النظام السياسي اللبناني ولعنة التأسيسيين الجدد
بدايةً، أجدني لا أوافق مطلقاً على "اعتقاد الكثيرين أن النظام السياسي اللبناني وصل إلى طريق مسدود، وباءت بالفشل الذريع جميع المحاولات الهادفة إلى ترميمه منذ اتفاق الطائف حتى اللحظة السياسية الراهنة"، كما جاء حرفياً في عرض المسألة أو الإشكالية من جانب "الملحق". تالياً لستُ معنياً بالبحث عن "تصوّر بنيوي، دستوري، أو دولتي، ممكن، من شأنه إخراج لبنان من عنق الزجاجة، والوصول به إلى صوغ دستور ديناميكي جديد"، كما جاء ايضاً، وحرفياً، في الدعوة إلى اطّراح دستور الطائف والتفكير في دستور جديد، انطلاقاً من أن تشخيص هؤلاء "الكثيرين" صحيح؛ وما هو بصحيح في اعتقادي.
لعل "الملحق" نجح في استفزازي وأمثالي لاستدراج كلام آخر ورؤية أخرى. غير أنه، في سبيل هذا "النجاح" المسوّغ مهنياً، وقع في هفوة – أرجو أن تكون كذلك – بتبنّيه الأطروحة الأولى والدعوة إلى البناء عليها؛ وذلك من خلال صوغ الإشكالية والدعوة على النحو المذكور أعلاه؛ وهذا ما اضطرني إلى استعادة الصياغة حرفياً، لئلا أُحمَلَ على ظلم لا أحبّه، خصوصاً حيال أشخاص أحبّهم. لقد كان في الإمكان تفادي تلك "الغلطة المهنية" بتعديلٍ طفيف في صوغ الإشكالية، هو كالآتي: "هل توافق على اعتقاد الكثيرين...الخ"، ثمّ بإضافة: "وإذا كنت لا توافق على ذلك الاعتقاد التشخيص والدعوة القائمة على اساسه، فما هو تصوّرك الآخر؟". هكذا يصبح استطلاع الرأي موجهاً إلى الجميع، وليس إلى فئة "التأسيسيين الجدد" حصرياً.
لحظة لبنانية مريضة
أصاب "الملحق" باستخدامه عبارة "في اعتقاد الكثيرين" للإشارة إلى أصحاب تلك الدعوة. فهم كثيرون بالفعل، ولعلهم الأكثرون في هذه اللحظة اللبنانية "المريضة". إنهم أصحاب الكرازة بـ"عقد وطني جديد" أو "ميثاق جديد"، أو "مؤتمر تأسيسي جديد" وما إلى ذلك من أسمائه الحُسنى، المقترنة كلها بـ"الجديد"، بما يوحي لسائحٍ رماه الله في أرضٍ لا يعرف اسمها ولا موقعها على الخريطة أنهم "تجديديون" بامتياز. وأكثريتُهم تتأنّى من كونهم يشتملون على كل الجانب السياسي المسمّى "8 آذار"، بمن فيه مسيحيو هذا الجانب، أكانوا علمانيين أم إكليركيين، بالإضافة إلى مسيحيي "14 آذار" باستثناء مَن رَحِمَ ربُّك مِن بين هؤلاء. بعبارة أخرى، أو تصنيف آخر غير سياسي، هم أكثرون لأنهم يجمعون استكباراً إسلامياً مسلّحاً، قائماً على إحساسٍ بفائض القوة، إلى خُوافٍ مسيحي ناجم عن إحساسٍ مبالغٍ فيه بالضعف أو العَوَز. بعبارة ثالثة، نفسانية عيادية، هم أكثرون لأنهم يجمعون عقدتين في جانب واحد: عقدة ذاك الشخص الذي يحسب نفسه حبّة قمح أمام الدجاجة، وعقدة ذلك الضفدع الذي انتفخ حتى حسب نفسه ثوراً. بعبارة رابعة، هم أصحاب أطروحة "المثالثة" باعتبارها في زعمهم أكثر واقعية وإنصافاً من "مناصفة" الطائف. بعبارة خامسة، هم جماعة "الأرثوذكسيين" وقد طيَّر صوابَهم استعراضُ القوة الهيلمانية الذي أدّاه "حزب الله" بحِرَفِيَّةٍ عالية في السنوات الأخيرة، فأجاءهم الرعبُ إلى حِماه: بعضُهم بذمّيّةٍ اختيارية، نكايةً بأهل السنّة، وعلى قاعدة "فَلتهشُل فرسُ الأمير ولا يأتي بها كديشُ الرعيّة!"