المسلمون ما بعد الطائف: الذاكرة المثقوبة والوعي الشقي
هل القول بان الجسم السياسي الاسلامي (بشقيه الرسمي والحزبي) يتحمل مسؤولية الفشل في صيغة الطائف، هو قول متسرع وحكم ظالم؟ وهل تستوي مسوؤلية الموالاة والمعارضة حيال الوضع الذي وصلنا اليه اليوم بعد خمسة عشر عاما على انهاء الحرب الاهلية باتفاق اعاد تركيب السلطة وفق اسس طائفية اكثر توازنا وعدالة (على قدر ما في اية صيغة طائفية من توازن وعدالة)؟ وهل الماضي البائس والكئيب لبعض اقطاب المعارضة المسيحية (ولمعظم الموالاة بالمناسبة، خصوصا من المسيحيين الممثلين في الحكومة الحالية ومن ثوابت سالف الحكومات) وعدم استفادتهم من دروس التجربة وبقاء بعضهم على عقلية الاستعلاء العنصري تجاه الاخر الشريك في الوطن، لا بل وعدم التزامهم بالمراجعة النقدية الجريئة والشفافة التي اجرتها الكنيسة منذ السينودوس والارشاد الرسولي وزيارة البابا وحتى المجمع الماروني الاخير، هل ان ذلك كله يبرر ما يذهب اليه المدافعون عن السلطة من تفسير الاخطاء-الخطايا (من مثل التمديد: "الذي اصبح وراءنا"، او دورهم المجيد في صدور القرار 1559: "الذي اصبح امامنا" – وللاسف) والكوارث الكبرى (اغتيال الرئيس رفيق الحريري) بالحجة الازلية السخيفة والمرعبة في اّن: "معركة الصمود والتصدي في وجه الهجمة الامبريالية الصهيونية العالمية" ؟؟ وهل يصدّق المسلمون تلك التهمة الاسخف التي تصنّف كل نقد او شكوى او معارضة بانها مشاركة في المشروع الاميركي او انها تراهن على الخارج؟؟(اكثر التهم غرابة، خاصة وان هذه السلطة بالذات لم تكن اكثر من نتاج معادلة خارجية فرضتها صفقة اميركية-سورية اثر غزوالعراق للكويت (1990)... كما انها، والوصية عليها، تبذل الغالي والرخيص لعقد صفقة جديدة ولو على حساب لبنان والعروبة!!).
مع اغتيال الرئيس الحريري بلغ الاستحمار مداه ولم يشبع نظام الاستبداد قتلا وارهابا.... ومع هول الكارثة عاد الامل بالصحوة واليقظة والعودة الى الوعي والضمير... مما حملني على اعادة الكتابة والتحديد بأن كلامي هنا موجّه الى المسلمين اولا، والى الشيعة تحديدا، عسى ان ننقذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الاوان!!!! ّّ
ان المراقب لحال الجماعة المسلمة في لبنان لا بد الا ان يلاحظ انها شهدت (منذ اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية: 1989-1990) صعود وسيطرة طبقة سياسية جديدة عملت على تسعير نزعات الغلبة والاستقواء ومشاعر الدفاع الذاتي الشرس في وجه كل مشروع مصالحة او حوار او تفكير بتغيير، وذلك تحت عنوان الخوف من محاولات الانقلاب على الوضع الجديد... وقد صار الوعي المُضمَر (واللا وعي الجمعي) للجمهور المسلم (الشيعي تحديدا) يقوم على التسليم بان ما حصل في الطائف كان انتصارا لفريق على اخر أسس لغلبة جديدة وبأن على الفريق المنتصر-المتغلب (وهو المسلم بالطبع ومعه حلفاء سوريا من مسيحيي الموالاة) ان يدافع بكل قوة عن مواقعه وان يستقوي بسوريا في هذه المعركة!! ورغم انه لم يصدر عن اية فئة لبنانية في السلطة او في المعارضة (على حد علمي) كلام الانتصار ولغة الغالب والمغلوب (باستثناء التصريحات المعروفة للوزير سليمان فرنجيه) فان هذا المعنى المضمر كان هو الظاهر في سلوك السلطة وفي ممارسة الاسلام السياسي منذ الطائف وحتى اليوم.. وكان بالتالي هو المسؤول مباشرة عما اّلت اليه الاوضاع رغم كل الشعارات او لقلقة اللسان..
كان الامام المرحوم الشيخ شمس الدين اول من نبه وحذر مرارا وتكرارا مما اسماه"اسلامية سياسية" او "شيعية سياسية" (خطابه الشهير في قرية بنهران الشيعية في شمال لبنان : 22\9\ 1991) تحاول الايحاء بان اتفاق الطائف قد كرّس معادلة غالب ومغلوب او انه كان انتصارا للمسلمين على حساب المسيحيين. وهو اعاد تذكير: "جميع اللبنانيين انه لا يجوز لهم -او لبعضهم- النظر الى الصيغة الجديدة باعتبار انها تمثل انتصارا لفريق على فريق، ولا يجوز لاحد ولا لفئة ان تتصرف على هذا الاساس..."، قائلا ومرددا انه "لم ينتصر احد على احد بل انتصر كل لبنان ومجموع الشعب اللبناني .. ان الصيغة التي نريد والدولة التي نريد ليست ولن تكون لطائفة دون اخرى، او مع فئة دون اخرى، فضلا عن ان تكون دولة اشخاص... انها دولة الجميع وللجميع عدالة ومساواة وكرامة.." (من خطاب القسم يوم توليه رئاسة المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى 18\3\1994). وهو اعلن وكرر بأن "طريقة المسلمين في المشاركة في عملية الحكم والادارة وفي الخطاب السياسي وفي الخطاب التعبوي يجب ان تاْخذ في الاعتبار هذا الامتحان"(من خطبة جمعة القاها في اذار 1994). ويبدو اننا نحتاج اليوم اكثر من اي يوم مضى الى اعادة تكرار تحذيرات الامام الراحل بدليل ما تشهده السياسة اللبنانية من اعادة اعتبار لخطاب الفرز والتحشيد والتهويل بالحرب الاهلية، ومن ممارسات غلبة واستقواء لا تجد لها حجة وسندا الا في مضمر البناء على الانتصار، وفي باطن التصرف كمنتصر حيال مهزومين وكخائف امام احتمالات انقلاب الوضع... ولقد كانت الانتصارية والغلبة التي مارستها السلطة الجديدة بفجاجة ما لها من نظير، في اساس الشعور المسيحي (الذي استمر متعاظما) بالغبن واللامساواة وبالخلل والاستنسابية في تطبيق الطائف... ولعله من المفيد ايضا تذكير من ينسى من الاذكياء الجدد ان كل القوى والشخصيات التي في السلطة ( من رؤساء و نواب ووزراء وقادة احزاب) قد تبارت بعد التمديد للرئيس لحود في الاعتراف بوجود خلل ينبغي اصلاحه، وبضرورة المصالحة والحوار، ذاهبة حتى الى فتح ملف العفو عن سمير جعجع ومحاورة العماد عون على اعلى المستويات محاولة بذلك استمالة الشارع المسيحي واقناعه بان التمديد هو خشبة الخلاص وبان الرئيس لحود وحده يستطيع تصحيح الخلل وتطبيق الطائف نظرا لقوته لدى المسلمين ولدى سوريا تحديدا... ولم يقولوا لنا لماذا غابت المصالحة عن بالهم طوال خمسة عشر سنة؟ و لماذا اصبحت فجأة مسموحة لهم اليوم وظلت ممنوعة على المعارضة؟؟او لماذا لم يطبقوا الطائف قبل اليوم؟..حتى ان بعض الموالاة استمر سرا وعلانية يدغدغ لدى الجمهور المسيحي احلام استعادة ماضي الغلبة والاستئثار عاملا على التعبئة والتحشيد باستخدام فزاعة التوطين او التجنيس او الانفلاش الفلسطيني (مستعيدا بالطبع ومن دون خجل كل العدة العنصرية المعروفة) .. ولم يتحرج رئيس حكومتنا وغيره من المسلمين من استخدام نفس سلاح تخويف المسيحيين من الخطر الفلسطيني والاصولي الذي نحتاج الى الجيش السوري لضبطه وضربه وبأن هذا وحده، ووحده فقط، هو مبرر التمسك ببقاء الاشقاء عندنا..