاية، وأبى أصحابها الخروج من الطريق المرسوم وتغيير مساراتهم للالتقاء معاً في مشروع يحقق مصلحتهم الجماعية، ومصلحة الوطن الذي ارتضوا به، أو فرض عليهم، لكنه تحوّل مع الوقت وطنهم الذي لا بديل لهم منه.

ندور في حلقة مفرغة. يبرز متحمسون ويقابلهم معترضون. تتحرك جمعيات ومنظمات اهلية من المجتمع المدني في لبنان، مطالبة بقوانين عصرية، مدنية، علمانية، أو تعتمد الكوتا النسائية. لكن النتيجة محسومة لمصلحة قوى الامر الواقع. تلك القوى، التي كان معظمها ميليشيات تفرض إرادتها بالقوة، فإذ بها بين ليلة وضحاها، تدخل في اللعبة السياسية، فتنسف أساساتها، لتصبح السياسة اللبنانية ميليشيوية بامتياز، ومذهبية بامتياز. الاحزاب خسرت تنوعها خلال الحرب، ونشأت أخرى أكثر مذهبية، تتمظهر بالعلمنة احياناً، وتتلطى بخطاب ظاهره وطني غالباً.

نقف حالياً امام استحقاق جديد قديم، يعود الى ما قبل الاستقلال الذي تحقق عام 1943. منذ ذاك الحين ونحن امام تحدي عدم الثقة والخوف من الآخر والديموغرافيا اللعينة في منطقة تتخبط بصراعات دينية منذ فجر التاريخ. المسيحيون اكتشفوا منذ عهد الاستقلال ان زيادتهم العددية لا توازي التزايد الاسلامي. تمسكوا بالمعادلة القديمة التي اخترعوها بدعم فرنسي (5+4)، واعتبروا انها ضمانة لدورهم، الى ان اتت الحرب عليها، فكانت المناصفة مع اتفاق الطائف لتوازي ما بين الحاكمين بمعادلة مارونية سنية وفئة المحرومين التي لشدة جوعها الى السلطة تحولت حاكمة بنهم. واذا كانت المناصفة اعتبرت حلاً نهائياً مع قرار بتعطيل العداد، فإنها تحققت بالعدد، أي بالشكل، ولم تكن فعلية. احتفظ المسيحيون بالثلث على الصعيد الوطني، وبما يقارب ثلثي عدد نوابهم انسجاماً مع واقعهم العددي، وتقاسم شركاؤهم الحصة الباقية، بل وتنازعوا عليها. وتدخلت الوصاية السورية في كل الحصص تقريباً.

السنّة الذين خافوا من تحول دورهم هامشياً، امسكوا بالسلاح الفلسطيني اولاً، لمواجهة شركائهم: المسيحيون الكتائب ولاحقاً القوات، وحركة أمل الشيعية، والاشتراكي الدرزي. وزاد من خوفهم التدخل السوري، وسقوط البندقية الفلسطينية، فلجأوا الى العدد عبر تجنيس عدد كبير من السوريين والعرب السنة، فكان مرسوم التجنيس الشهير الذي ضاعف من قهر المسيحيين. وها بعضهم يطمح الى ابقاء اللاجئين السوريين في لبنان، ودمجهم لاحقاً، بما يبدل في الديموغرافيا التي تفرض متغيرات لاحقة.

في المقابل، أقدم الشيعة على الارتباط عضوياً بإيران التي مدّتهم بالمال والسلاح ليحققوا توازناً، بل تفوقاً على باقي المكونات اللبنانية، واعتمدوا سياسة "اقتحام" كل مؤسسات الدولة واداراتها، والامساك ببعضها. وأدّت عسكرة مجتمعهم تحت شعار المقاومة، الى الامساك بمفاصله الامنية والسياسية والحزبية، وصارت مناطقهم تشبه الغيتوات المقفلة على الغير، مما جعل خياراتهم الانتخابية محدودة ومحصورة وممسوكة، وتحولت الى ما يشبه الاقتناع.

هذا الواقع لا يوحي بالثقة ما بين مكونات المجتمع، وبالتالي لا يدفع باتجاه تطبيق اتفاق الطائف بانتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي، اذ ان لعبة الديموغرافيا ستؤدي دورها السلبي وتحرم مناطق كثيرة من تنوع التمثيل والتعدد. وسيجد كثيرون انهم باتوا غرباء في مناطقهم، بل ازدادوا غربة، مما سيحملهم على النزوح، وبالتالي زيادة الفرز المذهبي وفق المناطق، وايجاد واقع كانتونات طائفية.

اما الاقتراح الآخر القائم على النسبية، فرغم انه عصري، الا ان دراسة نتائجه ليست واضحة بشكل كاف، فكل فريق ينتقي منه ما يناسبه مرحلياً، ويقسم الدوائر وفق مصلحة جماعته، من دون دراسة جدواه الوطنية والتي تحافظ على الصيغة اللبنانية، وبالتالي سيكون تطبيقه ممسوخاً، ولا يؤدي الغاية المطلوبة منه لناحية حسن التمثيل، ودفع التفاعل الوطني قدماً.

ارجأنا الانتخابات النيابية مرتين، ومددنا للمجلس الحالي مرتين متتاليتين، ووعدنا مرتين بالمباشرة في الاعداد لقانون انتخاب جديد، ولم يحصل شيء مما وعدنا به. ولرفع العتب كلف الرئيس نبيه برّي لجنة نيابية لإعداد مشروع قانون يتفق عليه معظم المكونات اللبنانية من قوى الامر الواقع. والرئيس برّي يعلم علم اليقين ان اللجنة لن تتوصل الى اي اتفاق، بل انها لن تتقدم قيد انملة، ولها في تجارب اللجنة التي سبقتها وفشلت فشلاً ذريعاً، خير مثال.

حدد الرئيس بري مهلة لعمل اللجنة تنتهي في مطلع شباط المقبل، اي بعد ايام قليلة، لتذهب الافكار ومشاريع القوانين الى الهيئة العامة لمجلس النواب، في حال فتح المجلس ابوابه في الدورة التشريعية المقبلة، وفي حال قرر الرئيس بري وضع الاقترحات على جدول الاعمال، وفي حال قرر النواب التجاوب مع الفكرة وبحث الاقتراحات لإقرار أحدها، لا تعطيل الجلسة واغراقها بالمشاريع، أو تطيير النصاب.

الى اليوم، لا اتفاق على مشروع واحد، يذهب به النواب الى المجلس، لإقراره، رغم التقارب في الطروح، بعد سقوط المشروع الارثوذكسي، والتوجه نحو النسبية التي يرى فيها بعض الملمين بالقوانين الانتخابية بدعة لا تصلح للواقع اللبناني بتاتاً.

هل نضيع الوقت عمداً للوصول الى موعد الاستحقاق النيابي في 2017، فنعيد الكرة وفق قانون الستين، ولمرة واحدة فقط؟ ثم ننسى كل الوعود بعد حين، لنستفيق مجدداً على عتبة السنة 2021، ونكرر القصة، ليصبح استحقاقنا تماماً كقصة ابريق الزيت؟

الكاتب: 
غسان حجار
المصدر: 
التاريخ: 
الأربعاء, مايو 11, 2016
ملخص: 
هذا الواقع لا يوحي بالثقة ما بين مكونات المجتمع، وبالتالي لا يدفع باتجاه تطبيق اتفاق الطائف بانتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي، اذ ان لعبة الديموغرافيا ستؤدي دورها السلبي وتحرم مناطق كثيرة من تنوع التمثيل والتعدد.