رحلة الى الجحيم
جاء في المادة الثالثة من النظام الاساسي لمتصرفية جبل لبنان الذي اقر عام 1864 ما يلي : " ينبغي ان يقسم جبل لبنان الى سبعة اقضية ..... وفي كل هذه الاقضية السبعة ينبغي للمتصرف ان ينصب مأمور ادارة منتخباً من ابناء المذهب الغالبين هناك عداً في النفوس، او اهمية في الاملاك ، والارض الجارية على تصرفهم .."
النظام الاساسي للمتصرفية، كان نص أيضاً، على ان مجلس الادارة المؤلف من 12 عضواً يمثلون الاقضية المشار اليها حسب نسبة اعضاء المذهب الغالب في القضاء. وقد قيل في ما بعد ان هذا النظام الذي كرس الغاء الامتيازات الاقطاعية، احل مكانها الامتيازات الطائفية والمذهبية، وبات التمثيل حسب المذهب الغالب عداً اي المذهب الاكثر عدداً.
اما الدستور الذي اقر في ايار1926 وتم تعديله عام 1943 في مرحلة الاستقلال الاول و من ثم نتيجة اتفاق الطائف 1990 فقد جاء في مادته الـ 21 : " لكل وطني لبناني بلغ من العمر احدى وعشرين سنة كاملة حق في ان يكون ناخبا .."
وفي المادة 27 يقول الدستور : " عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه "
اذا ، في النظام الاساسي، ايام المتصرفية في القرن التاسع عشر، فان المأمور اي ممثل الشعب في القضاء ... يمثل ابناء المذهب الغالب عداً وينتخب من سكانه. اما في دستور الجمهورية اللبنانية التي كان الشعب اللبناني يطمح الى تطويره، فان النائب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز ان تربط وكالته بقيد ... فلنمعن النظر والخيال في هذا الفارق بين المفهومين، وكم هي المسافة شاسعة وبعيدة بين تفكيرين وقرنين، فالنائب اللبناني حاليا لا يحق لاحد بمن فيهم من انتخبوه، ان يربطوا حريته ..... لانه بمجرد انتخابه بات يمثل الأمة جمعاء ... فلنتخيل هذا الفضاء الرحب وهذا الافق الذي ينطلق منه النائب حسب الدستور اللبناني الحالي الذي بالكاد تمكنا من تطبيقه.
في نص اقتراح القانون " الارثوذكسي " ، الذي نال اصوات اغلبية النواب في اجتماع اللجان النيابية المشتركة الاخير، في ساحة النجمة، وشرب ميشال عون ونوابه الشمبانيا احتفالا به جاء فيه ما يلي : " يتم انتخاب النواب المحددين لكل طائفة من قبل الناخبين التابعين لها ..." ثم جاء في فقرة اخرى : " يقترع الناخبون لمرشحين من طائفتهم فقط ..."
هكذا عادت النصوص والنفوس والافكار الى الوراء نحو القرن التاسع عشر بسعادة وحبور وشمبانيا من دون تردد. كل ذلك ومن دون ان ننتبه انه على بعد رمية حجر منا في دولة العدو الاسرائيلي قوانين مختلفة، ففي ادبياتنا وتراثنا في مواجهة الكيان الصهويني، فان دولة اسرائيل هي دولة الفصل العنصري والتمييز واغتصاب الحقوق، لكن التدقيق في نصوص القوانين يكشف ان المواطن الفلسطيني العربي داخل دولة اسرائيل يبدو انه وحسب النصوص القانونية يتمتع بحقوق متساوية مع كل باقي المواطنين. ووفقا لقانون انتخابات الكنيست في اسرائيل فقد جاء النص التالي : " لكافة مواطني الدولة في سن الـ 18 وما فوق حق الاشتراك في الانتخابات .... ويحق لكل مواطن اسرائيلي ، يسكن في اسرائيل عمره في يوم الانتخاب يتراوح بين الـ 18 وما فوق ان يصوت في الانتخابات ... لكل ناخب صوت واحد . يتساوى كافة الناخبين في مدى قدرتهم على التأثير في الانتخابات .."
قانون دولة العدو لم يقل المواطنين اليهود او العرب او المسيحيين او المسلمين ...الخ . النص الاسرائيلي يقول " يحق لكل مواطن يسكن اسرائيل .... " ان ينتخب.
في الحقيقة ان مشروع قانون اللقاء الارثوذكسي يمكن تسميته من دون تردد بقانون العيب. بل ان النواب الذين اقترعوا له قد ارتكبوا ما هو معيب ومخجل .
قال لي احد الاصدقاء الذي التقى في الاسابيع الماضية عددا كبيرا من الدبلوماسيين الاجانب، ان اغلبيتهم لا يصدقون ان هناك من يفكر بهذه الطريقة في لبنان او ان هذا القانون ممكن ان يقر ويصادق عليه نواب في هذا القرن .
الرحلة التي يعدنا مشروع قانون " اللقاء الارثوذكسي " بها، كأنها رحلة تتم عبر آلة كمثل الآلات التي تعود بنا بالزمن الى الوراء في افلام الخيال العلمي، لكنها بدل ان تعود بنا الى الزمن الجميل، زمن البدايات من دون تشوهات الحاضر، تصر على نبش اشباح الماضي، من دون ان نغفل انه قد تم التوصل الى النظام الاساسي لمتصرفية جبل لبنان اثر مذابح لم تسلم منها لا الاشجار، ولا حتى الابقار، حيث قطع كل غصن أخضر ونحر كل رأس ماشية في جبل لبنان يومها، ما استدعى ذلك المؤتمر الدولي وتدخل الدول الاوروبية لوضع النظام المشار اليه .
ما يعدنا به اصحاب " الارثوذكسي " ، مشابه تماماً للسيناريو الذي عشناه يوم وصل عون الى قصر بعبدا وخرج الهول من نومه.
" الارثوذكسي " ، عودة الى الوراء عبر الزمن، لكنها رحلة الى الجحيم .
