«الجريمة الزلزال».. الجميل يروي تفاصيل اغتيال دولة الأفندي رشيد كرامي أمين الجميّل راوياً مرحلة من تاريخ لبنان في «الرئاسة المقاوِمة» 3
لأسباب عديدة يمكن القول إنّ كتاب مذكّرات الرئيس الأسبق أمين الجميّل «الرئاسة المقاومة»، الصادر حديثاً، هو أكثر من تسجيل وقائع وأحداث وأَرشفة وثائق ولقاءات، هو، فوق ذلك، شريطٌ يُسجلُ فصولَ مرحلةٍ من أخطر وأدق وأصعب المراحل من تاريخ لبنان الحديث، يرويها الرئيس الأسبق للجمهورية من خلال معايشته ومعاصرته للأحداث «من الداخل»، فخلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، إبان فترة الجميّل الرئاسية (21 أيلول 1982 – 22 أيلول 1988)، شهد لبنان أوسع النزاعات الإقليمية والدولية «قوى كبرى وصغرى، أنظمة متجاورة، راحت تتقاتل بكل الوسائل والأدوات السياسية والأمنية والعسكرية، مباشرة تارة ومن خلال أطراف لبنانيين، تزعزعَ إيمانهم وانتماءهم بوطنهم طوراً».
هذه الأحداث، وتفاصيل أخرى صنعت تاريخاً يستحق الاستعادة للإضاءة عليه، والإفادة منه، يُسجّلها الرئيس الجميّل، شاهداً على عصر ومرحلة.
خلال الثمانينيات أيضاً ارتبط المشهد اللبناني، بصراعات واجتياحات ونزاعات وحسابات معقّدة فرضت جميعها مسؤوليات على الرئيس. يقول الجميّل: «في الحقبة التي عَهدَ إليّ اللبنانيون في مصير الوطن، بذلتُ قصارى جهدي، بالإمكانات المتوافرة لديّ آنذاك، لإنقاذ الأساس، وهو الحفاظ على الكيان والدور. أبى لبنان الاستسلام للمحنة التي فرضها عليه التاريخ والجغرافيا، وكان بقاؤه جوهر النضال، في زمن كانت المفاوضات الجارية في الشرق الأوسط فرصة لإنقاذه. ذلك هو مبرّر كفاحي والنضال الصعب الذي خضته».
«وجود معارضة ضد المعارضة من قلب الحكومة الواحدة سابقة لم تخبرها حياتنا السياسية ولا تقاليدنا وأعرافنا ونُظُمنا الدستورية»
وكان لتلك الأحداث أن تذهب بكل شيء، وهي فعلاً غيّبت رموزاً وقادة ومؤسسات. «لقد صمدتُ، وصمدت رئاسة الجمهورية والمؤسسات الدستورية والنظام اللبناني في أصعب مرحلة من تاريخ لبنان الذي كان على المحك، كياناً ووجوداً، ورغم التهديدات والمعوقات والأثمان الباهظة، قاومتُ وتحملتُ وواجهت، وأنا فخور بما قمت به لخدمة الوطن، وبأنني لم أفرّط بسيادته وارضه وكيانه» يقول الجميّل، معتبراً أنّ «الصيغة اللبنانية هي نتاج نوع من العبقرية، ليس في إدارة توافق مستحيل، بل في ابتكار آليات متعدّدة من التسويات تُتيح للبنانيين تدارك التصادم أو تفادي المأزق، وتحفظ لكل مكوّن لبنانيّ خصوصياته على قاعدة الاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل».
المذكّرات التي توزّعت على خمسة أقسام (المسار الصعب 1970 – 1982، إسرائيل: السيادة المهدّدة 1982 – 1984، سوريا: محنة الاستقلال 1984 – 1988، الرئاسة المكلفة: 1988، عبور الصحراء: 1988 – 2000)، استوعبت بحسب الرئيس الجميّل «شريط تاريخ طويل من النضال في سبيل لبنان، الذي التصق بإسم عائلتنا وبضميري ووجداني»، فهو إبن أحد رموز الاستقلال ومؤسِّس حزب الكتائب بيار الجميّل، وهو شقيق الرئيس الشهيد بشير الجميّل، ووالد النائب والوزير الشهيد بيار الجميّل، ووالد رئيس الكتائب الحالي، النائب سامي الجميّل.. «عائلة التضحية وحزب المقاومة اللبنانية المجردة».
