الطائف قتل معوض والـ ١٥٥٩ الحريري فهل ينجو الـ ١٧٠١ ؟

النوع: 

 

في الذكرى العشرين لاغتيال الرئيس رينه معوض يعرف الجميع الحقيقة، وإن لم تعلن. لكن العدالة لم تتحقق كي ينال القتلة العقاب الصارم. والسؤال الذي يبقى مطروحا في هذه المناسبة ولا جواب قاطعا عنه هو: لماذا قتل رينه معوض، هل لانه كان مصمما على تنفيذ اتفاق الطائف تنفيذا دقيقا كاملا باعتبار انه اذا كان الرئيس حسين الحسيني هو "عرّاب" الاتفاق، فان رينه معوض هو ابنه، واذا كان الحسيني "إشبينه" فمعوض هو عريس هذا الاتفاق، وكأنه كان مطلوبا عدم تنفيذه تنفيذا كاملا بل الاكتفاء بتنفيذه انتقائيا بما يرضي طرف من دون طرف آخر، فكان اغتيال الرئيس معوض المصمم على تنفيذه كاملا وإبعاد الرئيس الحسيني عن رئاسة مجلس النواب، ثم اغتيل الرئيس الحريري لانه كان لديه التصميم نفسه، بدليل انه عندما كَلف مروان حماده، وكان وزيرا للاقتصاد، اعداد مقدمة البيان الوزاري، توجه الى قريطم لإطلاع الرئيس الحريري عليها، وحين بلغ في القراءة الصفحة الثانية، رفع الحريري نظارتيه عن عينيه ونظر الى حماده قائلا: "بدك تقتلنا يا مروان؟". فسأله حماده: "لماذا يا ابو بهاء؟"، فأجاب الحريري: "اكتب صيغة اخرى غير عبارة "… ومتابعة تطبيق بنود وثيقة الوفاق الوطني"، لا تتطرق فيها الى الطائف لان السوريين لن يفهموا من هذا الكلام الا الانسحاب"، فقال حماده: "انا قصدت بنودا اخرى لم تطبق في الطائف، مثل اللامركزية الادارية واعادة التقسيم الاداري لصياغة قانون انتخاب حديث ومتوازن، لماذا لا ترى يا دولة الرئيس إلا الانسحاب؟". فرد الحريري: "هم (اي السوريون) لا يرون الا هذه النقطة".

ومنذ انتخاب اميل لحود رئيسا للجمهورية صار الحديث عن اتفاق الطائف وضرورة التزامه شبه مغامرة من جانب اي قطب، وصارت المطالبة بتطبيق هذا الاتفاق، خصوصا بعد الانسحاب الاسرائيلي من لبنان، تعني بالنسبة الى النظام السوري تنفيذ الشق المتعلق باعادة الانتشار. (كتاب "الطريق الى الاستقلال"، للزميل جورج بكاسيني).

ولا تزال المطالبة بتنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف ولا سيما حل المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها الى الدولة والغاء الطائفية السياسية يهدد بالغاء هذا الاتفاق والبحث عن اتفاق آخر يتلاءم والمستجدات المحلية والعربية والاقليمية والدولية، او يهدد الوحدة الوطنية ويزعزع اسس العيش المشترك، إذا كان المقصود منه اقامة طائفية جديدة تذعن لها الاقليات…

الواقع ان هناك رؤساء جمهورية جاؤوا في وقتهم، وذهبوا في غير وقتهم. ومن هؤلاء الرؤساء رينه معوض، اذ لولا اغتياله، لكان لبنان على غير ما نراه اليوم، ولما كان بدأ عهده بضربة عسكرية سورية اخرجت العماد عون من القصر الجمهوري، بل كان خروجه تم بهدوء وتفاهم ومن دون اراقة نقطة دم واحدة، خصوصا ان الاتصالات السياسية لهذه الغاية كانت قد قطعت شوطا لتحقيق الاهداف التي لم يستطع العماد عون تحقيقها بالحرب التي عرفت بـ"حرب التحرير".

ان تصميم الرئيس معوض على تنفيذ اتفاق الطائف تنفيذا دقيقا كاملا كان من شأنه ان يقيم الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها بواسطة قواتها الذاتية وذلك بموجب خطة امنية نص عليها الاتفاق وحدد مدة تنفيذها بسنة وتتسم خطوطها العريضة بحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية خلال ستة اشهر تبدأ بعد التصديق على "وثيقة الوفاق الوطني" وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني واقرار الاصلاحات الدستورية، وتعزيز قوى الامن الداخلي بفتح باب التطوع لجميع اللبنانيين من دون استثناء وتعزيز جهاز الامن بما يتناسب وضبط عمليات دخول وخروج الاشخاص من وإلى خارج الحدود برا وبحرا وجوا وكذلك تعزيز القوات المسلحة من اجل الدفاع عن الوطن وحماية النظام عندما يتعدى الخطر قدرة الامن الداخلي وحدها على ذلك

ومن شأن تنفيذ هذه الخطة الامنية ان يمكّن الدولة من بسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية وبمساعدة القوات السورية التي تعيد بعد ذلك تمركزها في منطقة البقاع خلال فترة زمنية اقصاها سنتان. وكان في نية الرئيس معوض وضع جدول زمني لانسحاب هذه القوات من كل لبنان

