كيف يخرج لبنان من الخطر نعيش اللامركزية المذهبية السياسية فكيف نصنع الدولة الواحدة المركزية؟

النوع: 

 

ما ان انتهت الحروب الداخلية في لبنان حتى ذهبت القوى السياسية دون العماد ميشال عون الى إقرار اتفاق دستور اسمه الطائف ولاحقا اعترف به فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. وكان المطلوب بعد مرور الشعب اللبناني بمراحل تاريخية فاصلة ان يميّز في قضاياه بين الوهم الهامشي وبين الشؤون الوطنية المصيرية والاساسية.

وعدنا من اتفاق الطائف الى لبنان، ليتكرّس دستور جديد اسمه الطائف يقوم على تنسيق العلاقات بين المذاهب والطوائف بدل العمل على صهر الشعب اللبناني في خط عابر للطوائف نحو وحدة مركزية لبنانية وطنية.

انا اذ أتكلم عن اتفاق الطائف، فلا يهمني ان يكون رئيس جمهورية ماروني او سنّي او شيعي او درزي او ارثوذكسي او ارمني، انما اتحدث عن دستور الطائف أياً تكن طائفة رئيس الجمهورية.

وما ان بدأ تطبيق اتفاق الطائف حتى دخلنا في دهاليز المذهبية والطائفية واللامركزية المناطقية القائمة على قوى مذهبية وأحزاب سياسية طائفية. فتشلعت الوحدة الوطنية في لبنان وأصبحت المصلحة العليا هي مصلحة المذهب على حساب لبنان، ومصلحة الطائفة على مصلحة لبنان، ومصلحة الجماعات التي صنّفت انفسها مذهبياً وطائفياً في اطار منفصل عن المركز الأساسي للدولة وهي تطالب بحصصها في الوزارات والتعيينات كما نشهد اليوم بعد 30 سنة من إقرار الطائف، ذلك ان مشهد اليوم هو مطالبة الحصص في التعيينات والوزارات على قاعدة مذهبية ضيّقة لا تؤسس لوحدة لبنانية، ومثالاً على ذلك، وهو مثال ضيق، فان الخلاف على بلدية في إقليم الخروب في بلدة شحيم التي تم الاتفاق فيها على تبادل رئاسة البلدية 3 سنوات لكل شخصية، فانه هو المظهر اليوم السائد في خلاف كبير بين الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة الوزير وليد جنبلاط وتيار المستقبل بقيادة الرئيس سعد الحريري.

لم ينشأ في بلادنا خطة للتصدّي لهذا التمزّق المذهبي والطائفي، بل لم تنشأ المعرفة، معرفة الوعي، ولم يأخذ شعبنا علما وخبر لخطورة الخطة التي جعلت من لبنان جبهات داخلية وخارجية دون ان يكون الشعب اللبناني قادر على المقاومة وعدم الاستسلام لانه لم يتح له معرفة أبعاد إقرار اتفاق الطائف والى اين يسير هذا الاتفاق.

وبعد العدوان الإسرائيلي عام 2006 اسرعت المقاومة الى دراسة نتائج العدوان، لكن إسرائيل لم تستوقف نفسها يوما واحدا للبدء بعملية تقييم استراتيجي أجبرت فيها إسرائيل مفكريها ومؤسساتها وخبرائها واستراتيجيتها لوضع استراتيجية إسرائيلية جديدة للحرب القادمة التي ستخوضها ضد لبنان ولضرب المقاومة في لبنان. فانتشر انقسام كبير في لبنان حول سلاح المقاومة وهذا الانقسام مؤذي للغاية، ذلك ان الباب الوحيد للولوج الى حل فهو وضع سياسة دفاعية واضحة وان لا يخجل احد بفتح هذا الموضوع وان تكون الاجتماعات في قصر بعبدا مع الفاعليات السياسية ومع ممثلي المقاومة وحزب الله لدراسة سياسة دفاعية تتحضر للوقوف إزاء الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية التي لم تضيّع الوقت بل وضعت خطة لتمزيق لبنان داخلياً والأكثر تمزيق سوريا والعراق عبر مخطط عالمي صهيوني اشتركت فيه بعض الدول العربية، فتم تدمير مجتمع الكيان الشامي وتم تدمير فيه الكثير من مدن وقرى العراق الذي انقسم اثر عدوان اميركا على العراق الى شيعي وسنّي وكردي، لكن أكملت الصهيونية خطتها بتمزيق العراق من خلال تنظيمات إرهابية سلفية تكفيرية في العراق وفي الشام وحاولت الامتداد الى لبنان. لكن الجيش اللبناني والمقاومة ووعي الشعب اللبناني كله عطّل المؤامرة لدخول الإرهاب الى لبنان.

