استراتيجية عون بـ»فتح المشاكل« مع السنّة مستمرة: ماذا بقي من صلاحيات رئاسة الحكومة لم يطالبوا بإسقاطه؟!

النوع: 

قبل عصام أبو جمرة لم تكن ثمة مشكلة دستورية اسمها صلاحيات نائب رئيس الحكومة. أسلافه الأرثوذكس لم يفتحوا الموضوع بهذا الشكل الصدامي، لعلمهم أن الأمر يرتبط باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب، وأن تعديل هذا الاتفاق، إذا لم يتم بالتوافق، فإنه يشرّع البلاد على أجواء الحرب من جديد، لكن الأمر عند كتلة التغيير والإصلاح مختلف، ذلك أن ميشال عون ليس زعيماً مسيحياً عادياً ـ في ما يعتقد ـ، بل هو البطريرك السياسي للمسيحيين، وحامي حقوقهم في سائر المشرق.

لدى التدقيق في المشكلة الأخيرة التي أثارها عصام أبو جمرة في مجلس الوزراء، يتبين أنها ليست نتيجة حالة انفعالية مر بها الرجل لتجاهل رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إدراج موضوع صلاحيات نائب رئيس الحكومة على جدول الأعمال، وإنما تندرج في إطار استراتيجية عامة، يعتمدها العماد عون في ما خصّ سياسته الداخلية، يستفيد فيها من الجو المذهبي السائد في البلد، إذ يقدّم نفسه ضامناً لحقوق المسيحيين من خلال التحالف مع الشيعة، وفي الوقت نفسه يثير العصب الطائفي لدى المسيحيين من خلال إشعارهم أن السنّة هم الذين يأكلون حقوقهم، دستورياً، وإدارياً، وانتخابياً، وسياسياً، وأن البترودولار يريد أن يحوّلهم إلى عبيد عند آل الحريري وآل سعود.

سياسةُ قذرة ونتائجٌ خطرة

السياسة التي يتبعها عون إذاً، لأهداف شخصية وانتخابية، غاية في السوء، على مستوى الوطن وعلاقات طوائفه ببعضها البعض. إنه بكل بساطة يحاول بلا هوادة فتح إشكال طائفي مع السنّة في لبنان، تارة باستنفار الأرمن تجاههم، وتارة بتحريض الأرثوذكس عليهم، وتارة بتخويف الموارنة منهم.

فالجنرال لم يمل بعد من العزف على معزوفة التوطين، التي يتهم بها تيار المستقبل، كما لا يمل إعلامه عن ربط الإرهاب بالإسلاميين السنّة، ولو كان هذا الإرهاب مصدّراً من الخارج إلينا. كما لا يترك مناسبة إلا يتهجم فيها على المملكة العربية السعودية ودورها في لبنان، غاضاً الطرف كلياً عن الدور الإيراني، بل إنه عندما يتحدث عن البترودولار، الذي استفاد منه هذا العام كل طلاب لبنان، يتناسى المال النظيف الذي يُغدق على حزب الله وعليه، من دون أن يمر بالدولة اللبنانية كما هي حال المساعدات التي تقدمها المملكة.

في هذه السبحة الكثير؛ من استهداف الأجهزة الأمنية التي تحمي الوطن والتي يعتبرها زوراً ميليشيا لـتيار المستقبل، كفرع المعلومات، إلى انتقاد تسمية مطار بيروت بمطار رفيق الحريري الدولي، إلى التهجم على التيارات الإسلامية ووصفهم بالشياطين، إلى فتح النار على الأمين العام لمجلس الوزراء لأسباب ظاهرها قانوني، وباطنها طائفي، وصولاً إلى المس بصلاحيات رئاسة الحكومة من أكثر من جانب.

صلاحيات رئاسة الحكومة

في موضوع صلاحيات رئاسة الحكومة يعتبر عون أنه لا يجوز لرئيس الحكومة الجمع بين السلطة التنفيذية إلى جانب السلطة الرقابية، موحياً للرأي العام بأن رئيس الحكومة في لبنان يملك صلاحيات تضاهي ما يملكه الولي الفقيه، فيما الحقيقة أن رئيس الحكومة لا يملك بنفسه السلطة التنفيذية، وإنما مجلس الوزراء مجتمعاً، كما أنه لا يملك السلطة الرقابية، لأن تابعية عدد من الأجهزة الرقابية له لجهة التعيين، لا تعني ذلك.

وإضافة إلى هذه المعزوفة يطالب عون بفصل عدد من الصناديق المرتبطة برئاسة مجلس الوزراء، كما يطالب بتقليص صلاحيات رئيس الحكومة، أملاً في العودة إلى الوضع السابق على اتفاق الطائف، الذي يرفضه أصلاً، أي إلى ما قبل الحرب الأهلية، عندما كان النظام اللبناني موضع حيرة الفقهاء الدستوريين لجهة كونه نظاماً برلمانياً من جهة، ورئاسياً من جهة أخرى. ولم يكتف عون بذلك بل طالب بتفعيل موقع نائب رئيس الحكومة الذي لم ينص عليه الدستور أصلاً، وأن يكون له مقر، وأن يتولى رئاسة الوزراء في حال غياب أو وفاة الرئيس!!.

