لبنان ينتظر معجزة للنجاة من نفق الفراغ الدستوري
بدا لبنان أمس وكأنه بانتظار معجزة تقنع الفرقاء السياسيين بالاتفاق على مرشح رئاسي لطرحه على مجلس النواب في الجلسة المقررة اليوم والنجاة من نفق الفراغ الدستوري ، حيث عادت خلال الساعات الماضية سحب التشاؤم لتسيطر على المشهد اللبناني، وذلك بعدما رفضت الأكثرية النيابية مبادرة «إنقاذية» طرحها رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون لتسهيل انتخاب الرئيس اللبناني، واعتبرها «حلاً مشرفاً» ينهي أزمة شرعية الحكومة اللبنانية التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عام.
واعتبرت قوى 14 آذار المبادرة تنتهك اتفاق الطائف وتسخر من منصب رئاسة الجمهورية ووصفتها بأنها «انقلاب» على الدستور، داعية إلى حضور جلسة مجلس النواب المقررة اليوم. وفي وقت لاحق أعلنت مصادر سياسية لبنانية أن حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر قرروا بالاجماع عدم حضور الجلسة لعدم توفير النصاب، والتواجد فقط في مبنى مجلس النواب. ومن المرجح في هذه الحال أن يعلن رئيس المجلس نبيه بري ارجاء الجلسة إلى أواخر هذا الشهر.
وواجهت الوساطات والجهود الدبلوماسية المحمومة مأزقاً مستحكماً رغم لقاءات مكثفة عقدها وزراء خارجية فرنسا واسبانيا وايطاليا وألقى بثقله وراءها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء التركي رجب أردوغان.
وقدم عون «مبادرته الذاتية» خلال مؤتمر صحافي معلناً في نصها عن أن «كتل المعارضة والأكثرية تقدمت بمبادرة إنقاذية بأن يقوم النائب ميشال عون بتسمية مرشح لرئاسة الجمهورية من خارج (التيار الوطني الحر)، على أن يلتزم الرئيس الجديد بوثيقة التفاهم بين عون و حزب الله وينتخب من النواب بغالبية الثلثين وتنتهي فترة ولايته بعد انتهاء فترة ولاية مجلس النواب أي العام 2009 على أن يسمى حينها رئيس جديد بغالبية الثلثين أيضاً».
وأضاف «يسمى سعد الحريري رئيسا توافقيا للحكومة من خارج تياره ويؤلف حكومة وحدة وطنية، 55% للأكثرية و45 % معارضة، ولكل منهما حقيبتان سياديتان». وأوضح عون أن «رئيس الحكومة الجديدة سيلتزم بالقرارات الدولية بشأن المحكمة الدولية لمحاسبة المتهمين بقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري».
وبشأن برنامج الحكومة الجديدة، قال «يجب أن يلتزم بوضع قانون انتخابي جديد تكون الدائرة الانتخابية فيه على أساس القضاء، والعمل على إجراء انتخابات عامة في موعدها المقرر، وإيجاد حل نهائي لملف المهجرين، وإعادة النظر في نظام المجلس الدستوري وتعيين أعضائه بالتوافق والإسراع في بت الطعون النيابية، والتعيين مناصفة بين المسلمين والمسيحيين في جميع المناصب الإدارية ما عدا قائد الجيش والذي يسمى من قبل رئيس الجمهورية في حال فرغ المنصب لسبب ما».
ونفى عون خلال رده على أسئلة الصحافة أن تكون مبادرته مقبولة بشكل نهائي من الأكثرية الحاكمة، إلا أنه حملها في حال الرفض مسؤولية أي تبعات أو مزيد من التدهور في الوضع السياسي اللبناني.
وذكرت أوساط لبنانية أن الاسم الذي لم يطرحه عون لتولي منصب رئيس الجمهورية هو السياسي بيار دكاش الذي يحظى بتأييد التيار «الوطني الحر» و«القوات التنفيذية» التي يتزعمها.
وفور إعلان مبادرة عون والتي نقلت إلى الوزير الفرنسي برنار كوشنير، عقد قادة الأكثرية اجتماعاً فوريا للرد على المبادرة، ومحاولة تجنيب انزلاق لبنان إلى الفراغ الدستوري مع بقاء ساعات قليلة على انتهاء فترة ولاية لحود ووسط تأكيدات سابقة بعدم انعقاد جلسة الجمعة. ولاحقاً، أعرب كوشنير وموراتينوس في مؤتمر صحافي مشترك عن أملهما في إنهاء أزمة انتخابات رئيس الجمهورية قبل يوم السبت، رافضين بشكل مباشر التعليق على مبادرة عون.
وفي ختام اجتماع لقوى الأكثرية الحاكمة (14 آذار)، أعلنت في بيان صحافي رفض مبادرة عون من دون ان تسميها مباشرة وأكدت الأكثرية في بيانها على تمسكها المطلق بالدستور وعدم السماح للانقلاب عليه أو أن تستدرج لأي عمل للمساس به، داعية جميع النواب لحضور جلسة اليوم لانتخاب رئيس الجمهورية عملا بالواجب الدستوري، مؤكدة أن الذهاب إلى استحقاق الرئاسة بموقف واحد يقطع حملات التهويل بالفراغ ويؤسس لحوار يتيح طرح القضايا الخلافية وإزالة الهيمنة الخارجية.