اليوم بعد مخاض عسير لتأليف الحكومة استمر 9 اشهر وظهرت فيه الانقسامات الطائفية والمذهبية وكان فخامة رئيس الجمهورية بمقدوره عدم ترك هذه القوى المذهبية والحزبية تتصارع لنيل الحصص في الحكومة، ان لا يصر على 11 وزير لتكتل التيار الوطني الحر، ذلك ان رئيس الجمهورية اقوى بكثير من الحصول على 3 او 4 وزراء.

كما ان عناد الرئيس سعد الحريري حول تمثيل وزير سني من خارج سيطرته السنية اخذ مدة شهرين ليأتي نجل نائب سنّي إضافة الى توزير الحصص المذهبية والطائفية.

ثم دخلنا اليوم في قضية الموازنة، والحمد لله ان الحكومة انهت دراسة الموازنة وارسلتها الى المجلس النيابي، وهنالك عدم سرعة كاملة بالنسبة الى اقرار الموازنة، فمدة شهر دراسة من قبل لجنة المال للموازنة هي مدة طويلة، ثم ان دراسة الموازنة لمدة شهر ونصف امام الهيئة العامة للمجلس النيابي يعني تضييع شهرين ونصف من الوقت، على موازنة حققت تخفيض العجز لكن الإسراع بها هو في ذات الأهمية لاقرارها سريعا.

ان الفكر الوطني هو المؤهل الوحيد لحل مشكلتنا، أي مشكلة الانقسام اللبناني مذهبيا وطائفيا، وكلما حاول لبنان التقدّم نحو لامركزية إدارية والتوحد وطنيا باضعاف المذهبية والطائفية نجد ان لبنان محكوم بسلطات دينية.

اما الشعب اللبناني فيعرف تماما منذ عام 1982 وحتى عام 2019 من سرقه، على مدى عهود طويلة، من التزم المشاريع، من هدر أموال عامة لصالحه، من استفاد من خزينة الدولة في وزارته، من سيطر على الأموال العامة ومن نهب منها، ودون استثناء كل الذين مروا على الحكم، رؤساء، وزراء، نواب، مسؤولين اداريين كبار او مسؤولين امنيين، كلهم استفادوا من أموال الشعب اللبناني، وغدا سنراهم يا شعبنا اللبناني على شاشات التلفزة ينادون بمحاربة الفساد، وينادون بضبط الأموال العامة فيتطلع الشعب اللبناني الى هؤلاء الخطباء، ويسأل نفسه، من هدر أموال الشعب، ومن نهب، نحن الشعب اللبناني أم انتم الذين ستخطبون على شاشات التلفزة وتتحدثون عن الهدر ومحاربة الفساد والسرقات وانتم كلكم اشتركتم في نهب أموال الشعب واستشراء الفساد والسرقات منذ عام 1982 حتى عام 2019، من اين لكم هذه القصور من اين لكم هذه الثروات، من اين لكم هذه الثروة التي جمعتموها عقارات واموال نقدية في المصارف، ومع ذلك لا تستحون وتخطبون ضد الفساد وتخطبون ضد السرقات وتخطبون ضد هدر الأموال العامة.

ولعل هنالك بند أساسي في الطائف يقول بإلغاء الطائفية السياسية، ولكن هذا البند تم وضعه كديكور لانه حتى الان لم يتجرأ 15 نائبا على توقيع عريضة لتنفيذ الغاء الطائفية السياسية، وهي مادة او بند نشأ ميتاً.

صحيح انه ترتب علينا ديون بقيمة 86 مليار دولار، والمسؤولين عنهم هم من حكم منذ عام 1982 حتى يومنا هذا. وتراهم يخطبون وينتقدون ويتحدثون عن الفساد والسرقة، فتوقفوا يا جماعة الخطباء، وقولوا لنا من اين جمعتم ثروتكم، قولوا لنا من اين بنيتم قصوركم، قولوا لنا كيف تظهر اسماءكم في مجلات الشخصيات الأكثر غنى في لبنان.

