إشتباك الثنائية المسيحية مع الثنائية الشيعية
واقع الامر ان كلا من الثنائيتين المسيحية والشيعية في قلق احدهما حيال الاخرى، بينما الاحادية السنّية التي لا تزال تقتصر على الحريري الى مزيد من الانكفاء شعوراً منها بالوهن والتراجع لاسباب شتى: بينها ما يرتبط بزعامة الحريري نفسه واحواله المالية الصعبة وعجلته في العودة الى الحكم ايا يكن الثمن، وما يرتبط بذهابه المرغم الى انتخاب عون رئيساً للجمهورية بعدما عانده بضراوة مرشحا طيلة مرحلة الشغور، وما يرتبط بالاحداث الاقليمية المتسارعة بدءا مما باتت عليه الحرب السورية ودور حزب الله فيها.
لم يعد الفريق السنّي، وتحديدا الحريري، قادراً كما عام 2005 على قيادة اوسع تحالف سياسي وطني، ولا ادارة التفاوض على تأليف حكومته كما لو انه "الرئيس القوي" الذي يوزّع الحصص شأن ما كان عليه الرئيس فؤاد السنيورة في حكومة عامذاك.
بيد ان ثمة اسبابا مختلفة لقلق الثنائية المسيحية، والاصح المارونية، وحماستها تاليا، وكذلك لتلك الشيعية:
اولها، الاسلوب الملتبس الذي يتوسله رئيس الجمهورية في تأليف اولى حكوماته تبصره الثنائية الشيعية بكثير من التوجس. فهو يمارس دوره كشريك فعلي في تأليفها يملك حق الفيتو والعزل وسلطة المكافأة، كما لو ان صلاحيات رئيس الجمهورية لمّا تزل في حقبة ما قبل اتفاق الطائف. وهو يوزّع الحقائب المسماة سيادية او خدماتية على الافرقاء على غرار ما خبرته حكومات ما بعد اتفاق الطائف. وهو يتمسك بحصته كرئيس بثلاثة وزراء على نحو ما لحظه له اتفاق الدوحة.
ثانيها، للمرة الاولى في تأليف حكومة منذ تطبيق اتفاق الطائف، تشهد موازين القوى الداخلية، ويختبره بالذات الفريقان السنّي والشيعي، فريقاً مسيحياً قوياً متماسكاً يطرح نفسه مفاوضاً رئيسياً لم تتسلل اليه الانقسامات، ولم يسع اي منهما التلاعب به او اغراءه. قبل انتخابه ابرم عون اتفاقا مع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على تقاسم المقاعد الوزراية، رغم معرفته بنفور حليفه الشيعي حزب الله من الحليف المسيحي الجديد وشكوكه فيه الى حد الانزعاج.
ثالثها، ان الرئيس في ضوء القطيعة الكاملة، كما حزبه، مع فرنجيه ترك حماية نائب زغرتا لرئيس مجلس النواب كي يدافع عن وجوده السياسي في الحكومة وحصته على النحو الذي يسترضيه اولا واخيرا، ويربط مشاركته هو كما حزب الله في الحكومة بمشاركة فرنجيه.
رابعها، في ظل انكفاء شبه تام للفريق السنّي والرئيس المكلف المهموم باستعجال تأليف حكومته، تبدو الثنائيتان الشيعية والمسيحية في اشتباك معلن. كل منهما ترسم حدودا جديدة في التعاطي مع المرحلة المقبلة. ما يقوله بري في العلن هو نفسه ما يقوله حزب الله في صمته. بالتأكيد يحاول رئيس الجمهورية، حليف حزب الله وجعجع في آن وسط ضراوة الخصومة بين هذين الفريقين، اتخاذ موقع وسط بينهما. (الأخبار/نقولا ناصيف)
وبحسب المصادر نفسها، فإنّ أكثر العقد استعصاء، هي عقدة الثلث المعطّل، وتقول إنّ التفكّك الذي أصاب "8 و14 آذار" جعل من إمكان الوصول الى ثلث معطّل لهذا الطرف او ذاك مستحيل، ولكن هذا الثلث بدأ يطلّ برأسه من خلال الحصة العونية القواتية، حيث انّ حصة رئيس الجمهورية (3 وزراء) مضافاً اليها حصة "التيار الوطني الحر" (3 وزراء)، مضافاً اليها حصة "القوات" (3 وزراء تضاف اليهم حقيبة الوزير ميشال فرعون).
وهذا الأمر دفع الاطراف الآخرين الى التعبير عن "نَقزة" من هذا الثلث، الذي يجعلهما متحكّمين بالحكومة ومصيرها. علماً أنّ "التيار" و"القوات" ينظران الى هذه الفرضية، على اعتبارها غير واقعية، وانهما ليسا في وارد الثلث المعطّل أو غير المعطل، اذ انّ الاوزان والاحجام هي التي تفرض نفسها لا أكثر ولا أقل.
في هذا الوقت، قالت مصادر حزب "القوات اللبنانية" لـ"الجمهورية" انّ ما قدّمته "القوات" من تضحيات في موضوع الحقيبة السيادية كافٍ وهي غير مستعدة لتقديم مزيد من التضحيات، خصوصاً أنّ القوى الأخرى يفترض ان تقدم بدورها تضحيات على غرار ما قدمته "القوات"، فضلاً عن أنّ الحصة التي رَست عليها حصلت نتيجة تواصل بين معظم القوى السياسية إذ عندما طلب الرئيسان عون والحريري من "القوات" التنازل عن الحقيبة السياسية مقابل نيابة رئاسة الحكومة ووزارة الاشغال ووزارتي الاعلام والشؤون الاجتماعية قيل لها يومها انّ هذه التسوية مُتّفق عليها بين كل القوى السياسية ومن ضمنها الرئيس بري، ومجرد ان توافق تصدر مراسيم التأليف في غضون ساعات.