( ودائما كانت فزّاعة الاصولية الملتبسة بالفلسطينية هي السلاح الاقوى لدى السلطة وسوريا لتسويق صفقاتها مع الاميركيين من جهة او لاستجرار عقود صفقات ممكنة، ناهيك عن المفعول الداخلي الارهابي والعنصري في اّن معا ).... لقد كانت معضلة المشاركة المسيحية بعد الطائف ( وبعد انتخابات 1992) الهاجس الاكبر لكل الحريصين على لبنان والوفاق والوحدة ... وهي كانت في اساس انعقاد اللقاء اللبناني للحوار على مرحلتين (في قبرص 1990 و1992، ثم في سويسرا 2001) وفي اساس دعوة قداسة البابا للسينودوس من اجل لبنان ( حزيران 1992) وفي اساس تشكيل المؤتمر الدائم للحوار اللبناني ( كانون الثاني 1993) كما اللجنة الوطنية للحوار ( تموز 1993).. ولعل ابرز تعبير عن هذا الهم الوطني نجده في بيان القمة الروحية الجامعة التي انعقدت في بكركي بدعوة من الامام شمس الدين والبطريرك صفير ( 2 اب 1993) وفيه الى جانب الموقف الوطني المحتضن للمقاومة ( اثر عدوان تموز ذلك العام) تاْكيد على ميثاق العيش المشترك وثوابت الوفاق الوطني في التوازن والمشاركة وفي المصالحة وطي صفحة الحرب الاهلية ... وفي مطلع عام 1995 صدرت وثيقة اللجنة الوطنية الاسلامية المسيحية للحوار حاملة تواقيع المرجعيات الروحية كافة، وهي وثيقة تاريخية تحدثت عن الخلل والاستنسابية في تطبيق اتفاق الطائف وعن انعدام التوازن وغياب المشاركة في ادارة امور البلاد، واشارت الى تعاظم مشاعر الاحباط والغبن والى ظاهرة الهجرة في مقابل سياسات الانتقام والغلبة والنبذ والاقصاء.. وقد دعت الوثيقة يومها ( واكرر انها حملت تواقيع كل المرجعيات الروحية وحظيت بتقريظ وثناء الرؤساء الثلاثة في حينه: الهراوي-بري-الحريري، وقد زرناهم واحدا واحدا انا وزملائي في اللجنة الوطنية للحوار) دعت الى الاستماع الى الشكوى المتصاعدة والى معالجة مكامن الخلل وتصحيح الشوائب التي تعترض عملية بناء الدولة وذلك عبر تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة التي قام عليها اتفاق الطائف، وعبر ارساء دعائم سلطة القانون والمؤسسات والتزام تطبيق بنود الطائف نصا وروحا.... كما كان هذا الهاجس في اساس مشاركتنا الاسلامية في كل الاعمال التحضيرية للسينودوس ( 1992-1995) وصولا الى قاعات الفاتيكان وجلسات المجمع نفسه (انا وزملائي محمد السماك وعباس الحلبي).. وطوال عقد من الزمن، اي منذ اقرار التعديلات الدستورية (1990) وحتى لحظة وفاته (10كانون الثاني 2001)استمر الامام شمس الدين ينبه من مغبة عدم الاستماع الى شكاوى الشركاء في الوطن ويدعو القيادات الاسلامية المؤتمنة على الصيغة الجديدة الى: "مباشرة الامور برفق، واْلا يدفعوا الامور نحو ازمة في ما يتعلق بالاختيارات الكبرى في شاْن الدولة والمجتمع، وان تكون روح الحوار والانفتاح والاخلاص لهذا البلد ولشعبه الذي يستحق كل التكريم هي الروح الحاكمة"... فهل استمعت الطبقة الحاكمة الى كل ذلك؟؟؟... لقد ارسى الطائف صيغة جديدة للمشاركة في الحكم والادارة رضي بها المسلمون والمسيحيون وهي صيغة طائفية بامتياز (ولا حرج).. وفي حين كان الامام يرى لسنوات الى اتفاق الطائف باعتباره "اتفاق الحاجة والضرورة"، فانه عاد واعلن مرارا وتكرارا انه "اتفاق الاختيار".. ولا اعرف موقفا اسلاميا سنيا او شيعيا يرفض مرجعية الطائف كناظم للمشاركة الاسلامية في عملية الحكم والادارة... بل ان القيادات الاسلامية قد دفعت اكثر من المسيحية ثمن التزامها بالعيش المشترك ميثاقا وعقدا وسلوكا... من كمال جنبلاط وموسى الصدر الى حسن خالد ورفيق الحريري... وبينهما العشرات من شهداء الاغتيالات الهمجية... وعليه فانه يجوز لا بل وينبغي محاكمة الموقف الاسلامي العام ومواقف الجماعات والقيادات الاسلامية، في ضوء التزامها بهذا العهد (وثيقة الوفاق الوطني) وقيامها بموجباته.. لقد عبر الامام شمس الدين عن اكثر من التزام مصلحي ظرفي بضرورات حفظ الصيغة والكيان قائلا بانه يطلب من المسلمين اللبنانيين والعرب "الحرص الكامل على ضرورة وجود وفاعلية المسيحيين في لبنان، وعلى تكاملهم وعلى شعورهم بالانتماء الكامل والرضى الكامل، وعلى عدم اي شعور بالاحباط او بالحرمان او بالنقص او بالانتقاص او بالخوف على المستقبل وما الى ذلك..."(الوصايا). والامام الذي كان يعرف "البير وغطاه" ( على ما في اقوال العامة) ويعلم ما سيقوله بعض المسلمين من استعادة لحجج التقية او التكتيك او غير ذلك في تفسيرهم للقبول بالطائف، فانه لم يترك الكلام على غاربه بل هو اكمل واوضح في وصيته باْن "هذه الرؤية ليست قائمة على المجاملة، وعلى الحس الانساني فقط، وانما هي قائمة على حقائق موضوعية اساسية لا بد من مراعاتها "... ولم يكن كلام الامام يستهدف حفظ الوجود المادي الطبيعي للموارنة والمسيحيين في المشرق (وهو بهذا المعنى يكون وجودا يصلح للمتاحف) وانما ووفق وصيته "الوجود والحضور معا، والفاعلية والدور في صنع القرارات، وفي تسيير حركة التاريخ، وان تكون هناك شراكة كاملة في هذا الشاْن بين المسلمين والمسيحيين في كل اوطانهم وفي كل مجتمعاتهم.." ( لاحظ قوله: الفاعلية والدور، وقوله: تسيير حركة التاريخ). وانطلاقا من هذا الاعتبار ايضا راْى الامام المسؤولية الكبرى التي يتحملها المسلمون في حفظ تجربة العيش المشترك وصيغة الوفاق والشراكة في لبنان "ليس استجابة وترضية للمسيحيين، بل لان ذلك في ما نعي، ولا ازال اعتقد بذلك الى الاّن، ضرورة للاجتماع اللبناني ولبقاء كيان لبنان، ليس لمصلحة لبنان وشعبه فقط، وانما لمصلحة العالم العربي في كثير من الابعاد، وحتى لمصلحة جوانب كثيرة من العالم الاسلامي..(انتهى كلام الامام ). وموقف الامام هذا كان استمرارا وتطويرا للموقف الرائد والتاريخي للامام السيد موسى الصدر القائد والمؤسس للمشروع الشيعي والاسلامي الوطني اللبناني الانساني (ولمن ينسى او يتناسى، فاننا نحيله الى خطب ومواقف الامام الصدر خلال سنوات المحنة التي سبقت اختطافه 1975-1978)... وهو الموقف الذي عبرت عنه قمة عرمون والمواقف الاسلامية اللاحقة وخصوصا للمفتي الشهيد حسن خالد والشيخ الشهيد الدكتور صبحي الصالح... كما لغيرهم من الشهداء المسلمين الذين سقطوا دفاعا عن استقلال وسيادة لبنان وعروبته الحقيقية الحضارية، واخرهم واكبرهم عبرة ومثالا كان الرئيس الحريري..
لقد دخل المسلمون في عهد شراكة مع اخوانهم في الوطن هو عهد الطائف وعليه فانه يلزم شرعا (دينيا= اسلاميا) ويلزم سياسيا و وطنيا، الوفاء بكل مقتضيات ومستوجبات العهد (ان العهد كان مسؤولا، كما في القراّن الكريم).. وقد قرر المسلمون في هذا العقد الاعتراف بلبنان وطنا نهائيا لجميع بنيه واكدوا على ثوابت الوفاق ورفعوا ميثاق العيش المشترك الى مستوى المرجعية التي تعلو حتى على الدستور (لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك). ومنذ الطائف وانتهاء الحرب وبداية مرحلة السلم الاهلي، ورغم كل الانتكاسات والعراقيل، حصل تطور كبير في العقل السياسي اللبناني (الاسلامي والمسيحي على السواء) تمثل بفهم جديد متوافق عليه لقضية الكيان.. فلم يعد المفهوم (نهائية الكيان) مفهوما سكونيا ( خارج التاريخ : كما كان على ايدي غلاة الفينيقية والسعيد عقلية)... وصار الكل (على اختلاف وتنّوع طبعا ) يقر بتاريخية المفهوم اي بضرورة وضعه ضمن اطره المرجعية التاريخية والاجتماعية والثقافية الخاصة. والمتابع لتطور الفكر السياسي الاسلامي اللبناني لا بد وان يلحظ التقدم الكبير الحاصل على مستوى حزب الله والجماعة الاسلامية في هذا الصدد (علما انه محسوم اصلا في وعي وممارسة كوادر حركة امل الامناء لتراث امامهم).. وهذا التطور الفقهي والكلامي امر ندين به كاسلاميين حركيين لرؤية الامام الصدر ولاجتهادات الامام شمس الدين كما للممارسة العاقلة والمتوازنة التي حاول الرئيس الحريري تجسيدها خصوصا حين كان يذهب الى المعارضة..