، وبعضُهم الآخر انضمّ إلى سرب الأرثودكسي بدافعٍ لم أتفهّمه حتى الآن، لأني لم أفهم "تكتيكات" بعض الجهابذة المسيحيين في "14 آذار" المحروسة. هذا ولا ننسى "بيضة" وليد جنبلاط التي أفلتت من جرابها، لأنه مولعٌ بنظرية "بيضة القبّان". ومن نافل القول أن المراد بالأرثوذكسية في كلامنا ليس الرابطة الدينية الكنسيّة – حاشا وكلاّ – وإنما تلك "الربطة" السورية المعلومة التي اجترحت معجزةً حين وضعت مطلباً أسدياً، على لسان ماروني، بعنوان ارثوذكسي... فتأمّل! أخيراً قلنا بأنها لحظة لبنانية "مريضة" لأن مكوّنات الأكثرية هذه إنما تصدر في مواقفها عن حالات مرضيّة: أشدُّهم قوةً وعنجهية لا يقلُّ مرضاً عن أشدّهم استهانةً بنفسه وابتزازاً لها؛ حبّةُ القمح والضفدعُ المنتفخ سيّان في الاعتلال.
أزمة نظام سياسي أم أزمة عقل انقلابي ارتجالي؟!
من السهل تكبير الكلام وإرساله على عواهنه إذا لم يكن للكلمات، ولا سيما المصطلحات السياسية منها، دلالةٌ محدّدة في قاموس مرجعي مشترك. من ذلك، على سبيل المثال، مصطلح "النظام السياسي اللبناني" القائم على اتفاق الطائف، بدستوره وميثاقه الوطني. إذا سألتَ أحد الدعاة إلى تغيير هذا النظام عن ماهيته وتعريفه، لأجابك على الفور: "إنه نظام الغَلَبة الطائفية الإسلامية بعد الحرب" أو "نظام المحاصصة الطائفية" – وغالباً ما يضيف "البغيضة"، أو "نظام الضرورة والأمر الواقع في حينه". وربما وقعتَ على شخص متحذلق من بين هؤلاء، و"مقاوم" برتبة دكتوراه أو ما يعادلها، فيجيبك بثقة واستعلاء أبويّ: "إنه، يا حبيبي، نظامٌ استنفد أغراضَه الآنذاكية ووصل إلى طريق مسدود، لأنه لم يعد يعكس موازين القوى الفعلية في المجتمع اللبناني، ولا سيما تلك الحيويّات السياسية – الديموغرافية - الطائفية – المالية – العسكرية، المستجدّة في مرحلة ما بعد الطائف. فهو لذلك ظالمٌ أولاً، ورجعيٌّ ثانياً"، ثمّ ينظر إليك شزراً من فوق كتفه، مستهجناً غفلتك!
بيت القصيد يكمن في هذا الجواب الأخير، مرفقاً بلغة الجسد. فهو يعبّر صراحةً عن مشروع نشأ في سياق يمتدّ من حلول مجموعات "الحرس الثوري الايراني" في البقاع عام 1983 وصولاً إلى اتفاقَي الكيميائي السوري والنووي الايراني. كذلك تمَّ التعبير عنه سابقاً بمطلب "المثالثة" في سان كلو الفرنسية عام 2007. وها هي بعض الشائعات الصحافية تخبرنا اليوم – على طريقة الفاضلة ليلى عبد اللطيف – أن الفرنسيين "متهيّجون" لاستقبال سان كلو ثانية للغاية نفسها (إذا شجّع الأميركي، أو إذا غضّ الطرف عن السعدنات الفرنسية).