هل يمكن للمسؤول أنْ يؤرّخ ذاته؟ يُجيب الجميّل «حسبي أنْ أُدرج بين صفحات التاريخ ما يمنحه الروح والجسد، عنيتُ الذكريات، الآمال والآلام، الطاقة والمشاعر التي ترافق جهد الإنسان». وبكثير من التجرد والثقة والتصالح مع الذات يقول الجميّل «عندما أتكلّم على تجربتي الرئاسية وما قبلها، فليس ذلك على الإطلاق من أجل جردة حساب لتبرير موقف، وليس دفاعاً عن عهد تعرّض للكثير من التجنّي والتلاعب بالحقائق والوقائع والدروس، فالتاريخ هو الذي يحاسب، وليس تنكيلاً بالخصوم لنكء الجراح وتصفية الحساب على الإطلاق.. لقد طويت صفحة الماضي، وأجريتُ مراجعة وجدانية، وتجاوزت الماضي، وسامحتُ باقتناع وصدق. هذا الكتاب، أوّلاً وأخيراً، وعن حق، شهادة صمود ومقاومة للتاريخ أولاً، وللحاضر ثانياً، كما للمستقبل.. بالمصالحة مع النفس ومع الآخرين فقط نحقّق راحة البال والضمير، ونبّني مستقبل الوطن وسلامه».
أي استذكار أو استعادة لموقف أو خلاصة أو تقدير من مذكّرات الرئيس الجميّل «الرئاسة المقاوِمة» (منشورات بيت المستقبل، 2020)، هو أوّلاً، تحية له، وتقديراً لدوره الوطني والسياسي خلال توليه الرئاسة وبعدها، وصولاً إلى زمن الانتفاضة لإنجاز الاستقلال، وهو ثانياً، درس لشباب لبنان عن ضرورة بناء الدولة الحديثة، والوصول بهذا البلد إلى أزمنة تليق بدوره ورسالته وعيشه الواحد، وبما يليق بأبنائه، كل أبنائه، ويدفعهم لقراءة التاريخ ليُحسنوا إدارة الحاضر وصناعة المستقبل.
الاتفاق الثلاثي
في استعادته لـ«الاتفاق الثلاثي»، الذي تمَّ توقيعه في دمشق تاريخ 28 كانون الأول 1985، بين رئيس حركة «أمل» الرئيس نبيه بري، ورئيس «الحزب التقدّمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وإيلي حبيقة، الذي كان في ذلك الوقت قائد «القوّات اللبنانية»، يستذكر الجميّل قمة جمعته بالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد تخلّلتها عدّة جلسات، وفي الثالثة منها قال الجميّل للرئيس السوري: «أنا غير موافق. هذا المشروع هو تعطيل للدولة، وهذا اقتناعي. بصفتي معنيّاً، ولا أستطيع الموافقة من دون العودة إلى المؤسسات الدستورية الشرعية». ليرد الأسد:: «هل هناك مؤسسات؟ نحن نطلب من فخامة الرئيس. في لبنان لا وجود للمؤسسات. لا درك للدولة ولا جيش، بل جيوش عدّة. نحن لا نفرض شيئاً، ولا نطلب. الجماعة اتفقوا ويعتبرون مَن حضر معهم التوقيع هم لبنان والدولة. لماذا لا نسلّم بهذا الواقع؟ فيهم نحو 80 أو 90 في المائة من المقاتلين، وحضرت شخصيات مرموقة أدت دوراً أساسياً. بحسب معلوماتي، التيّار في لبنان تيّار السلم ما عدا البعض في حزب الكتائب والقوات اللبنانية التابعة لحزب الكتائب وبعض رجال الدين عند المسيحيين والمسلمين. شيخ أمين، قد لا تتكرّر الفرصة الحالية، وكلما زاد الدم زاد الشرخ».
رددتُ – يقول الجميّل: «لستُ متمسّكاً بأي أمر. يمكن أنْ يأتي هؤلاء في أي وقت ويتسلّموا الحكم، فلا مانع لديَّ. إذا بحثنا في ملاحظاتي التي أوردتُها البارحة ورأيتم أنها قابلة للتنفيذ، نكون قد خفّفنا قليلاً من النتائج السلبية للاتفاق (..) أنا مؤتمن على مهمتي، ولا أتحمّل مسؤولية ما لا أوافق عليه».