وبالمقابل لم تعد العروبة (وهي كانت الطرف الاخر من معادلة الانقسام الداخلي) تعني نزعة قومية لوحدة قسرية تفرضها دبابات الحزب الواحد والقائد الاوحد وتتحول الى عصبية عشائرية جهوية مذهبية اين منها الطائفية السياسية اللبنانية.. كما انها لم تعد موجة اسلاموية لغلبة اكثرية.. وصار الحديث يدور اكثر حول العروبة الحضارية: روابط اللغة والثقافة والتراث والتاريخ والجغرافيا والجوار والمصالح والعلاقات السوية الطبيعية والمنافع المتبادلة.. وصار المثال الاوروبي والمثال الاميركي الفدرالي او المثال الكونفدرالي حاضرين اكثر في فهم ووعي واستشراف مصائر البلدان العربية خصوصا بعد انكشاف وانهيار التهويمات الايديولوجية القومجية التي كانت تخفي ابشع اشكال التفتت والتجزئة والاستبداد.. ان الفهم الجديد للكيانية وللعروبة ولعلاقتهما التاريخية والمصيرية هو في الحقيقة فهم تسووي اي انه ليس "جوهريا".. اذ ليس هناك من جواهر ازلية مطلقة(غير الله) بل حراك اجتماعي سياسي ثقافي ومساع تسووية على غير صعيد.. وهذا الفهم التسووي للاجتماع اللبناني يستعيد في الحقيقة حقائق الاجتماع البشري ودروس التجربة اللبنانية وهو مدين ايضا للتطويرات الفذة للامام شمس الدين كما للوثائق النظرية الصادرة عن المؤتمر الدائم للحوار اللبناني عام 1993. ولقد عمل الامام شمس الدين على تأصيل وتعميق هذه المعاني مركزا بالاساس على ضرورة الوعي المسوؤل للمسألة الطائفية... فهو الذي علمنّا بان تجاوز الطائفية والمذهبية والعشائرية نحو دولة الحق والمؤسسات وسيادة القانون انما تكون بصيانة العيش المشترك اولا، وبمعرفة ادارة الاختلاف بالحوار ثانيا، وبالتسويات الحضارية النبيلة ثالثا، وبثقافة الانفتاح والوسطية والاعتدال وقيم الديموقراطية والعدالة وحقوق الانسان في مطلق الاحوال والامكنة والازمنة.. وقال الامام ان التغيير باتجاه الافضل مرهون باحلال "الانسجام" بين الدين والدولة، و بين الحرية والعدالة، وبين حقوق المواطن-الفرد وحقوق الطوائف-الجماعات، وبين استقلال لبنان الكيان النهائي و بين انتمائه العربي... لقد اعاد هذا الحوار الفذ الخلاق موضعة الطوائف في اطارها الثقافي-الاجتماعي وحاول نزع "الاسطرة الدينية" عنها.. فهي متحدات اجتماعية-ثقافية تملك دينامية لا تنبع من الانتساب الديني (او المذهبي)او من تقوى الافراد (تدينهم والتزامهم: وهو حتما مضحكة في حالة بعض القوى الطائفية!) وانما من العصبية (حسب تحديدها الخلدوني).. العصبية هي مزيج نفسي سوسيولوجي (حسب تعبير التونسي محمد الطالبي في دراسته عن ابن خلدون): "هي في اّن قوة تماسك الجماعة وشعورها بخصوصيتها ووعيها لطموحاتها الجماعية، كما هي تعبير عن هذا التوتر الذي يحرّكها ويدفعها تدريجا -ومن دون ان يكون لها حرية الاختيار- نحو السيطرة على السلطة "... اي وبلغة ابن خلدون نفسه "إعلم ان الملك غاية طبيعية للعصبية ليس وقوعه عنها باختيار انما هو بضرورة الوجود وترتيبه".. وبلغة علم الاجتماع السياسي المعاصر فانه لا وجود للطائفة الا داخل منظومة طائفية اي داخل حقل صراع على السلطة والتوزيع.....
والنقطة الثالثة المهمة التي حصل فيها تطور وتقدم تتعلق بموضوع الدولة: لقد صار الوعي اللبناني (النخبوي والجماهيري) ملامسا لمفهوم ان الدولة هي اداة تجسيد الكيان وهي نواته.. وكانت هذه النقطة قضية خلافية بسبب من التركيبة الطائفية التي لم تكن تؤمن المشاركة. لقد انجزت تسوية الطائف نقلة نوعية على صعيد المشاركة اذ هي حسّنت من شروطها واوجدت صيغة اكثر عدلا وتوازنا. وتمظهرت المشكلة تاليا في الممارسة اي في عدم الالتزام بتطبيق الطائف نصا وروحا ما ادى الى ايجاد خلل في التوازن وفي المشاركة والى ظلم واجحاف نتج عنهما حذر وتحفظ - سمي احباطا- في الوسط المسيحي.. والمؤسف ان النخب الاسلامية الدينية والعلمانية لم تتجراْ على تقديم اية مقاربة نقدية لتجربة "الاقتحام" الاسلامي للدولة بعد الطائف، واستمرت في تذكيرنا بحالة الدولة الفئوية لمرحلة ما قبل الطائف وفي تخويفنا من المارونية السياسية... واستمرت تجتر المنقولات والمحفوظات التي عفا عليها الزمن وذلك لتبرير سيطرة فئوية جديدة يمثلها اركان المخابرات والاجهزة والمستفيدين من الطبقة الطفيلية الحاكمة او بالاصح المتحكمة بالبلاد والعباد منذ جاءت بها المعادلات القاهرة في ليل حالك!! ..
