اشـتباك المثالثـة: أزمـة الثقـة تنجـب .. أشباحـاً!

النوع: 

 

يعكس السجال الراهن حول فكرة «المثالثة» المدى العميق الذي بلغته أزمة الثقة بين الاطراف الداخلية، بحيث انها أصبحت تملك قابلية كبيرة للانزلاق، في أي لحظة، نحو معارك وهمية، في مواجهة هواجس افتراضية، تقتات من اللحم الحي لضحاياها.

وإذا كانت ضرورات الحملات الانتخابية قد ساهمت أيضا في استسهال اللجوء الى كل أنواع الأسلحة و«الحيل» السياسية للسيطرة على مقعد نيابي هنا أو هناك، إلا أن خطورة اللعبة تكمن في أنها قابلة للإفلات من أيدي الممسكين بخيوطها، فتنتهي الانتخابات ولا تزول مفاعيل الخطاب التحريضي والتعبوي الذي يكون قد استعمله هذا الطرف أو ذاك في سياق سعيه الى استنهاض جمهوره، وشد عصبه الطائفي والمذهبي.

ولأن المناخ الداخلي شديد الاحتقان، والبلد يتحرك فوق صفيح الانتخابات الساخن، جاء «ثقاب المثالثة» ليساهم في تأجيج النفوس والنوايا أكثر فـأكثر، مسبباً مزيداً من الحرائق في غابة الانقسامات اللبنانية الحادة، ومطلقاً العنان لسيناريوهات ونظريات تختلط فيها الحقائق بالأوهام.

ويبدو واضحاً أن الفرز الحاد الحاصل بين القوى الأساسية في المعارضة والموالاة يؤدي تلقائياً الى «تناسل» القضايا الخلافية وأحيانا «افتعالها»، كما هي الحال مع «شبح» المثالثة الذي تُروى عنه «الأساطير» وتُنسج حوله الروايات، ولكن أحداً لم يثبت، بعد، أنه رآه بالعين المجردة أو ضبطه متلبسا بمحاولة العبث باتفاق الطائف.

ومع ذلك، سرت في البلد موجة «المثالثة»، كالنار في الهشيم، لتجد المعارضة ذاتها بين ليلة وضحاها في قفص الاتهام، بعدما ادّعى عليها فريق 14 آذار بجرم محاولة الانقلاب على اتفاق الطائف واستبدال المناصفة الإسلامية ـ المسيحية في السلطة بمثالثة شيعية ـ سنية ـ مسيحية، الأمر الذي تطلب تدخلاً مباشراً من الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون لرد التهمة بالصوت العالي.

يميل فريق أساسي في 14 آذار، وخصوصاً تيار المستقبل، الى تصديق بري حصراً، «فهو مؤيد للطائف فعلا، وربما ساهم بطريقة ما في الوصول اليه، ثم انه في حسابات الربح والخسارة المتضرر الاكبر من المثالثة لأنها ستؤدي الى تحجيم دوره وتذويبه في وعاء حزب الله الذي سيكون الأقوى ضمن الثلث الشيعي بموزاة الثلثين السني والمسيحي».

ولكن هذا الانطباع السائد لدى أوساط بارزة في تيار المستقبل لا يمنعها من القول بأن بري سعى عبر خطابه الاخير في المصيلح، حيث نفى وجود أي نزعة لدى المعارضة للمثالثة، الى تجميل صورتي حزب الله والعماد ميشال عون اللذين يضمران رغبة حقيقية في نسف الطائف، الأول من أجل استبدال المناصفة بالمثالثة والثاني من أجل استعادة الصلاحيات السابقة لرئيس الجمهورية تحت شعار إعادة تعزيز نفوذ المسيحيين في الحكم وصولا الى استلام رئاسة الجمهورية بعد تقصير ولاية الرئيس ميشال سليمان.

ويستند المروجون لهذه الفرضية، في سياق الدفاع عن صوابيتها، الى ما يعتبرون أنها مجموعة مؤشرات ذات دلالة، تبدأ من اللهجة الفاترة التي يستعملها حزب الله في معرض تأكيد التزامه بالطائف، ولا تنتهي عند الدعوة الصريحة للعماد عون الى قيام الجمهورية الثالثة التي تعني إنهاء الجمهورية الثانية المذيلة بتوقيع اتفاق الطائف.