الجريمة الزلزال
وعن الجريمة التي هزّت لبنان، يختصر الجميّل هول الجريمة – الزلزال أنّه في «التاسعة والنصف من صباح الأول من حزيران 1987، دخل عليَّ مرافقي في مكتبي حاملا نبأ هالني: «قتلوا رشيد كرامي»، ويستطرد: «ككل إثنين، يعود رئيس الحكومة صباحا إلى بيروت بعد أن يكون أمضى عطلة نهاية الأسبوع في مزرعته في (بلدة) مرياطة شمال لبنان، قرب مدينة طرابلس التي ناب عنها لعقود، إلا أنّ ذلك الإثنين لم يكن كغيره. في الواقع، كان كرامي في هذا النهار على موعد مع الرئيس كميل شمعون ورئيس المجلس النيابي حسين الحسيني لاستكمال البحث في تسوية سياسية، كنّا باشرنا صوغها قبل أسبوع. اقترحتها على الزعماء الثلاثة ووافقوني، وكانوا عقدوا اجتماعات تشاورية في إحدى قاعات میدان سباق الخيل في بيروت على «الخط الأخضر»، شارك فيها بنوع خاص رئيس المجلس وعدد من الوزراء والنواب ومثّلني فيها الوزير جوزف الهاشم. اعتبر الحسيني مشروع التسوية هذا «اتفاقا تاريخيا آملا أن ينهي الأزمة اللبنانية»، ويضيف الشيخ أمين: «إن الخسارة أليمة لأنني كَنَنتُ محبّة صادقة لدولة الأفندي».
قبل الجريمة بنحو شهر كان الرئيس كرامي تقدّم باستقالة حكومته، بطريقة مُبتكرة لكنّها تحمل في شكلها مضامين ورسائل عدّة، يقول الجميّل: «ليس خافيا أنّ استقالته في 4 أيار فاجأتني في الشكل والمضمون: تقدّمه بها إلى «الشعب اللبناني» كما فعل، خلافاً للأصول المتبعة بتسليمها إلى رئيس الجمهورية خطياً، وتوقيت تقديمها من دون التنسيق معي واطلاعي على قراره بغية تفادي تداعياته. لم تنجم الاستقالة عن خلاف بيننا، وليست سهماً مصوّباً إليَّ، بل رد فعل على حملات أبرز معارضيه من داخل الحكومة، حليفيه وليد جنبلاط ونبيه بري اللذين لم يتحمسا لـ»المراسيم الجوّالة»، وكان جنبلاط خطب قبل أربعة أيام، في الأول من أيار، في احتفال عيد العمال في قصر الأونيسكو، مهاجماً بقسوة رئيس الحكومة. فإذا قرار كرامي الاستقالة يضاعف التعطيل إذ لم يعد في وسعه تحمّل أكثر ممّا تحمّل، فوضع الجميع - بمَنْ فيهم رئيس الجمهورية - أمام هذا الاستحقاق. مع أنّه، كرئيس للحكومة يمثّل المعارضة، بيد أنّ المفارقة أنّ جنبلاط وبري كانا يقودان معارضة ضد المعارضة من قلب الحكومة الواحدة، في سابقة لم تخبرها حياتنا السياسية، ولا تقاليدنا وأعرافنا ونُظمنا الدستورية».
في ما يعكس ذهنية «الأفندي»، على طريقة رجال الدولة الكبار، في تحمّل المسؤوليات وصون قيم الدولة، يكشف الجميّل «لم يضع رشيد كرامي استقالته موضع التنفيذ، إذ ثابر معي على تبادل توقيع «المراسيم الجوالة»، ولم ينقطع التواصل بيننا في الأيام الستة والعشرين التي فصلت بين استقالته واستشهاده. أوفدتُ إليه أصدقاء مشتركين كرينيه معوض وسليم الخوري للاستفسار منه عن مبرّراتها وتوقيتها في خضم أزماتنا. على أنني، بإطلاعي على دوافعها، أدرك أنها رسالة احتجاج على ممارسات حلفائه في الدرجة الأولى»، وعلى كل حال يستطرد الجميّل: «فور تبلّغي اغتياله، قدّرت عواقب أزمة سياسية خطيرة هي أزمة نظام سأواجهها بمفردي، بصفتي رئيساً للدولة، ناهيك بتداعياتها على الجيش اللبناني، المسؤول عن أمن الطيران وتالياً عن أمن رئيس حكومة لبنان. يتعين من الآن فصاعدا توقع حملات على المؤسسة العسكرية وتعريضها للتشهير والاتهام بالتقصير، إن لم يكن التواطؤ. كانت خطوتي الأولى التوجه على عجل إلى القاعدة الجوية في حالات. تفقدت الطوّافة المنفجرة، وكانت جثة رئيس الحكومة لا تزال على المقعد، ورأسه منحنٍ إلى الأمام، على الأثر اتصلتُ بالزعماء السُنّة المقرّبين من الفقيد الكبير، وكذلك أفراد عائلته لتعزيتهم. سارعتُ إلى عقد اجتماع بالمجلس العسكري، وطلبتُ منه تأليف لجنة تحقيق عسكرية لتقصّي الجريمة. طلبت أيضا من قائد الجيش، ومن أعلى السلطات القضائية، بذل قصارى جهدهم لجلاء ظروفها في أقرب وقت. مثل هذا الاعتداء لا يمكن أن يرتكبه سوی محترفون مطلعون تماماً على تفاصيل رحلة الطوافة، وعالمون بالمقعد المخصّص لرئيس الحكومة الذي وُضِعَتْ تحته الشحنة القاتلة. عينّ المجلس العسكري، في يوم الاغتيال، لجنة تحقيق من عشرة ضباط من الجيش، مناصفة بين مسيحيين ومسلمين برئاسة العميد سامي الشيخة، في الغداة، 2 حزيران، أُحيلت القضية على المجلس العدلي، وهو أعلى محكمة لبنانية تكت على الجرائم التي تمس أمن الدولة..».