وهنا لا بد للمسلم من الاعتراف وبكل صراحة وشجاعة بانه قد جرى الانقلاب على الطائف (حسب تعبير الوزير البير منصور في عنوان كتابه الشهير) وباْن خمسة عشر سنة من عمر لبنان واللبنانيين قد ضاعت كما ضاعت قبلها من عمرنا ومن عمر الوطن سنوات الحرب الخمسة عشر... نعم !! تعبت الايدي وبريت الاقلام وجف الحبر وكلت الالسن ونشف ريقنا، وريق غيرنا، ونحن وغيرنا، نصرخ صبح مساء ومنذ عام 1990 بضرورة الاستماع الى الشكاوى وبضرورة المصارحة والمكاشفة، وبضرورة العدل والقسط وعدم الكيد او الانتقام، وبضرورة انجاز العفو الشامل وتحقيق المصالحة الحقيقية وطي صفحة الحرب الاهلية نهائيا والاستفادة من دروسها وعبرها... والجسم السياسي الاسلامي، ومعه الطبقة السياسية الجديدة التي جاءت بها معادلة اقليمية-دولية خارجية، وكاْن لا عينا راْت ولا اذنا سمعت. وكنا في ماضي الايام، ننعي على الطبقةالسياسية القديمةانها اغلقت الابواب في وجه اي تغيير ولم تنتبه الى التحولات الديموغرافية والسياسية والتطورات المحلية والدولية، فقادت البلاد الى حرب اهلية ما زال بعض اركانها يرفض استخلاص دروسها او تغيير نظرته الى ظروفها والى مسوؤليته فيها... جرى تركيب انتخابات صيف 1992 خلافا للطائف (نعم خلافا لما تم التوافق عليه) وضدا برغبات معظم القيادات اللبنانية حينها: ارجعوا الى ارشيف الصحف تجدون ان لا احدا صدق "مزحة" وزير الداخلية يومذاك (وهو كان" للصدفة" اللواء سامي الخطيب، كما ان وزير الداخلية اليوم هو "للصدفة"سليمان فرنجية) حين قال انه سيجري الانتخابات في الصيف.. ومعظم هؤلاء عاد فاعلن تاْييده لهذه الانتخابات حين اتته كلمة السر المعروفة.. ارجعوا الى موقف الرئيس المرحوم صائب سلام والى المقاطعة البيروتية التي فاقت مقاطعة بعض مناطق الجبل .. لا بل ارجعوا الى مواقف كل السياسيين المسلمين (قبل المسيحيين) وكل القيادات الروحية الاسلامية (قبل المسيحية) لتجدوا انها عارضت بداية تلك الانتخابات من موقع الامانة للطائف.. لم تستمع الطبقة السياسية الاسلامية الى تحذيرات العقلاء ولا الى المقاطعة الشعبية، او انها كانت مسيّرة بالخوف والارهاب الذي رأينا عينّة من مفاعيله مؤخرا، أو انها لم تستوعب الدروس من تجربتها المرة مع الاوضاع التي ادت الى الحرب الاهلية.... ولعلهم لم يتوقعوا ايضا تحجيمهم اللاحق والمستمر فصولا في لعبة مخابراتية مقيتة كل همها الامساك الدائم بخيوط الوضع "الحليف" من اجل اقامة طبقة حاكمة جديدة لا يربطها بلبنان اي رباط من دين او اخلاق او ذاكرة او شرف!! : يكفي هنا التذكير باستقالة الرئيس الحسيني الشهيرة بعد الانتخابات الاولى، وباعتكاف الرئيس كرامي لأشهر بعد الانتخابات الثانية، وباعتزال الرئيس الحص بعد الانتخابات الثالثة، وباستبعاد الرئيس الحريري بعد معركة بلدية صيدا المجيدة وبعد تمريره التمديد، ثم شطبه من المعادلة كما شطب قبله كمال جنبلاط وموسى الصدر، وبالطوق الذي التف واشتد حول عنق الرئيس بري الصيف الماضي، ما بين الانتخابات البلدية وحادثة حي السلم، وهو كان يحاول الافلات منه في عين التينة 1، وقبيل تمرير انتخابات هذا العام: وفقه الله !!. غير ان الامر الاشد والانكى كان الصمت السياسي الاسلامي بازاء كل الارتكابات الامنية الخطيرة التي كانت تهدد دوما بالاطاحة بامن الوطن واستقراره: من كنيسة سيدة النجاة (هل ساْل احد من نفذها بعد ان اصدر القضاء حكمه ببراءة سمير جعجع والقوات اللبنانية منها وهي كانت الحجة والمبرر لاعتقاله وسجنه؟) الى محاولة اغتيال الوزير مروان حماده (اختفى فيلم الفيديو)، مرورا باغتيال القضاة الاربعة في صيدا (ومهزلة تركيب افلام المؤامرات الفلسطينية التي تستهوي فئة من الجمهور المسيحي وتستعيد ذكريات الحرب وتشحنهم بالعنصرية المقيتة) وباغلاق محطة "ام تي في" ( لم نسمع فطاحل الدفاع عن حرية "المنار" في فرنسا يقرون لغيرهم باية حرية في وطن الحرية لبنان!!) واعتقالات 7 –9 اّب ( اثر مصالحة الجبل التاريخية: ومعها فيلم الفيديو العظيم للسيد عدنان عضوم ... ام اننا ايضا نسينا؟؟ ) ومشهد استباحة الحرية والاخلاق والشرف والقضاء امام قصر العدل ( وايضا لا احد ساْل او يساْل) واختطاف وقتل المهندس رمزي عيراني، واغتيال الوزير حبيقة، وصواريخ تلفزيون المستقبل( هل نسينا؟) وابطال نيابة السيد غبريال المر،ومهازل فتح الملفات غب الطلب ثم نسيانها ثم نبشها ( واخرها تلك المهزلة المخزية حول عودة الجنرال عون)، وانتهاء بالاستعراضات الامنية-التلفزيونية ضد عموم اهالي بعلبك- الهرمل الذين صاروا كبش المحرقة لاحلام الطغاة الصغار، وضد الحركة الاسلامية السنية: من الضنية والقرعون وعين الحلوة الى اسماعيل الخطيب ومجدل عنجر. (استفاق بعض مشايخ خلية حمد في طرابلس مؤخرا على موضوع الضنية لغاية في نفس يعقوب نقرأها في بيانهم المفّوه!!) ( كتبت هذا المقال قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهو ما يؤكد بالملموس هذا الكلام)... في كل هذه المحطات وغيرها الكثير مما لم احصره هنا، لم نسمع صوتا واحدا لاقطاب الاسلام السياسي سنة وشيعة، احزابا وشخصيات وقيادات، ادان الغلط او تضامن مع الضحايا... وهم كانوا يعتقدون واهمين ان صمتهم وقبولهم بالوضع ضمانة حماية لهم... ولم يتعلموا من التجربة المرة التي دخلها لبنان منذ عام 1970. لا بل ان الامر الخطير كان في اعمال وسياسات اقناع الجمهور المسلم بهذه الانتهاكات وحشد تأييده لها، ودعم السلطة التي قامت بها، وذلك من باب انها ضربات احترازية "للعدو"!! فكأن المطلوب هو ابقاء هذا الجمهور متوترا محشودا لحروب وحروب تحت شعار حماية "الانتصار" من عاديات الايام وتحولات الزمان!!.. فلا عفو ولا مصالحة، ولا شراكة ولا عدل ولا انصاف... وبدل تثقيف جمهورها بثقافة الاسلام اي بقيم السماحة والاعتدال والمواطنة لم تقم القوى والقيادات السياسية الاسلامية باْية خطوة في هذا الاتجاه بل على العكس فانها استخدمت الدين والمذهب (وكل المناسبات: وخصوصا عاشوراء) للشحن والتوتير وايصال الجمهور الى حدود النيرفانا الانتشائية الانتصارية المريضة.. ولم تقدم القيادات الاسلامية اية مراجعة نقدية لمسيرتها ولمسيرة جمهورية الطائف.. وهي اكتفت على سبيل المثال بخطابات الاشادة والمديح بالارشاد الرسولي (حتى بتنا نعتقد ان النائبين ناصر قنديل وباسم يموت هما من كتباه) دون اي اهتمام بقراءة روح السينودوس والارشاد (لا بل نصوصه ايضا) من حيث التوبة والنقد الذاتي والاعتراف بالاخطاء وطلب العفو والمصالحة وتجديد الروح والعقل واستنهاض الطاقات من اجل خير الوطن والمواطن... لم يخطر ببال الاسلام السياسي ان هذا هو بالضبط اسلامنا وان كل ما عداه ثرثرة ولقلقة لسان.. لم يتقدم اي طرف اسلامي بدعوة لعقد مؤتمر حوار اسلامي يدرس التجربة السابقة ودروسها و يناقش الافكار والمشاريع ويستشرف الرؤى والمستقبل ويطرح اسس المشاركة الاسلامية في الحكم والادارة.. وكان الالتباس هو سيد الموقف... الالتباس في النظرة الى الكيان اللبناني والى صيغة الطائف والى الطائفية السياسية والى معنى لبنان ودوره والى العروبة والى الحوار والعيش المشترك.. والالتباس في النظرة الى الذات والى الاخر ( المسلم قبل غير المسلم).. ولم تثر وصايا الامام شمس الدين اي حوار او مناقشة في الوسط الاسلامي (على خلاف الترحيب والاهتمام في الوسط المسيحي).... واستمر الالتباس اكثر في تقويم الوضع العالمي والعربي بعد 11 ايلول.. ولعل الاّية الابلغ في الالتباس تكمن في الموقف من الوضع العراقي: هل يعرف احد ما هو الموقف الشيعي او السني من الحكم العراقي "العميل" ولهم بين صفوفه اكثر من صديق وحليف؟ اوالموقف من "حزب الدعوة" (باجنحته الثلاثة وهي من مؤسسي حزب الله واتباع مرجعية السيد فضل الله) اوالمجلس الاعلى للثورة الاسلامية (وهو الخميني نشأة ومسارا)؟ من الانتخابات التي كانت مطلب السيد السيستاني؟ من صعود وهبوط ظاهرة مقتدى الصدر وجيش المهدي (ام نسينا النصف مليون كفن ؟؟)؟ من الجهاد ضد اميركا في العراق طبقا لاوامر عمليات بن لادن والزرقاوي وفتاوى استباحة دماء واعراض واموال وممتلكات الشيعة والاكراد (وتهليلات ديناصورات المؤتمرات القومجية عندنا)؟ هل ناقش احد من المسلمين الوضع الكردي؟ او التجربة الاسلامية التركية؟ او الماليزية؟ او السودانية؟ او الحالة البربرية في بلاد المغرب؟ او المأساة الجزائرية؟؟ او الحالة الفلسطينية منذ اوسلو الى اليوم اي الى شرم الشيخ الاخير؟ وهل تساءل احد من الاسلاميين عن سر دور المخابرات المصرية في صياغة "اعتدال" حماس والجهاد عند كل منعطف ؟