المسألة إذاً ليست نظاماً سياسياً "جُرِّبَ فأثبت فشله واستعصى على الإصلاح"، بل هي عزمٌ قديم على رفضه وتغييره منذ ولادته. لقد وُضع اتفاق الطائف (تالياً الدستور اللبناني والميثاق الوطني) منذ اليوم الأول في يد الوصاية السورية التي كانت معنيّةً، ومعنيّةً فقط، باستتباع لبنان والعبث بخصوصياته، ولا سيما الخصوصيات الميثاقية التوازنية التوافقية، فضلاً عن الإمساك المباشر بكل مفاصل الدولة، من أعلى القمة إلى آخر موظف في أيّ وزارة. لقد بات معلوماً، لكل من عاش وسمع ورأى، أن النظام السياسي اللبناني المنبثق من اتفاق الطائف لم يُجَرَّب حقاً وفعلاً، وأنّ ما طُبّق منه كان شكلانياً، محوَّراً، مجتزأً واستنسابياً، وفق ما عُرف بـ"التفسير السوري لاتفاق الطائف". هذا الذي قلناه ما هو إلا اختصارٌ لما ورد مبسوطاً في المجمع البطريركي الماروني 2006 (نصّ الكنيسة والسياسة). وكلّنا يتذكّر كلمات البطريرك صفير، أطال الله عمره: "ليس المطلوب تغيير اتفاق الطائف، ولا تعديله، بل المطلوب تطبيقه نصاً وروحاً".
أما لجهة التعديل الأساسي الذي أدخله اتفاق الطائف على النظام السياسي السابق، وهو ما عُرف بالتعديلات الدستورية، فقد جاء في النصّ المشار إليه أعلاه ما مفادُه أنّ تلك التعديلات تأخّرت خمس عشرة سنة على الأقل؛ ولو أننا كمسيحيين ارتضينا مثلها سابقاً لما كنا وصلنا على الأرجح إلى الحرب.
هذا في زمن الوصاية السورية. أما بعد الانسحاب السوري فمن الثابت بالمعاينة، أن الزمن السياسي اللبناني لم يمتلئ بتطبيقات اتفاق الطائف والدستور، وإنما امتلأ حتى الثمالة، ولا يزال، بمخلّفات الوصاية وعقابيلها (اغتيالات وحروب)، ثمّ بتداعيات الحرب السورية منذ العام 2011 وجنون الطوائف اللبنانية على إيقاعها: هربٌ إلى ما بعد بعد الأمام (شيعية سياسية)، وانكفاء إلى ما قبل قبل الخلف (مسيحية سياسية). تالياً لم يكن هناك متّسع للطائف المسكين في زحمة هذا الحشر المهول! قُصارى القول في هذه النقطة أنه لا يستقيم سياسياً ولا أخلاقياً الزعم بأن النظام السياسي اللبناني "وصل إلى طريق مسدود"، لأنه لم يُتَح له أصلاً السير، مجرَّد السير.
مشكلة الأطروحة التغييرية الإستعلائية تلك، أو بالأحرى معطوبيّتُها، أنها تريد تأسيس عقد اجتماعي ودستور، شبه ثابتين بالطبيعة والتعريف، على ميزان قوى سياسي متغيّر بالطبيعة والتعريف! هذا ما فعله "الإخوان المسلمون" أخيراً في مصر، حين فرضوا دستوراً بأغلبية سياسية تصويتية، فأفاقوا بعد قليل على ثلاثة وثلاثين مليوناً من المصريين – أكثر من ثلث الشعب (90 مليوناً)، وأكثر من نصف الهيئة الناخبة في لوائح الشطب (50 مليوناً)، وأكثر من مجموع الذين اقترعوا مع رئيسهم وضده (25 مليوناً) – نقول إنهم أفاقوا على هذه الملايين تملأ الرحب وتقول بصوت واحد: "ما هكذا يا سعدُ (الكتاتني) تُورد الإبل!". يبدو لنا أن هذا المنهج التفقيطي البوانتاجي في التفكير هو نفسه لدى معظم الإسلام السياسي الذي يغلّب الإيديولوجيا التخييلية المحنّطة على السوسيولوجيا الواقعية الحيّة. بهذا المعنى فإن "حزب الله" الشيعي ابنٌ شرعي لذهنيّة "الإخوان المسلمين" السنّة.
