توابيت السلم الأهلي

النوع: 

هل تكون النخب اللبنانية العاملة في الشأن العام، قد بدأت الدخول أو هي أُدخِلت في وسط واحدة من أكبر أزماتها "الوجودية" منذ تأسيس "لبنان الكبير" ولربما هي مرشحة لأن تصبح الأكبر لاحقا مع تواصل موجة استهداف شخصيات عامة بشكل مركّز عبر اغتيال سمير قصير وبعده اغتيال جورج حاوي اللذين افتتحا مرحلة أخرى بعد اغتيال رفيق الحريري، مع أنه حتى الآن لا يزال أي مؤرخ للبنان منذ 1920 يستطيع بدون أدنى تردد ان يعتبر الفترة الممتدة بين 1975 و1990 هي الفترة الاكثر دموية في اغتيال النخب اللبنانية العاملة في الشأن العام ضمن المناخ الاكثر دموية اصلا الذي عانته كل الجماعات اللبنانية في تلك الحرب الاهلية؟ صحيح ان الاغتيال السياسي لم يغب عن لبنان منذ ما بعد دولة 1943 لكنه بعد 1975... أمر مختلف.

مثيرة هذه المعمودية من الدم التي تجد نخبة سياسية (اجتماعية ثقافية اقتصادية) نفسها داخلها في حين هي تنتمي عموما الى نمط حياة مختلف هو النمط اللبناني بما فيه الممارسة السياسية! فحتى الجيل من السياسيين الذي جاء من بحيرات الدم خلال الحرب الاهلية ولم يمض زمن طويل على مجيئه الى السلم الاهلي، حتى هذا الجيل يحمل "رغبات" وسلوكيات" النمط اللبناني" المدني للعيش، اجتماعيا وسياسيا...

لقد قلنا مرة، رغم انزعاج بعض السياسيين، انه حتى "العسكر" في لبنان عسكر "مدني" من حيث ان قوة النظام السياسي، بما هو "نمط" ممارسة، تستوعب عادة "العسكريتاريا" وتُكَيِّفها في نمط "مدني"... بحيث يصبح الاختلاف بين المدني والعسكري (اللبناني) هو اختلاف "مهني" لا أكثر اذا جاز التعبير.

اذن مرة اخرى تجد هذه النخب اللبنانية، بقديمها، ومخضرمها وجديدها امام معادلة:

ممارسة الشأن العام تعني المغامرة بحياة السياسي الشخصية.

الآن العنصر "الايجابي" الوحيد في الموجة الاجرامية المتجددة بين الشخصيات المهتمة بالحياة العامة... هو انها لا تطال الجمهور العادي... أي لم يصبح "القنص التفجيري" حسب التعبير الغاضب لمروان حماده في وصف اغتيال جورج حاوي، "تفجيرا عشوائيا" كما يحصل الآن في بغداد.

عدا ذلك... تعيش كل النخب السياسية اللبنانية حاليا في جو توقع المزيد من "القنص التفجيري"...

ليس لبنان طبعا البلد الوحيد الذي مر بتجربة كهذه... مفتوحة، او بكلام آخر ليست "النخبة" اللبنانية وحدها التي تواجه وضعا سلميا حتى الآن، تكون فيه حياة العامل في الشأن العام ثمنا محتملا في أي لحظة.

هناك نماذج عديدة، وأعني هنا نماذج خطرة... بدون حالة حرب أهلية (لبنان الجزائر ايرلندا الشمالية سابقا) او حالة ثورية (ايران روسيا فرنسا الثورات الكبيرة المعروفة) أو فلسطين الداخل والمنفى (حيث المزيج المعقد للاحتلال والثورة بين الداخل والدياسبورا)...

نحن أقرب الآن الى نماذج من أميركا اللاتينية في مراحل الانتقال من وضع الى وضع... أو الى الحالة المصرية في اربعينات القرن الماضي عندما كانت الاغتيالات الشهيرة جزءا من مخاض تغيير "طبيعة الدولة"...مع اشارة ضرورية هنا انه بعد 1952 وحتى اليوم لا تاريخ للدولة المصرية وهي دولة أمنية قوية جدا، في هذا النمط من التصفيات. "القمع" في الارث الحديث لدولة ما بعد 1952 هو السجن. لكن لا ارث اغتيالات تقوم به الدولة رغم حدة الصراع السياسي في بعض المراحل، او كما يحصل الآن من مخاض جاد لتغيير ما آت في مصر. أتحدث هنا عن الدولة كسلطة، دون نسيان اغتيالات سياسية ثقافية شهدتها مصر خلال هجوم الراديكالية الاصولية.

... تدخل النخب اللبنانية مرة جديدة... ولكن ضمن السلم الاهلي لا خارجه الى ما لا تحب. ولربما ما لا طاقة لها عليه الا مرغمة.

هذه النخبة... هذه النخب... مفردة ومجموعة، هل تستطيع ان تضع خطا فاصلا بين صراع محلي وصراع عام في المنطقة كما أشار متهيبا وليد جنبلاط امس الاول؟

الكاتب: 
جهاد الزين
المصدر: 
التاريخ: 
الجمعة, يونيو 24, 2005
ملخص: 
نحن أقرب الآن الى نماذج من أميركا اللاتينية في مراحل الانتقال من وضع الى وضع... أو الى الحالة المصرية في اربعينات القرن الماضي عندما كانت الاغتيالات الشهيرة جزءا من مخاض تغيير "طبيعة الدولة"...مع اشارة ضرورية هنا انه بعد 1952 وحتى اليوم لا تاريخ للدولة ال