الخ... لم يتخلف المسلمون فقط عن رؤية التغيرات العميقة الجارية من حولهم في العالم بل هم استمروا على ما هم عليه فلم يغيروا في سياساتهم وفي خطابهم وفي مقارباتهم ولو قيد انملة .. وما زال البعض من "الوطنيين" والقوميين واليسراويين يعيش مرحلة الاتحاد السوفياتي "العظيم"!! في حين يستمر البعض الاخر، وفيهم رجال دين وسياسة، في تكرار الشعارات الفارغة عن الوجود السوري الضامن للسلم ولعدم تجدد الحرب الاهلية (يا عيب الشوم!! وكأننا لم نعش محطات الحرب الاهلية ساعة بساعة ويوما بيوم ولا نعرف ماذا جرى وكيف ولماذا؟؟).....وحين يفقد هؤلاء روعهم ( وهم اصلا فاقدون لاي ورع او تقوى) يعودون الى لعبة التهويل: تارة بجند الشام بعد "عصبة الانصار" في عين الحلوة (ومؤخرا "النصرة والجهاد"!!) وطورا بسواطير "الاحباش" و"خلية حمد" و"علماء عكار"، ودائما بشعار الغاء الطائفية السياسية وبالتذاكي الممجوج لبعض سياسييهم، واحيانا بالاستفتاء اوبالعدد او بالاكفان، وصولا الى الدائرة الواحدة... !!... ولا تدري ان كانوا يدركون حجم الالتباسات التي يقعون ويوقعون جمهورهم فيها... وبدل المشاركة جميعا، ومن موقع اسلامي و مقاوم وعروبي ولبناني في اّن معا، في اجتراح فكر سياسي جديد وفي انتاج معرفة متجددة مناسبة للواقع وفي الاطلالة على العصر والالفية الثالثة بفقه حواري مستنير ومتحرر وبممارسة واعية مطابقة لمبادىء وقيم اسلامنا العظيم ( العدل والحق اولا واخيرا والحرية والمسوؤلية ثانيا وثالثا)، وفي بناء شروط المواجهة الحقيقية مع تحديات ما بعد 11 ايلول والحرب الاميركية والشراسة الصهيونية والموقف الاوروبي المستجد (نعم شروط المواجهة الفعلية لا الجعجعة من غير طحن)، بدلا من ذلك كله تحول الاسلام السياسي اللبناني من جماعات وشخصيات سنية وشيعية الى قيادات قومجية متوترة في زمن رحيل كل انواع الشوفينيات والفاشيات القومية.. وصار بعض الصحفيين اليسراويين هم الذين يتولون التنظير لهذا التحشيد الجهادي... في حين صار الضمور الثقافي والقحط الفكري هو ما يميّز اكبر واقوى جسم سياسي عربي معاصر ( الاسلام الحركي الشيعي اولا، ولكن والسني ايضا اذا نظرنا الى التطور الهائل في الفكر الاسلامي الحركي في مصر وفلسطين والسودان والمغرب وتونس) فيجعله مساويا ومماثلا لغيره من الاحزاب التي عرفتها بلادنا، ويجعلنا نذكّرهم (لعل الذكرى تنفع) بمصائر اقوى واكبر الاحزاب العربية في تاريخنا المعاصر من حركة القوميين العرب والناصرية والبعث الى الحزب الشيوعي السوداني ومعه كل الحركة الشيوعية العربية!! ... ويلفت في هذا المجال الجمود لا بل القحط الفكري لحزب مثل حزب الله وذلك رغم كل الامكانيات المالية والتظيمية والجماهيرية والفكرية والثقافية ورغم عشرات الاطروحات التي اعدها مسؤولون كبار في الحزب (خصوصا في معهد العلوم الاجتماعية) عن قضايا الشورى والديمقراطية والاصلاح والتغيير وعن افكار الامام الصدر والامام شمس الدين وراشد الغنوشي وطارق البشري ومحمد سليم العوا وحسن الترابي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي (وغيرهم)، مما لم يلامس( على ما يبدو) عمق البنية الفكرية والثقافية للحزب (هذا دون ذكر فضيحة انعدام الفكر اصلا لدى غيره)... وتسابقت القوى والشخصيات السياسية الاسلامية على اعلان الولاء الاعمى للوصاية السورية جاعلة منها المعيار الاوحد لكل تحالف او تعامل مع الاخر، ومجردة العلاقات اللبنانية السورية من كل بعد شعبي جماهيري، اجتماعي – ثقافي– اقتصادي – سياسي (فكأنها مسألة امنية لا غير) ومن كل مقاربة نقدية ومن كل احتمال عروبي ثوري وتغييري ديمقراطي. ولم يقدّم لنا "العروبيون الجدد" ( وبعضهم كان من عتاة الانعزالية والخط الاسرائيلي على ما نذكر وتذكرون..) اية وصفة لكيفية نجاحنا نحن والشقيقة سوريا في رد كيد الاعادي.. ولا اخبرونا كيف يستقيم الطرح الجهادي الاسلاموي القومجي المستجد (وهم اليوم مع قدامى القومجيين من ابرز مناصري المجازر ضد الشعب العراقي نظرا لصلتهم الاكيدة باموال وكوبونات صدام حسين !!ام اننا نسينا ايضا؟؟) مع كل الواقعية السورية في التعاطي مع اميركا واسرائيل؟ لا بل ان بعض "لمباتهم المضيئة" يعيد تذكيرنا على الدوام بان التوافق الاميركي-السوري هو القاعدة وهو الاصل وانه حاصل حتما وحينها فالويل والثبور لمن راهن على تغير موقف اميركا من تلزيم لبنان لسوريا... كما ان اذكياء اخرين من كبار المحللين لم يقولوا لنا ابدا -رغم فصاحتهم المعروفة- كيف يمكن للمخابرات ولقوانين الطوارىء والمحاكم العسكرية والارهاب والقمع والشحار والتعتير ان تسقط المؤامرات الامبريالية او تحقق النصر على الصهيونية، وهي كلها مجتمعة تحكمنا منذ حوالي النصف قرن وتقودنا من هزيمة الى اخرى؟؟ ولا هم افتوا لنا مأجورين مشكورين بكيف يمكن ان نقاوم ونصمد وننتصر ونحن في سجن كبير (قامت قيامة بعض الاصدقاء في حركة امل يوم وصفت في مقالة سابقة حالنا بالسجن الكبير... ولكنني قرأت مرارا للرئيس بري هذا التشبيه في وصفه للواقع العربي لا اللبناني... ولا ادري ما الفرق اليوم؟). ولم يقل لنا حكماء الثورة الدائمة كيف يتوافق هذا الشحن الثوري الجهادي وتلك التعبئة الزرقاوية، مع تأييدهم(من باب التضامن العربي طبعا) حملات استئصال الارهاب الاصولي: السورية- المصرية-السعودية-اليمنية-الكويتية-المغربية-التونسية-الجزائرية..الخ .. واللائحة تطول وهي بالمناسبة لا تضم سوى دولا اسلامية سنية بامتياز والحمد لله( ومعها طبعا باكستان وافغانستان !!). اي ان لا علاقة لقرنة شهوان او البريستول او للسيستاني بعملياتها؟؟.. و كيف يمكن ان نسير الى المعارك القومية الكبرى وهم يحرموننا لقمة العيش والكرامة والحرية؟؟ام انهم لم يتعلموا شيئا من دروس انتصار المقاومة في جنوب لبنان؟؟ حتى اننا صرنا لفرط تصاعد مشاعر الكره الشعبي(الى حدود العنصرية): اكثر من شعبين في دولة واحدة! (وليس دولتين في شعب واحد على ما كان يتمنىالرئيس المرحوم حافظ الاسد)... لقد تعاملت السلطة، واركان الوصاية عليها، مع اللبنانيين تعامل الانتقام والنكاية والطرف المنتصر المتحكم لا تعامل الدولة العادلة المتوازنة، وها هي اليوم تحصد ما زرعته خلال السنوات الماضية.. فيوم جرى قبول توبة بعض اركان ما صار لاحقا الموالاة، ورد الاعتبار اليهم واحتضان مسيرتهم في اروقة السلطة، مقابل اغلاق الباب في وجه اي لون مسيحي اخر، لم نسمع كلاما عن المصالحة والحوار او عن ضرورة تطبيق اتفاق الطائف. لا بل اننا سمعنا تبجحا دائما (صار مملا من شدة التكرار) بان المصالحة قد انجزت وبان الوفاق ممتاز وبان الطائف نفّذ وبان قضية عون وجعجع قضائية لا سياسية (فماذا عدا مما بدا؟). وشهدنا سنوات من العمل الدؤوب على تفريخ وتلميع قيادات مسيحية موالية (واخرى مسلمة ايضا: ضمن الوديعة السورية، خصوصا في بيروت) لتكون هي الممثل الشرعي والوحيد للبنانيين... فماذا حصدنا؟ اعتراف فاضح من السلطة بضرورة محاورة عون وعودته، وبواجب اطلاق جعجع واعادة الاعتبار اليه، ثم تخبط في موضوع الحوار والمصالحة اثر التمديد، فتخبط اكبر في موضوع القانون الانتخابي المطلوب ان يرضي البطريرك والمسيحيين دون ان يصب في طاحونة المعارضة ولا ان يكسر جرة الموالاة.. وصولا الى ادخالنا في ازمة وطنية خطيرة، وتدويل اخطر...؟؟ وصولا الى عودة الخيار الامني وهو المفضّل والمجّرب لدى هذه السلطة منذ كنيسة سيدة النجاة !!) والمضحك المبكي ان القوى السياسية الاسلامية وقد سكتت عن ملفات صبرا وشاتيلا ومجازر السبت الاسود والمسلخ والكرنتينا والبحصاص وشكا وانفه وتل الزعتر والنبعة، ورضيت بتوبة مرتكبيها وبالتحالف السياسي الكامل معهم في "حركة وطنية اسلامية" (وانا اول من دعا الى طي صفحة الماضي على قاعدة العفو والمسامحة والمصالحة، ولكن ليس الاستحمار)، لم تعد تتذكر من دفاتر الحرب الاهلية ان رفاقها الاشاوس من الوطنيين الجدد هم الذين كانوا في القيادة خلال كل مراحل التعامل مع العدو وارتكاب المجازر( نعم هم وليس اي شخص اخر)..... وبالمقابل نسي اقطاب الاسلام السياسي وحلفاء سوريا ما ارتكبته ايديهم هم من امور: من تل عباس وبيت ملات وعكار العتيقة الى الدامور والعيشية، ومن تل الزعتر والقاع ورأس بعلبك الى الحرب ضد عرفات في البقاع وطرابلس، ومن حروب زواريب بيروت وما جرى بحق اهليها، الى حرب المخيمات المجيدة، الى حرب الضاحية واقليم التفاح الاخوية.. ومن حروب طرابلس الوطنية والتوحيدية الى معارك الكورة القومية المشرفة، الى الاغتيالات الرفاقية الحميمة.. كل ذلك يضربون عنه صفحا دون سؤال او نقد ذاتي او توبة او حتى تحليل... فسبحان من بيده مفاتيح الامور... !!..
