مبادرة بهية الحريري تحتاج إلى احتضان سياسي وشعبي - الطائف في الواجهة .. والتعويم يتطلّب مناخات خارجية وداخلية

النوع: 

 

يعود اتفاق الطائف إلى الواجهة من جديد بمبادرة النائبة بهية الحريري لاتخاذ الإجراءات التي تترجم ما اعلنته في الكلمة التي ألقتها في ساحة الشهداء يوم 14 آذار الماضي.

وتأتي هذه المبادرة كأول محاولة متكاملة لتعويم الاتفاق بعد إقرار التعديلات الدستورية التي نص عليها في الحادي والعشرين من ايلول سنة 1990 وفي الذكرى السادسة عشرة لإقراره. وما يلفت في هذه المحاولة أنها جاءت في ظروف داخلية ودولية مشابهة إلى حدّ بعيد لتلك التي كانت قائمة عشية اجتماع النواب في الطائف. فالأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي والجامعة العربية ودولها التقت يومها حول قرار إنهاء الحرب في لبنان وهو القرار الذي تبنّاه مؤتمر القمة العربي غير العادي المنعقد في الدار البيضاء في أيار سنة 1989 وتمت ترجمة هذا التبني بتشكيل اللجنة الثلاثية، التي تولت دعوة <<النواب اللبنانيين لمناقشة وثيقة الاتفاق في الطائف>>.

ولعل المبادرة لتعويم الاتفاق اليوم، تأتي في ظل أجواء قد تكون مختلفة من حيث الوقائع القائمة على الارض عشية انهاء الحرب اللبنانية الا انها في الحقيقة هي غير ذلك. فالمرحلة الحالية استطاعت ان تستعيد التواصل مع المرحلة التي سبقت الحرب بإعادة تعويم القوى والجبهات والتحالفات التي كانت قائمة وابراز العامل الفلسطيني على الساحة الداخلية وترافق هذا كله مع اتمام الجانب الاكبر من الانقلاب على المتغيرات التي سجلت على مختلف الصعد في فترة ما بين انتهاء الحرب باتفاق الطائف والمبادرة لتعويم الاتفاق اليوم. ولهذا يمكن القول إن الفارق بين العوامل التي أدّت لإقرار الاتفاق وبين العوامل التي دفعت الى مبادرة تعويمه تكمن في ان الأولى كانت ترجمة لقرار انهاء الحرب والثانية كانت رغبة منع عودة الحرب من جديد.

وإذا كان مسرح عمليات المبادرة يختلف في الشكل والمضمون عن مسرح عمليات الاتفاق فإن الثابت، حتى الآن، ان المبادرة للتعويم كانت داخلية بحتة وبالتالي يمكن وصفها بأنها جاءت لتصحيح التعامل اللبناني مع ما التزمت به الدولة والجهات المعنية في اتفاق الطائف الذي وجدت به الإرادات الدولية والإقليمية صيغة تنهي بها الحرب. وبهذا المعنى فإن مبادرة تعويم اتفاق الطائف تحتمل النظر اليها من وجهين: الأول في كونها الصيغة المتوافرة لإدارة مسار الدولة والنظام والعيش المشترك والثاني يكمن في ان عملية التعويم هذه تأتي استجابة ولو متأخرة للصيغة التي ارتأتها الإرادات الخارجية لوقف الحرب في لبنان. وبهذا المعنى فإن النظرة الى مبادرة التعويم والتعامل معها فيه شيء من التبسيط اذا ما اقتصر على ما يمكن ان تعكسه على المسألة الداخلية من دون الأخذ بالاعتبار مدى ما يمكن تثميره من نتائجها على الصعيد الخارجي.

من هذا المنطلق يمكن رصد مصير المبادرة لتعويم اتفاق الطائف من زاويتين: الأولى داخلية وتكمن في مدى استجابة كل الفرقاء اللبنانيين لها والثانية خارجية وتكمن في مدى إفساح الدول، وخصوصاً دول الوصاية الجديدة، في المجال لهذه المبادرة في أن تأخذ طريقها حتى يتمّ تطبيق اتفاق الطائف بالدقة المطلوبة. ومثل هذا الأمر من الأهمية بمكان لأن على أساسه يمكن رصد مدى الالتزام الدولي حتى الآن بقرار وقف انتهاء الحرب في لبنان الذي اتخذ سنة 1989، وفي هذا يمكن الردّ ايضا على السؤال الذي بات يشغل بال الكثيرين وهو المتعلق بالحرص على إحياء واقع ما قبل الطائف سياسياً وعمّا اذا كان ذلك قد تمّ بتأثير <<تمسك مطلق بالعدالة>> أم لاستعادة واقع يمكن الانطلاق منه الى أي منحى او اتجاه؟

من هذه الزاوية يمكن ان تكون المواقف العملية للجهات المعنية بالمشاركة في مبادرة التعويم من الأهمية بمكان كونها تعبّر بكثير من الدقة عن الاتجاه الذي سيكون عليه المستقبل اللبناني خصوصاً لجهة قراءة هذا المستقبل على ضوء الإرادات الخارجية.