ولو لم يتم اغتيال الرئيس معوض لكانت مشكلة المهجرين اللبنانيين منذ عام 1975 قد انتهت بعودتهم الى المكان الذي هجروا منه، ولكانت مشكلة الغاء الطائفية السياسية كهدف وطني قد بوشر حلها وفق خطة مرحلية، تؤدي الى اقامة الدولة المدنية التي لا احزاب طوائفية فيها، بل احزاب وطنية، ولا تعيينات تخضع للمحاصصة، بل للكفاية والجدارة ولا ولاء لكل مواطن الا لوطنه، وهو ما بات تحقيقه اليوم صعبا بوجود احزاب مذهبية تحتكر القرارات، وبوجود السلاح خارج الشرعية وهو اقوى من سلاح الشرعية، وولاء لبنانيين لغير لبنان… ولكان تم مع الغاء الطائفية اجراء انتخاب مجلس نواب على اساس وطني لاطائفي بحيث يصير عندئذ في الامكان انشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية، ولكان تم تطبيق اللامركزية الادارية في اطار دولة واحدة موحدة ذات سلطة مركزية قوية، ولما كان تأخر تنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف الى اليوم، اي عشرين سنة، ولما كان وضع لكل انتخابات قانون جديد ليس على قياس الوطن، بحيث يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين ويؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل، بل على قياس اشخاص ومحاسيب

كان الرئيس رينه معوض يريد انهاء الحرب في لبنان وتطبيق اتفاق الطائف فعلا لا قولا، والوصول الى مصالحة حقيقية بين اللبنانيين، ورفض استخدام الجيش السوري لانهاء تمرد العماد ميشال عون، لانه ابى اراقة نقطة دام واحدة، وكان خياره اخراج اللبنانيين مسلمين ومسيحيين من لعبة المحاور سعيا الى انقاذ الوطن وتكريس سيادته عبر احترام الدولة ومؤسساتها فلا يكون قرار الحرب والسلم في يد الميليشيات بل في يد الدولة

لقد جاء به اتفاق الطائف رئيسا فأراد ان يكون لهذا الاتفاق ابا صالحا وعادلا ورئيسا واحدا له، فأخذ على عاتقه تطبيقه بحذافيره واقامة علاقات ندية وجدية مع السوريين وان يكون القرار اللبناني للدولة اللبنانية وحدها وليس لاي جهة اخرى في الداخل او في الخارج. وقد اكد في خطاب قسمه انه "رجل وفاق وتوفيق يعمل على جمع الكلمة وتوحيد الصف ورفض التفريق توصلا الى انجاز المصالحة بين اللبنانيين على اختلاف الاتجاهات والمشارب، وكان الرئيس حسين الحسيني قد قال في كلمة له في افتتاح لقاء النواب في الطائف: "ان اعداء لبنان اينما كانوا، يتربصون ويعملون على ان نفشل في وضع وثيقة الوفاق الوطني اللبناني لان نجاحنا يفتح الطريق الى السلام والى الوحدة والاستقلال، والى المستقبل، ويفتح الطريق الى الحياة الحرة الكريمة".

واكد ابن الرئيس الشهيد ميشال معوض في حديث له عزمه على السير قدما في متابعة المسيرة والتمسك بالثوابت التي دافع عنها والده، "لان ليس من قيامة للبنان خارج هذه الثوابت، ولا يمكن ان يقوم وطن على الجريمة السياسية، ولا يمكن ان يحكم وطن طالما الجريمة السياسية تهدد وتفرض نفسها على الساحة، فلبنان سيبقى ساحة طالما الجريمة السياسية مشروعة. ونحن على اقتناع بان التحقيق في اغتيال رفيق الحريري وما رافقه سيعطي حقا لرينه معوض لان المجرم هو نفسه. لذا فاننا لا نطالب بالعدالة فقط وفاء لدماء شهدائنا بل ايضا من اجل تحويل لبنان من ساحة مستباحة الى منطق الوطن لان العدالة هي سياج للبنان الديموقراطي وحماية له وليس بالامكان بناء دولة اذا كانت حدودها مشرعة الابواب للغريب والقريب".

والسؤال الذي يطرح لمناسبة احياء الذكرى العشرين للرئيس الشهيد رينه معوض هو: اذا كان تنفيذ اتفاق الطائف كاملا قد يكون قتل رينه معوض، وتنفيذ القرار 1559 قتل الرئيس الحريري فمن سيكون ضحية تنفيذ القرار 1701 اذا لم يصبح هذا القرار نفسه هو الضحية، واذا لم ينج من مصير مماثل؟

الكاتب: 
اميل خوري
التاريخ: 
الاثنين, نوفمبر 30, 2009
ملخص: 
الواقع ان هناك رؤساء جمهورية جاؤوا في وقتهم، وذهبوا في غير وقتهم. ومن هؤلاء الرؤساء رينه معوض، اذ لولا اغتياله، لكان لبنان على غير ما نراه اليوم، ولما كان بدأ عهده بضربة عسكرية سورية اخرجت العماد عون من القصر الجمهوري، بل كان خروجه تم بهدوء وتفاهم ومن دون