ولم تتفاعل الجماعة المسلمة ولو من حيث الشكل مع كل التحرك الشعبي حول السجناء والمفقودين في السجون السورية (وفيهم اكثرية من المسلمين)، رغم "المغامرة" التي حاول القيام بها الرئيس بري وجرى اجهاضها بسرعة لافتة (ايضا لا نعرف ما هو تقييم الرئيس بري او حركته لما جرى يومها على ادراج بكركي ولما تلاه من انقلاب على مشروعه للمصالحة، تماما كالانقلاب على مصالحة الجبل بنفس السرعة القياسية).... وصار موضوع الاسرى في سجون الاحتلال الاسرائيلي يرفع في وجه كل من يطرح سؤالا عن السجون السورية واللبنانية (ظلم في السوية عدل في الرعية حسب اكتشاف احد الثوابت مؤخرا لا فض فوه)... لا بل ان المسؤولين لم ينتابهم ادنى خجل يوم كانت السلطات السورية تفرج عن بعض المعتقلين في حين كانوا هم يحلفون باغلظ الايمان انه لم يعد هناك من معتقلين في سوريا!! (حصل ذلك مؤخرا ايضا).....وصارت مزارع شبعا قميص عثمان او مسمار جحا لحجب اي حوار حقيقي واية محاولة للتوافق على شروط استمرار الممانعة والمقاومة.. وصارت قضية حقوق الانسان جريمة وعمالة كما شعارات السيادة والحرية.. وصارت المقاومة تعني "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ووضعت في مقابل اي شعار اجتماعي او مطلبي ( لا تنسوا حي السلم) او سيادي وطني (مظاهرات الطلبة في عيد الاستقلال) ... فاما هذه واما تلك ولا مجال لاي اعتبار للحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية والكرامة، وكأن هذه ليست من الاسلام، علما انها هي وحدها كانت في اساس انتصار المقاومة في الجنوب، وليس في اي مكان عربي اخر،من الخليج الى المحيط .. كل هذا ونحن نصرخ في المسلمين والناس اجمعين بضرورة الاستقامة على سنة محمد وعلي والحسين، وعلىاصول العدل والتوحيد و دعوة مكارم الاخلاق والعفو والسماحة والاعتدال وعلى النص الالهي التكليفي:"كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر".. "ولا تزر وازرة وزر اخرى"..
ان النخب الاسلامية الواعية تدرك اكثر من غيرها بان ما حصل منذ 1992 لم يكن سيطرة للمسلمين على الدولة بقدر ما كان سيطرة لمجموعة مصالح نشاْت بعد الحرب لدى قمم الطوائف من قيادات وزعامات سياسية ركبّـت الدولة على هواها وهوى نظيرتها من القيادات الامنية-المالية السورية الحديثةالنعمة ( بفضل حروب لبنان) في وحدة مسار ومصير (مع اشقاء سوريين وليس مع سوريا للاسف) غلبت على ما سواها على حساب المحرومين والمستضعفين وكل برنامج النضال الوطني والديمقراطي الذي استشهد في سبيله انبل ابناء هذا الوطن.. ام اننا نسينا البرامج والنضال والشهداء؟؟ ان دولة ما بعد الطائف لم تكن دولة الطائف(اي الدولة بصفتها تعطي هوية جماعية وتؤمّن المشاركة للجميع)... لقد حصل خلل اساسي بعد الطائف (هو فعلا انقلاب على الطائف نصا وروحا) عبّر عنه من زوايا طائفية ( مسيحية تحديدا) ولكن ايضا من زوايا اجتماعية ينسى اليساريون القدامى انهم غابوا عنها (ولم يغيّبوا الا ان اعترفوا بانهم التهوا بالسياسة في اكثر معانيها ابتذالا!!) .. لقد اشتكت جماهير الفقراء والمحرومين ورفعت الصوت والقبضات وماتت جوعا وحرمانا في بعلبك- الهرمل وعكار والضنية وباب التبانة وحي السلم.... فأين كان اليسار واين كانت النقابات وهل نسينا كيف تحولت الحركة النقابية والمطلبية الى واجهات ومنابر وعنابر لاركان السلطة واحزابها وكوادرها الفاشلة دراسيا واجتماعيا.. واشتكت الطوائف المسيحية ورفعت الصوت بالشكوى من التهميش والقمع ومن تنصيب قوى وزعامات ومن استباحة للحريات ومن عزل ونبذ ومن انعدام للتوازن والمشاركة.. فأين كانت السلطة واحزابها واين كان الاسلام السياسي؟؟ في مقابل الشكوى المسيحية جرى تجييش االجمهور المسلم بسلاح الدفاع عما انتزعوه في الطائف وبالخوف من انقلاب مسيحي على الطائف قد يستفيد من ظروف دولية معينة... وهذا ما نسمعه اليوم مجددا في تصريحات بعض المسوؤلين المسلمين ممن لا يجد غضاضة في التهويل باستعادة الحرب الاهلية محملا المعارضة مسوؤلية ذلك كونها تريد تغيير الاوضاع.. فكاْن الخيار هو بين تاْبيد الاوضاع اي استمرار النهب والافقار والاستحمار، وبين استعادة الحرب الاهلية و ذكريات السيطرة الفئوية.. لا بل ان هذه السلطة التي استباحت كل شيء تلجأ مع اغتيال الرئيس الحريري الى التلويح بالفتنة المذهبية السنية – الشيعية او السنية – السنية بعد ان فشلت في ارهاب المعارضة بفزاعة الحرب الاهلية بسبب الموقف الجريء للرئيس الحريري بانضمامه الى هذه المعارضة المتهمة بانها مسيحية تعمل للانقلاب على المسلمين!!