ومع أن السيد حسن نصر الله أكد في مرات عدة أن الحزب يعارض ممارسة السلطة على قاعدة الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية أو الخماسية، ومع أن معاونه السياسي حسين الخليل أبلغ النائب سعد الحريري مباشرة التمسك بالطائف، إلا أن ذلك كله لم يكن كافيا على ما يبدو لطمأنة «القلقين» الذين يرون أن السلوك لا ينسجم مع التطمينات، مستشهدين في هذا المجال بأحداث 7 أيار التي كان المراد منها «جر تيار المستقبل الى حرب مذهبية، سنية ـ شيعية، تنهي الطائف بالضربة القاضية لتقوم على أنقاضه نظرية المثالثة، باعتبار ان أي صيغة جديدة للحكم في لبنان لا تولد عادة إلا بعد حرب، ولكن نجاح «المستقبل» في تجنب الانجرار الى فخ المواجهة المذهبية قطع الطريق على هذا المشروع»، وفقاً لقناعة أصحاب هذه القراءة.

ويستعيد هؤلاء كذلك أدبيات أزمة الحكم التي نشبت بعدما اعتبر حزب الله في أعقاب استقالة الوزراء الشيعة أن الحكومة أصبحت غير ميثاقية وغير شرعية استنادا الى الفقرة «ي» في مقدمة الدستور التي تنص على أن لا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك. هنا، يرى أحد النواب الفاعلين في تيار المستقبل أن مثل هذا الموقف إنما كان يستبطن النية بالمثالثة، لأنه افترض أن استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة يجعلها مخالفة للفقرة «ي»، في حين أن المقصود من مضمونها هو العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين ككل، بمعزل عن الجزئيات المذهبية.

ومن الدوافع الاخرى التي يسوقها «القلقون» لتبرير مخاوفهم ما يرون انه إيحاء متواصل من حزب الله بأن اتفاق الطائف ولد في ظروف إقليمية معينة تغيرت الآن، مع بروز الدور الايراني في المنطقة وتحوله الى رقم صعب في معادلاتها، يجب لحظه عند رسم التوازنات اللبنانية التي ينبغي تكييفها مع التحولات المستجدة.

لا تجد هذه الاستنتاجات أي صدى لدى المعارضة التي تشعر بأن الفريق الآخر فبرك لها تهمة من لا شيء، ثم راح يعمل على تسويقها، سعياً الى تعبئة الشارع السني وتخويف الشارع المسيحي، لتحقيق مكاسب انتخابية عشية استحقاق السابع من حزيران.

بالنسبة الى حزب الله، المثالثة هي طرح غير واضح وغير مفهوم أصلا، وبالتالي فإن من اخترعها إنما يواجه طواحين الهواء ويسبح في عالم الخيال. وبناء عليه، يرفض الحزب أن يستدرج الى قفص الاتهام لأنه ليس معنياً، من وجهة نظره، بالخضوع الى محاكمة للنوايا أو بتفسير أحلام اليقظة لدى البعض.

ويرى الحزب أن من يوجه اليه تهمة المثالثة هو أساسا مدان بتطبيق الأحادية طيلة السنوات الثلاث الماضية، من تجربة الاستئثار والتفرد التي مارستها الحكومة المبتورة والفاقدة للشرعية، على حساب حقوق شريحة واسعة من اللبنانيين غُيّبت واستُبعدت عن صناعة القرار، «وبذلك يكون الطائف قد ذبح في ذلك الحين على أيدي من يتغنون به ويدافعون عنه اليوم، لأن فلسفته قامت على قاعدة المشاركة والشراكة بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني، بعدما نص على إناطة السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً، وليس برئيس المجلس أو بفريق دون الآخر».

وتأسيساً على سلوك 14 آذار خلال السنوات القليلة الماضية، يتهم الحزب بعض قوى هذا الفريق بأنها هي التي حاولت دفن الطائف تحت أنقاض نهجها، نتيجة إمعانها في احتكار السلطة، وما اتهام المعارضة برغبتها في المثالثة إلا هروب الى الأمام.

الكاتب: 
عماد مرمل
التاريخ: 
الثلاثاء, مايو 12, 2009
ملخص: 
ولكن هذا الانطباع السائد لدى أوساط بارزة في تيار المستقبل لا يمنعها من القول بأن بري سعى عبر خطابه الاخير في المصيلح، حيث نفى وجود أي نزعة لدى المعارضة للمثالثة، الى تجميل صورتي حزب الله والعماد ميشال عون اللذين يضمران رغبة حقيقية في نسف الطائف، الأول من