قصة اليوم الأخير
قبل ساعات من انتهاء ولاية الجميّل الرئاسية، وبعدما تأكد تعذّر انتخاب رئيس جديد بعدما انسدت كل السبل للاتفاق على مرشّح، عزم الرئيس الجميّل أمره».. تجاوزتُ كل مآخذي على ميشال عون أياً تكون مسوّغاتها لأن مصلحة البلد كانت تفرض ذلك. بعض معاونيَّ، عندما ناقشنا هذا الخيار، اقترحوا عليّ تطعيم حكومة المجلس العسكري بوزراء مدنيين، كوزير الخارجية يكون قريباً منّي، ويُبقي قنوات التواصل مع الخارج، لكنّني فضّلتُ عدم إحداث أي ثغرة في الحكومة الجديدة. مهمتها مقيَّدة بواجب واحد يُمليه الدستور، هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية فقط. لا مسؤوليات أخرى تنتظرها، أو أمامها، لأنّها مؤقتة انتقالية لوظيفة ملحّة مستعجلة لا أولوية تتقدّمها، تنتقل إليها صلاحيات رئيس الجمهورية كاملة بموجب المادة 62 من الدستور. تتولّى الحكم بإسم تلك الصلاحيات، وكالة بأعضائها جميعهم، أشبه بقيادة جماعية»، وفي تبرير دال يقول الجميّل: «بذلك أكون عيّنتُ حكومة المجلس العسكري ولا حكومة ميشال عون».
يومها وبعد أنْ وضع الجميّل البطريرك الماروني الراحل نصر الله بطرس صفير في أجواء القرار، «كان لا بُدّ أيضاً من إبلاغ سمير جعجع بهذه الصيغة. حضر إلى القصر الجمهوري، ولمّا رأى نفسه مُستبعداً من التركيبة أظهر خيبة أمل كبيرة، وطلب استمهاله لحظات للتفكير في الموضوع. بعد محادثة مقتضبة على انفراد مع العماد عون، الذي كان موجوداً في القصر، عاد يُبلغني موافقته. ثم غادر مكتبي بسرعة ليُعلن أمام الصحافة تأييده الحكومة العتيدة ورئيسها، ويصفها بأنها «حكومة الاستقلال». ويضيف الجميّل: «علمتُ في ما بعد أن جعجع حصل من عون، أثناء هذا اللقاء القصير في مقابل تأييده المشروط، على وعد بإطلاق يد «القوّات اللبنانية» في المناطق المسيحية التي لا وجود للجيش السوري فيها، وعدم تدخّل الجيش في النزاعات الحزبية الداخلية».
عن اللحظات الأخيرة في قصر بعبدا يستذكر الجميّل «دقائق قبل انتصاف ليل 22 أيلول 1988، لحظة انتهاء ولايتي، وقّعتُ بمرارة كبيرة إنّما مرتاح الضمير آخر مرسوم رئاسي لي برقم 5387، ينصّ على تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة العماد عون. في الحال، أعربت معظم الحكومات العربية والأجنبية عن دعمها. اتصل فرنسوا ميتران هاتفياً بجورج بوش، المنتخَب حديثاً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، فصرّح الأخير قائلاً: «أعترف بحكومة لبنان، وسأطلب من الروس أن يفعلوا الشيء ذاته». تلك الليلة، بدت طاولة مكتبي فارغة. هي التي ظلّت على الدوام مثقلة بالملفات. شعرتُ بأنني منهك من التعب والمِحَن، لكن فخور بأداء واجبي حتى النهاية».