إن مقياس الاستجابة للمبادرة يمكن أن يتخذ أشكالاً متعددة، الاساس منها الانطلاق مما أعلنته النائبة بهية الحريري <<لجهة ان المطلوب اولاً تطبيق الاتفاق بصورة كاملة وصحيحة وليس النقاش حول إمكانات تعديله او استبداله بطائف جديد>>. وتطبيق الطائف وحتى الضغط من أجل تطبيقه لن يكون سهلاً بعد الخرق المتكرّر والسكوت الرهيب على تنفيذ بعض البنود منذ حوالى ست عشرة سنة وحتى اليوم. إلا أنه إذا ما حسُنت النيات تجاه البلد وتحوّلت المبادرة الى قاسم مشترك بين أكثرية اللبنانيين في خارج الحكم وفي داخله تمكن المراهنة على تعويم عملي للاتفاق ولا بدّ من أن يسلك ذلك الخطوات التالية:

أولاً: الجرأة في اتخاذ المواقف تجاه اي إجراء او سلوك يتعارض مع نصوص الاتفاق خصوصا لجهة عدم التأثر بالانتماءات السياسية. فتحويل الاتفاق الى واحد من المسلمات الوطنية مرحلياً هو اساس في المراهنة على إمكانية التعويم.

ثانياً: المساءلة الفاعلة حول البنود التي صرف النظر عن تطبيقها حتى الآن وكشف الأسباب والمسببين الذين يحولون دون ذلك. فاتفاق على مستوى الاتفاقات التي توّجت نهاية حرب داخلية شرسة استمرّت حوالى ستة عشرة سنة ايضا يستحق من القوى الشعبية والنقابية والتي تصنف نفسها في خانة الوطنية الإضراب والتظاهر والاعتصام عندما ترى ان مثل هذا الاتفاق في طريقه الى الانهيار ويمكن من جراء ذلك إعادة الحرب او حتى بعض الأسباب التي ساهمت في تأجيجها الى الواجهة. وتمكن الاشارة في هذا المجال الى ان بعض المحاولات الجدية كانت قد جرت في السنوات السابقة لاستكمال بعض البنود التي نصّ عليها اتفاق الطائف إلا أنها قد انتهت الى إحباط والاسباب التي ادت الى مثل هذا الاحباط يدركها جميع الفرقاء السياسيين والقوى المعنية بإجراءات التطبيق وغير المعنية مباشرة بذلك، الا ان احدا من هؤلاء لم يقدم على كشف الجهة او الجهات التي أحبطت حتى في معرض حديث عابر. فاستمرار مثل هذا الصمت تجاه مثل تلك المحاولات يعني ان عملية التعويم ستكون مستحيلة، ولهذا فإن مبادرة تعويم الاتفاق تتطلب اول ما تتطلب اتخاذ المواقف الواضحة والجريئة تجاه ما يمكن ان يحصل من معارضات لتطبيق بعض البنود ولعل المطالبة بقانون انتخابات سنة 1960 الشاهد الحي على مثل هذه المسألة.

ثالثاً: إعادة النظر في بعض بنود الاتفاق التي جرى وضعها موضع التنفيذ وذلك على محورين: الاول في التنفيذ الذي يعطل الغاية من البند الذي تم تنفيذه فاستحداث المجلس الاقتصادي والاجتماعي مثلا جاء تطبيقاً لاتفاق الطائف الا ان قانون إنشائه لم يكن ملبياً للطموحات التي توخّاها الاتفاق من هذا المجلس فعطل دوره وامكانية ان يضيف شيئا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. اما الثاني فيكمن في خرق الاحكام الصريحة والواضحة التي نص عليها الاتفاق بعد ان وضعت موضع التنفيذ. ويمكن الاشارة في هذا المجال الى اكثر من مثال منها ما يتعلق بترؤس رئيس الجمهورية جلسات مجلس الوزراء ومنها اعتماد المداورة في انعقاد جلسات هذا المجلس بين قصري بعبدا والسراي الكبير بعد إلغاء <<المقر الخاص>> الذي نصّ عليه الاتفاق واصبح في صلب احكام الدستور. فالوقوف في وجهة مثل هذه الممارسات شرط اساسي لنجاح عملية التعويم ولن يكون ذلك ممكناً اذا لم يعتمد الراغبون بالتعويم على الجرأة القاسية احياناً على حساب كل ارتباطاتهم السياسية والسياسيين، وحتى على حساب مصالحهم الذاتية احياناً.

في ظل هذه المعطيات يمكن القول إن المراهنة على تعويم الاتفاق لن تكون سهلة الا انها لن تكون مستحيلة في آن معا خصوصا اذا ما كان القرار الدولي والاقليمي الذي أدّى الى اتفاق الطائف ما يزال ساري المفعول. ففي الساحة السياسية بعض الذين يعملون لتعويم حتى قبل اتخاذ المبادرة، وفي الساحة الشعبية والنقابية كثيرون يؤمنون بضرورة تعويم الاتفاق. ولعل في هذا واحد من العوامل الاساسية التي تمكن المراهنة عليها للنجاح. فالمبادرة راهنت على تجييش الدعم لها <<من تحت>> هذه المرة على أمل ان تنجح في ذلك لجرّ <<مَن هم فوق>> الى الداعمين. ولعل مثل هذه الصيغة تحصل للمرة الأولى في لبنان بالنسبة لمثل الموضوع المطروح.

الكاتب: 
أحمد زين
المصدر: 
التاريخ: 
الأربعاء, نوفمبر 9, 2005
ملخص: 
يمكن رصد مصير المبادرة لتعويم اتفاق الطائف من زاويتين: الأولى داخلية وتكمن في مدى استجابة كل الفرقاء اللبنانيين لها والثانية خارجية وتكمن في مدى إفساح الدول، وخصوصاً دول الوصاية الجديدة، في المجال لهذه المبادرة