ولولا استشهاد الرئيس الحريري لكان المسلمون اليوم يقفون رافعي القبضات في وجه السلطة مرددين: تعالوا الى كلمة سواء امام الله والتاريخ لنرى بأي اّلاء ربكم تكذبون:
فالانماء المتوازن الذي طرح كجواب على قضية الحرمان التي عانت منها طوائف ومناطق اساسية، تحوّل مع السلطة الجديدة (سلطة ما بعد الطائف) الى اكبر عملية نهب منظمة عرفتها دول العالم الثالث منذ الخمسينات من القرن العشرين.. تراكمت ثروات خيالية لا يجرؤ احد على مجرد الحديث عنها في يد حفنة من السياسيين صاروا بين ليلة وضحاها من اصحاب المليارات والعقارات.. وامام تفاقم الحرمان والتهميش والاستغلال والفقر والبؤس لم يجرؤ نواب الامة الاشاوس واحزاب الفقراء والمحرومين والمستضعفين والكادحين على مجرد الشكوى او التفكير باحتجاج ما!! ان ضرب الريف المتمادي ونهبه وافقاره والذي كان سمة كل العهود قبل الطائف قد تضاعفت وتيرته لا بل وحشيته بعد الطائف، في حين ان انهاك وتفسيخ الطبقة المتوسطة المدينية (صمام الاعتدال والامان في كل المجتمعات) قد ساهم في سرقة أعمار واحلام الشبان العاطلين عن العمل المتكدسين في الازقة، وفي تهميشهم وتحويلهم الى خزان احتياط لكل مشاعر الكراهية والحقد والهامشية والانتقام والتشبيح... وجاءت "خدمة العلم" لتضيف الى مأساة الشباب مظلمة ولا اخطر، دون ان يتجرأ احد على طرح هذا الموضوع في المجلس النيابي، فالكل على كتفيه ملائكة الحساب والكل يخاف من مجرد ذكر اسم العسكر!! ان ذلك كله جعل من السهل على الطبقة المتحكمة ادامة مفاعيل الحرب الاهلية واستمرار التلويح بها.. ان النزوح المتواصل من الريف والهجرة الكثيفة الى المدينة واستعادة احزمة البؤس والاكتظاظ السكاني الرهيب المفتقر الى ادنى مقومات الحياة الكريمة خصوصا في المخيمات والضواحي والخوف من سخرة التجنيد، قد اعاد انتاج الهامشية والقهر والشعور بالغربة والاغتراب الى حدود اليأس الكافر او التشدد الاصولي النابذ (هل نسينا "طٌفّار" الضنية الذين القت بهم مجازر التعذيب الهمجية في احضان المجهول) او الانحراف الاجتماعي والسلوكي الخطير (وهي كلها ظواهر تفاقمت دون ان تلقى اي اهتمام ولو دراسي)... وقد اشارت الدراسات الى خطأ التوهم بان الهجرة ظاهرة مسيحية اذ هي اسلامية وشيعية بامتياز.. ولولا 11 ايلول والاحترازات الامنية الكبيرة ضد الهجرة العربية والاسلامية لكانت الهجرة اللبنانية الاسلامية هي الاولى حجما ونوعا. كما ان مفاعيل 11 ايلول قد ضربت المهاجرين اللبنانيين المسلمين في الصميم فاصابت علاقاتهم الاجتماعية في بلاد الاغتراب (اغلاق اّلاف الجمعيات والمنتديات وحجز اموالها وملاحقة حتى المتبرعين لها) كما اصاب روابطهم بالاهل والوطن وفاقم من صعوبات ارسال الاموال الى عائلاتهم ما انعكس ازمة اكبر.. وما مأساة طائرة كوتونو سوى المثال الساطع!!.
وعلى مستوى اخر فان تغييب دور الجامعة اللبنانية الفكري والثقافي والاجتماعي، الى جانب غياب مراكز الانتاج الفكري والمراكمة المعرفية الاخرى، وانشاء الدكاكين المسماة جامعات برخص تقاسمها كبار المسوؤلين (ولا فخر !!)، وانتشار مراكز الابحاث التابعة لدول، وهيئات تخضع لتمويل اجنبي مشروط، قد ضرب المجتمع الاسلامي ونخبه في الصميم واعاده الى الوراء، على مستوى انتاج المعرفة وتداولها وعلى مستوى تعميم الثقافة وتنشيط المبادرات وعلى مستوى ربط الجماعة بمرجعيات فكرية-سياسية، مما اسهم في انهيار ثقافي خطير فاقم منه غياب القيادة الدينية عن التوجيه والنقد والاصلاح وغياب دورها المرجعي الوطني الجامع ... هذا في حين شكلت القيادة الدينية المسيحية (البطريرك صفير، وهزيم) والجامعات الكبرى (اليسوعية والبلمند والكسليك والحكمة واللويزة) والرهبنات، المظلة والاطار لاعادة انتاج وعي الذات ووعي الاخر وللنهوض بالفكر والممارسة وبالثقافة والتعبئة وبالتنظيم والرعاية الاجتماعية الى مستويات لم تصلها في تاريخ لبنان المعاصر...
اما اللامركزية الادارية التي هي تفعيل لمشاركة الناس وتسهيل لتعاطيها مع الادارة وابطال البيروقراطية فهي ما زالت شعارا انتخابيا فضفاضا لا يُطَبّق (بل يطبق عكسه)،ولا نسمع بها الا في مناسبة الحديث عن تقسيمات الدوائر الانتخابية بحيث تلتبس في اذهان الناس هذه بتلك.. وفي حين انه لم تجرِ الى اليوم اعادة النظر في التقسيم الاداري ولم يتم تشكيل هيئات ومجالس اقضية ومحافظات ولم توسع صلاحيات المحافظين والقائم مقامين ولا اعطيت استقلالية للبلديات، فان وزارة الداخلية صارت اخطر واكبر الوزارات (هل نسينا الصراع عليها بين السادة المر – فرنجية؟). والمجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي كان مفترضا انه مجلس تنمية يؤمّن مشاركة القطاعات الاقتصادية-الاجتماعية ويعكس مصالحها ويعّبر عنها محررة من القيد الطائفي، كما ويشارك في صياغة السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، هذا المجلس الذي تشكل بعد سنوات طويلة على الطائف لم يتم فقط تهميشه انما هو تحول الى مركز صراع ومحاصصة طوائفية حتى انه صار اصلا لا يعمل ولا احد يدري ان كان ما زال على قيد الحياة.... وفي حين انه من المفترض اننا نعمل على تطوير نظامنا الديمقراطي البرلماني الذي كان مفخرتنا ودرة العرب يوما، فاننا لم نتقدم ولو خطوة في تحقيق الفصل الحقيقي والتوازن الفعلي بين السلطات وخصوصا في استقلالية وكفاءة ونزاهة السلطة القضائية (التي صارت مضرب المثل في الفساد والتبعية والتسيس والكيدية حسب تصريحات المسؤولين) وفي اخضاع المسوؤلين للمحاسبة وفي الرقابة والمراجعة... دون ان نذكر الدور الاساس والخطير للاجهزة الامنية السرية، لبنانية وسورية، في انتهاك القوانين ومصادرة الحريات وارتكاب المحرمات... (وطبعا دون ان يرف جفن البرلمان!!)..