وأكدت على أن «المجلس النيابي هو سيد نفسه وهو من يمنح الثقة لرئيس الحكومة وليس سواه، وفي اشارة إلى مبادرة عون أكدت على أن الأكثرية ترفض الاستدراج أو التعاطي مع أي طروحات ترتدي طابعا تحريضياً على التوافق أو على اتفاق الطائف أو الدستور اللبناني. واعتبرت أن اختزال مدة الرئاسة انقلاب على الدستور، مؤكدة على أن حضور جلسة الجمعة واجب وطني لتأكيد سيادة الدولة.
وحذرت سائر اللبنانيين من منع انتخاب رئيس للجمهورية «لأن ذلك يمس وحدة الوطن ونظامها الديمقراطي»، وتحذر من أي اجراء على غرار ما يلوح به البعض في اشارة إلى الرئيس لحود من شأنه أن يمس الدستور.
وبعد يوم واحد من طغيان لهجة التفاؤل قال مصدر طلب عدم الكشف عن اسمه لوكالة «رويترز» إن فرص أي اتفاق في الساعات المقبلة قليلة جدا ومن غير المرجح أن يكون هناك انتخاب الجمعة. وقالت النائب الوزيرة نايلة معوض لوكالة «فرانس برس» إنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فإن الانتخابات لن تحصل»، وهو ما أكده المسؤول الإعلامي في التيار الوطني الحر الذي يرأسه عون، الذي رأى أن الأمور تراوح مكانها، معربا عن اعتقاده بأن الجلسة لن تعقد.
كما أكدت النائبة عن الأكثرية الحاكمة صولانج الجميل على إرجاء جلسة مجلس النواب اللبناني التي كانت مقررة اليوم الجمعة إلى موعد لم يحدد بعد. وتوقعت أن «يصدر إعلان رسمي عن رئيس المجلس النيابي نبيه بري في هذا الإطار في وقت لاحق».
ولم يكن في إمكان مسؤول لبناني رسمي أن يحدد شكل «الإخراج الذي سيتم التأجيل» على أساسه، مشيرا إلى انه سيصعب على رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن يعلن رسميا تحديد موعد جديد لجلسة الانتخاب وسط استمرار غياب أي توافق، مضيفاً أن «آلية التوافق وصلت إلى طريق مسدود». في هذه اللحظات الحرجة، جدد الرئيس إميل لحود التأكيد على انه سيقوم «بواجباته» في حال عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية في اليوم الأخير من المهلة الدستورية لولايته الرئاسية، من دون أن يفصح عن الخطوات التي ينوي الإقدام عليها.
وقال لحود في بيان صادر عن المكتب الإعلامي للرئاسة إن «الحكومة الحالية غير شرعية وغير دستورية وغير ميثاقية»، محذرا من «أنها إذا اعتقدت أن بإمكانها الاستمرار من دون انتخاب رئيس للجمهورية، مستندة على الدعم الخارجي، فإنها ستجر الويلات على البلاد عاجلا أم آجلاً».
يشار إلى أن المادة 74 من الدستور اللبناني تنص في بند انتخاب رئيس الجمهورية على أنه «إذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو سبب آخر، فلأجل انتخاب الخلف، يجتمع المجلس (النيابي) فورا بحكم القانون». كما ينص الدستور اللبناني على تسلم الحكومة القائمة صلاحيات الرئاسة في حال عدم حصول انتخابات في انتظار انتخاب رئيس جديد، إلا أن لحود والمعارضة يعتبران الحكومة الحالية فاقدة للشرعية.
في هذا الوقت، واصل وزراء خارجية فرنسا واسبانيا وإيطاليا برنار كوشنير وميغيل موراتينوس وماسيمو داليما اتصالاتهم ولقاءاتهم مع الأفرقاء اللبنانيين من أجل إقناعهم بالتوافق .والتقوا بداية بري، ثم القطب المعارض ميشال عون.. في وقت كشف النقاب عن مهاتفة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، زعيم الأغلبية النيابية سعد الحريري، والرئيس السوري بشار الأسد، إلى جانب عون.
وكان جديد الوساطات أمس، دخول رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان على خط ألأزمة، بإجرائه عددا من الاتصالات مع الحريري وفؤاد السنيورة، وكذلك الرئيس الأسد. إلى ذلك، أشار نائب مشارك في الاتصالات الجارية في تصريحات إلى وكالة «فرانس برس» إلى أن لبنان «يتجه على الأرجح نحو مرحلة انتقالية قصيرة، في انتظار حصول الاجتماع الدولي حول الشرق الأوسط في أنابوليس». وقال إنه «بعد انتهاء مؤتمر أنابوليس، تستأنف الوساطات العربية والدولية المكثفة» في لبنان.