مطالبات عون، التي أيده فيها حزب الله أخيراً، من خلال مسؤول العلاقات الدولية في الحزب نواف الموسوي (عندما طالب بصلاحيات تؤخذ من رئيس الوزراء، ومسنداً إياها إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان على أنها رغبة منه أيضاً)، تحتاج إلى توضيح، لخطورتها، خصوصاً إذا ما قورنت بصلاحيات رئيس مجلس النواب التي تصل إلى حدود تعيين عناصر وضباط حرس رئاسة المجلس، وتحديد رتبهم ومخصصاتهم وتعويضاتهم، وتحديد موازنة مجلس النواب، وذلك كله من دون الخضوع لأية رقابة رسميّة، خلافاً لحال رئيس الحكومة الذي يعيّن له جهاز قوى الأمن الداخلي حرس القصر الحكومي، إضافة إلى خضوع موازنة مجلس الوزراء لرقابة الأجهزة الماليّة وللقوانين المتبّعة.

فضلاً عن أن العامين الماضيين شهدا صلاحيات لرئيس مجلس النواب لا مثيل لها في الأنظمة البرلمانية، إذ استطاع رئيس المجلس إقفال البرلمان طيلة الأزمة، مانعاً على نائبه الأرثوذكسي رئاسة أية جلسة، على اعتبار أن تخطي الرئيس يشكل مساً بحقوق الشيعة. وأكثر من ذلك فإن اجتهاد الرئيس نبيه بري قائم على اختصار المجلس بشخصه، من خلال تفسيره الدستور بمعزل عن باقي النواب!! ومع ذلك فلم ينتقد عون هذه الصلاحيات المبالغ فيها، أقله احتراماً للإصلاح الذي يدعيه.

العودة إلى ما قبل الطائف ماذا تعني؟

قبل الطائف كان رئيس الحكومة أشبه بمعاون عند رئيس الجمهورية (البعض يسميه تهكماً باش كاتب)، إذ كان الدستور ينص في المادة 17 على أن تناط السلطة الإجرائية برئاسة الجمهورية. كما نصت المادة 53 قبل تعديلها على أن رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيساً ويقيلهم، حتى أن كثيراً من الفقهاء الدستوريين كان يرفض اعتبار النظام اللبناني برلمانياً في ظل هاتين المادتين.

جاء اتفاق الطائف فصحّح الخلل، وأخذ من صلاحيات رئاسة الجمهورية، إلا أنه لم يعط هذه الصلاحيات لرئيس الحكومة السني، وإنما أعطاها لمجلس الوزراء مجتمعاً، بنص الدستور. كما جعل من حق رئيس الحكومة توقيع مرسوم تشكيل الحكومة مع رئيس الجمهورية، بعد تسمية الأغلبية النيابية له.

ما يطالب به عون اليوم، ليس عودة منتقدة إلى نظام ما قبل الطائف فحسب، وإنما حذف الوجود السني من الدولة، لأن الصلاحيات وزعت بعد الطائف على ثلاث رئاسات، وأخذت كل رئاسة قسماً من الصلاحيات، فماذا يبقى لرئيس الحكومة، إذا أصبح بلا مؤسسات تتبع رئاسة مجلس الوزراء؟ وماذا سيكون وضعه في النظام إذا كان رئيس الجمهورية يعيّنه ويقيله متى شاء، ورئاسة مجلس النواب تستدعيه للسؤال أو الاستجواب كلما أرادت؟ وماذا سيكون وضعه التمثيلي لو اختاره الرئيس من غير الأغلبية النيابية؟ أو من دون مراعاة حجمه التمثيلي داخل طائفته؟ وكيف سيحكم إذا كان بقية الوزراء يعيّنهم له رئيس الجمهورية؟ وكيف سيستقيم النظام إذا كان رئيس الجمهورية سيرأس كل الجلسات، ثم لا يتحمل تبعة ذلك، بل ينص الدستورعلى كونه الحكم بين السلطات؟ وأخيراً ماذا يبقى للسنة في لبنان إذا توفي أو اغتيل رئيس الحكومة، أو تعذر عليه القيام بمهامه، في ظل نص يجيز لنائبه أن يحل تلقائياً محله؟!…

في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، وضع الرئيس فؤاد السنيورة النقاط على الحروف عندما قال: صلاحيات نائب رئيس الحكومة تتعلق باتفاق الطائف، الذي بات دستوراً، فإذا كنتم تريدون تغيير الطائف نحو صيغة أخرى، فالمكان ليس هنا وإنما في مجلس النواب.

فهل يتقدم عون أو أعضاء كتلته ومن يدعمهم، باقتراح قانون لتعديل الطائف، ويلعب وحلفاؤه الذين يحركونه على المكشوف، في ما خص الصيغة في لبنان، أم أن اللعبة التي هي أكبر من الجنرال العائد من إيران بالدعم المادي والمعنوي، ستقول له: إن الأوان لم يحن بعد؟!.

الكاتب: 
فادي شامية
التاريخ: 
السبت, أكتوبر 4, 2008
ملخص: 
في موضوع صلاحيات رئاسة الحكومة يعتبر عون أنه لا يجوز لرئيس الحكومة الجمع بين السلطة التنفيذية إلى جانب السلطة الرقابية، موحياً للرأي العام بأن رئيس الحكومة في لبنان يملك صلاحيات تضاهي ما يملكه الولي الفقيه، فيما الحقيقة أن رئيس الحكومة لا يملك بنفسه السلط