اما الانتخابات وهي الوسيلة الديمقراطية الوحيدة المتاحة للتغيير وتداول السلطة فانها خضعت لمزاج ومصالح الطبقة الحاكمة ولسياسات النبذ والاقصاء مما همش طوائفا وفئات وصادر حقوقا وحريات.. وتم تفصيل قوانين انتخابية وصفها الرئيس بري نفسه وصفا لذيذا معبرا: "قصقص ورق ساويهم ناس".. وبذلك فان السلطات الدستورية المنبثقة عن تلك الانتخابات لم تكن ممثلة فعليا لفئات الشعب اللبناني.. ولكن وللاسف كل ذلك لم يؤد الى اية وقفة او صحوة ضمير او مراجعة قانونية او دستورية او ميثاقية من جانب الاسلام السياسي بكل اطرافه... اما تحويل مجلس الوزراء الى مؤسسة، فدونه خرط القتاد.. واضافة الى ذلك فان نواب الامة الاكارم لم يكلفوا نفسهم عناء درس اي بند من البنود المتعلقة بانشاء مجلس للشيوخ او بسبل الغاء الطائفية السياسية... لا بل ان هذا الموضوع الحساس والخطير ظل يستعمل كفزاعة كلما صدر صوت مسيحي يشكو او يطلب انصافا، تماما كما تستعمل مساْلة الاكثرية العددية ومساْلة لبنان دائرة انتخابية واحدة فزاعات راهنة دون ادنى اعتبار للمبداْ الاساس الوارد في مقدمة الدستور والقائل بانه لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك ودون اي احترام لعقول الناس ولامالها وتطلعاتها.. وفي حين ان اتفاق الطائف قد انعقد وفي البال وعلى جدول الاعمال ضرورات العدالة الاجتماعية والانماء المتوازن والتنمية الحقيقية وتفعيل دور الدولة في حماية الاقتصاد والانتاج وعدالة التوزيع وفي السهر على رفاهية وامان واستقرار وازدهار البلاد والعباد، فان كل الصراعات والمماحكات الحاصلة منذ الطائف تدور في اطار استمرار معادلة البقرة الحلوب وفي اجواء الفضائح والفساد المستشري وبمعزل عن اي احساس ولو انساني بالظروف المعيشية الصعبة والمتفاقمة للغالبية العظمى من اللبنانيين.. وما الصراع حول الخصخصة (اي حول الحصحصة) وحول شركة الكهرباء وحول الضمان الاجتماعي، وقبل ذلك حول استثمار الهاتف الخليوي، وحول بنك المدينة وكازينو لبنان ومؤخرا البنغو وصالات القمار، سوى المثال الحي على الليبرالية المتوحشة..... كل ذلك جرى ويجري تحت غطاء شعارات ما فوق قومية وما فوق ثورية وما فوق اسلامية واممية حّولت المسلمين على اختلاف طوائفهم ومعهم الجمهور الاكبر من اللبنانيين الى متفرجين عاجزين مهمشين قلقين تطحنهم هموم الحياة اليومية وتاْمين قوت العيال والسير الحيط الحيط والقول يا رب الستر... وشهدنا بذهول صعود طبقة طفيلية جشعة، بليدة الاحساس عديمة الاخلاق،عابرة للطوائف والمناطق والحدود، متسلطة مستبدة،فاسدة مفسدة من النخاع الى اخمص القدمين، استقوت علينا بالمعادلات السلطوية اثر التوافق الاميركي-السوري على تلزيم لبنان لسوريا 1991-2001 (ام اننا نسينا ؟؟) فاغتنت وازدادت ثروة وجاها هي والاهل والاقارب والاصحاب ما بين بيروت والشام... اختفى قانون الاثراء غير المشروع، ومن اين لك هذا، وتبييض الاموال، وعصابات المخدرات، ونسينا صفقات التلزيمات بالمليارات، وبنك المدينة، ومافيات البنزين والمازوت، وفضيحة لائحة المسؤولين (القوميين والعروبيين والثوريين جدا) الذين لم يدفعوا المليارات لشركة الكهرباء، وتجار وزارة العمل التي لا تصلح للصدفة الا لحزب البعث او الحزب القومي، ووزارة الصحة التي لا تليق بغير الوزير فرنجية، تماما كما ان وزارات معينة تتداولها (أليس هذا هو الاصل اللغوي لكلمة دولة؟) شخصيات-ثوابت... حتى ان واحدا كان من مهندسي العلاقات مع اسرائيل (ان لم يكن هو" المهندس") صار الناطق الوحيد باسم العروبة... واخر شريكا له في ايام العنصرية الفاشية ضد الشعب الفلسطيني صار هو الممثل الرسمي لحق العودة.. وآخر من التروتسكيين-الشغيلة في المخابرات- صار تارة يحكي باسم الرئيس (من اصول الوديعة) الحريري وطورا باسم الرئيس لحود، وغالبا باسم الاسلام السني المجاهد (مع الشيخ الصابونجي في خلية حمد)، واحيانا باسم حركة امل (لضرورات التموضع الانتخابي)، ودائما باسم المقاومة التي ولدت في المطبخ عنده، ومؤخرا باسم "مراجع الشيعة"... فتأمل واعتبر ايها المسلم الحزينّّ!! والمضحك المبكي ان بعض حديثي النعمة في المال والجاه السياسي يرفع في وجهك دائما فزاعة القول بأنّك تحن الى المارونية السياسية وزمانها او الى الاقطاع السياسي البائد... ورغم اني ادرك بان الكثيرين من اللبنانيين المساكين قد يحنون الى هذا الماضي البائس نظرا للبؤس الادهى والامر الذي صاروا فيه، الا انني اشدد على ان طرح الامر بهذه الصورة فيه استحمار للبنانيين وفيه ضرب لكل مكتسبات النضال ودماء الشهداء... فمن المعيب ان نُخَيّر بعد 30 سنة على انهيار السلطة الفئوية بين الماضي او الموت، بين القبر او الصمت، ومن المعيب ان ندفن احلام الفقراء والشهداء والاجيال الشابة بهذا الشكل!!! وباختصار فقد اصيب المجتمع اللبناني بوباء خطير من الاثرياء الجدد تجار الحرب والموت والسياسة والمال الذين انعم الشقيق عليهم وجعلهم حراسا للهيكل...
لقد حدث ضمور شديد للسياسة، وللدين اصلا، حين اختزل المجتمع والدولة والطائف والاصلاح والتغيير بطبقة حاكمة ترتكز على سطوة المال والامن والاعلام وعلى معادلات الغلبة الداخلية والاستقواء بسوريا وبالصفقة السورية-الاميركية، وعلى تسعير العصبيات الجاهلية وتوتير الاحقاد الدفينة والذكريات المؤلمة لحروب اهلية انهكت وحطمت الجسم والاعضاء..واختزل الدين بنوع من السياسة غلبت فيه مظاهر الطقوس والشعارات الفارغة وديماغوجيا التحشيد المبتذل على حساب الدين بما هو عقل وروح، وعي والتزام، اخلاق ومعاشرة، حوار وانفتاح، تواضع واستغفار.........................................
اما في اوساط الاسلاميين فقد سادت الحماسة الخالية من التقوى، والسياسة المفتقرة الى الورع، والفقه المسمى فقه الحيلة والتقية، وذلك في زمن جاء فيه الامام الخميني ليحرر الشيعة والمسلمين من عنعنات الجاهلية وعصبية القومية الشوفينية... والاخطر من ذلك كله انه جرى ضرب كل الحيوية الفكرية والسياسية التي تميّز بها الشيعة على وجه الخصوص: فلا مراجعة ولا شفافية، ولا تفكر او تدبّر، ولا تنظيم او ممارسة، ولا رقابة او محاسبة،..ولا مبادرة ولو خجولة للتفكير والنقاش او الحوار حول حال الجماعة المسلمة في لبنان وحول الماضي ودروسه وحول الحاضر واوجاعه... لا بل حتى ولا سؤال فيه جراْة او فيه قلق.. وكنا دائما نردد قول المتنبي: على قلق كاْن الريح تحتي.... وما هو التَشَيُّع ان لم يكن قلق السؤال والظمأ الى العدل وطلب الحق ولو كان دونه الموت؟ ام اننا نسينا عليا والحسين؟؟.. وغابت المؤسسات المفترض انها تؤطر التجارب والخبرات وتراكم المعرفة والممارسة وتسمح بتقويم المواقف واقتراح امور وتصحيح سياسات ورسم مسارات وطرح خيارات. نعم لم يعد للمسلمين اي خيار: اما سلطة النهب والقمع والارهاب المتضامنة في وحدة مسار ومصير، واما حراب الاحتلال والتبعية والتغريب والامركة والصهينة!! وكل من يخرج عن هذين الحدين يرجم بالتخوين والتكفير ويعتبر مفارقا للجماعة على اعتبار الحديث النبوي: انصر اخاك ظالما كان ام مظلوما !! وننسى دوما ان الرسول اكمل موضحا بان النصرة في حال الظلم تكون بردعه عن ظلمه لا بالسير معه في هذا الظلم.... ننسى طبعا كل ذلك حين نعود الى عصبياتنا الجاهلية مرددين: انا واخي على ابن عمي، وانا وابن عمي على الغريب... وبما انه لا غريب سوى الشيطان، فان كل نقد او سؤال او مراجعة هو من وسوسة الشيطان كما يحاول بعضنا اليوم ان يقول تأكيدا لمقولة ان السياسة اصلا هي مشتقة من وسوسة؟؟ فهل هذا هو الاسلام الذي ندعو الناس اليه؟؟ هل هذا اسلام محمد وعلي وابو بكر وعمر والصحابة والائمة والاولياء والصالحين؟؟ وهل هذه هي تركة الامامين الصدر وشمس الدين، والشيخين حسن خالد وصبحي الصالح، والرؤساء رياض الصلح وصائب سلام ورفيق الحريري، والزعيمين شكيب ارسلان و كمال جنبلاط فينا نحن المسلمين؟؟ وهل هذا هو تراث الحركة الوطنية واليسار؟؟وهل هذا هو الوطن الذي نريده مختلفا وجديدا وديمقراطيا؟؟ لا بل لعل السؤال الانسب والاصح يبقى ذلك الذي طرحه بجرأة ليس لها من نظير امامنا الراحل محمد مهدي شمس الدين: "والسؤال هو:هل نريد لبنان ام لا نريده؟ هل نريد نظاما جمهوريا برلمانيا ديموقراطيا ام لا؟؟"...... وجوابنا هو نفس جواب امامنا الكبير : "نحن قلنا نعم للبنان، وقلنا نعم لنظام جمهوري برلماني ديموقراطي.." (جريدة الوطن الكويتية—في 15-2-1994).. ونحن قلناها مع المفتي الشهيد حسن خالد ومع كل الشهداء على درب حرية واستقلال وعروبة لبنان.