ليست المشكلة ديون بـ 86 مليار دولار مع انها كبيرة، وليست المشكلة في تراجع النمو الاقتصادي بل المشكلة في عدم مركزية الدولة على قاعدة غير مذهبية بل المشكلة في عدم وجود وحدة وطنية، بل المشكلة في تشلع الشعب اللبناني مناطق مذهبية لقادة طائفيين او مذهبيين، ولا ينمو اقتصاد ولا ازدهار في ظل هذا التشتت المذهبي والانقسام العميق عاموديا بين الشعب اللبناني.

كيف ستسير حكومة نحو النجاح وطنيا واقتصاديا وتطلق دورة عجلة الازدهار وارتفاع نسبة النمو الاقتصادي وهي منقسمة على ذاتها، والوزراء مختلفون فيما بينهم، فالتيار الوطني الحر كان قبل أسبوعين على صراع مع حزب القوات اللبنانية، والتيار الوطني الحر مؤخرا هو على خلاف مع تيار المستقبل، وكان واضحاً خطاب النائب نهاد المشنوق وخطاب نواب وشخصيات من التيار الوطني الحر كذلك تولي الأستاذ شارل جبور المسؤول الإعلامي في القوات اللبنانية ارسال تغريدات ضد التيار الوطني الحر ويبادله بها التيار بتغريدات عنيفة وتصريحات اكثر، مع اشتعال جمهور كل الاطراف الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل والتيار الوطني الحر وحزب القوات على خطوط التواصل الاجتماعي في هجومات وصلت الى الشتائم والكلام البذيء، فهل ذلك يؤدي الى نهضة اقتصادية والى اظهار لبنان امام مؤتمر سيدر 1 الذي اجتمعت فيه 43 دولة و68 مؤسسة مالية كبرى وخصصوا الى لبنان دفعة أولى 11 مليار ونصف، فماذا تقول هذه الدول وهذه المؤسسات عندما ترى الاعلام وخطوط التواصل الاجتماعي يكشفون مدى الانقسام داخل الحكومة، فهذه الحكومة هنالك احصنة تشد بها باتجاه الشمال واحصنة تشد بها نحو اليمين، ولذلك تراوح مكانها الحكومة الى ان يأتيها اوكسجين التعيينات، وهنالك المصيبة الكبرى في المحاصصة الطائفية والمذهبية والحزبية على قاعدة ان التيار الوطني الحر يريد مسيحيا الحصة الكبرى من التعيينات، وتجاوز القوات والكتائب والمردة حصصهم في المراكز الهامة والرئيس سعد الحريري عبر تيار المستقبل سيأخذ الحصة الأساسية للسنّة، والرئيس نبيه بري سيأخذ الحصة الرئيسية من الشيعة مع اتفاقه مع حزب الله والوزير وليد جنبلاط يأخذ الحصة الكبرى، إضافة الى حصة للنائب طلال أرسلان، وربما للوزير السابق وئام وهاب ولكن بحدود معينة.

لبنان طالما يبقى منقسما مذهبيا وطائفيا ودستور الطائف يقوم على تنسيق العلاقة بين المذاهب وليس على دمجها في اطار قرار وطني موحد فلا الحكومة منسجمة ولا الحكومة تستطيع الانطلاق ولا الشعب يشعر انه في دولة مركزية محترمة قوية مستعدة للذهاب بشعبها نحو التقدم ونحو الانتصار على كل الامراض التي اصابت الشعب اللبناني منذ حرب السنتين عام 1975 وامتدادها من دون سلاح نفسيا حتى اليوم.

الكاتب: 
شارل أيوب
التاريخ: 
الجمعة, يونيو 7, 2019
ملخص: 
ولعل هنالك بند أساسي في الطائف يقول بإلغاء الطائفية السياسية، ولكن هذا البند تم وضعه كديكور لانه حتى الان لم يتجرأ 15 نائبا على توقيع عريضة لتنفيذ الغاء الطائفية السياسية، وهي مادة او بند نشأ ميتاً.