"اتفاق الطائف" خطّ احمر و تعديله ممنوع على ايّ كان

النوع: 

 

رغم انها مرحلة التحضير للانتخابات النيابيّة، الا ان تصريحات المسؤولين اللبنانيين تتعدى الاطار الزمني الذي يعيشه المواطنون، فتجتاز منسوب التوتر الذي يواكب تظهير اللوائح الانتخابيّة، لتركّز على مرحلة ما بعد 7 حزيران/يونيو. هذا التركيز مردّه الى ان الانتخابات التشريعية في دورة العام 2009 تحمل نكهة خاصة في تاريخ لبنان الحديث، لا بل تكتسي طابعا ذا توجّه مصيري كما يصفها الجميع.

ومن هنا جاء الحديث عن الاستقلال الثاني الذي تبتغيه قوى 14 آذار/مارس من هذه الانتخابات، بمعنى التجديد للاستقلال الاوّل الذي سطع فجره في العام 2005 والذي تحققت فيه ثورة الارز، فيما ترى قوى 8 آذار/مارس وحلفائها في خطّ المعارضة ان هذه الانتخابات هي الفرصة الحقيقيّة امام لبنان، ليشهد قيام الجمهوريّة الثالثة، لأن الجمهوريّة الاولى التي قامت مع الرئيس بشارة الخوري في العام 1943 انتهت بحربّ لبنانيّة اشتركت فيها اطراف داخليّة وخارجيةّ، ولأن المجهوريّة الثانيّة التي ولدت مع ولادة اتفاق الطائف في المملكة العربيّة السعوديّة ما تزال مستمرّ في اعين هذه القوى وترى ان الحكام في العهد الثاني من الجمهوريّة اللبنانية لا يزالون يعيثون في البلاد فسادا وارتهانا للخارج رغم مفصليّة العام 2005 وما شهده من تحوّلات في التاريخين السياسي والامني للبنان.

ولعلّ اطلاق شعار الجمهوريّة الثالثة اكثر ما يربك قوى 14 آذار/مارس ويدفعها الى كمّ من التساؤلات والتكهّنات حول هويّة المرحلة المقبلة اذا ما فازت المعارضة بالاكثرية في المجلس النيابي، بدء من مصير الكيان اللبناني وصولا الى طبيعة النظام والحكم مرورا بفيض من القضايا الوطنيّة/الخلافية التي عجزت جلسات الحوار حتى الساعة عن فضّ تجاذباتها بين الاطراف المعنية وانعكاساتها على الساحة الداخليّة، سياسيا او امنيا، اضافة الى تردداتها على الساحة الخارجية.

وليس خافيا على احد ان تركيز الخطاب السياسي على وجه لبنان في صباح الثامن من حزيران/يونيو يستخدم وثيقة الوفاق الوطني اي مقررات اتفاق الطائف كمادة انتخابيّة ملهمة ضمن لعبة حرق المراحل. فترفع قوى 14 آذار/مارس شعار من يغاير الدستور يطعن بوحدة واستقرار البلد وتبادر قوى 8 آذار/مارس وحلافاؤها الى المرافعة والتبرير.

قضيّة المثالثة هي الاكثر رواجا في هذا الاطار التي تفرض نهجا مخالفا للمناصفة التي دعا اليها الدستور اللبناني المعدّل بناء لمقررات اتفاق الطائف في العام 1989 وتقتصّ مجددا من حقوق المسيحيين. فالمناصفة هي توزيع المقاعد النيابية وفق مناصفة دينية بين المسيحيين والمسلمين، تعطي الطائفة المسيحيّة 64 مقعدا مثلثها مثل الطائفة المسلمة ليشكلوا مجلسا من 128 مقعدا موزعين بالتساوي. اما المثالثة التي دعت اليها بعض الاصوات الشيعيّة فتدعو الى توزيع المقاعد النيابيّة وفق مثالثة مذهبيّة لا طائفيّة، ايّ بالتساوي بين المسيحيين والسنة والشيعة. ورأت قوى 14 آذار/مارس في هذه المطالب انقلابا على اتفاق الطائف، مؤكدة ان التصريحات التي تبثّ رسائل باتجاه المثالثة انما لا تريد استقرار لبنان. فيما لم يكن على قوى المعرضة سوى المسارعة الى نفي هذا المطلب، فاكّد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد خلال لقاء سياسي;اننا لم نقترح في يوم من الأيام تعديل اتفاق الطائف ولا طالبنا في يوم من الأيام، إننا نريد مثالثة في السلطة، لكن هم يريدون تحريض جمهورهم على أبناء المقاومة وشعب المقاومة حتى يقولوا لهم إن جمهور المقاومة يريد سلبكم السلطة وهذا عبر اقتراح المثالثة في السلطة ونحن لا نريد لا مثالثة ولا مرابعة ولا غيره وكل ما نريده وما طرحناه هو التطبيق الكامل لاتفاق الطائف الذي يوافق عليه جميع اللبنانيين فلنطبقه بندا بندا من الألف إلى الياء من دون انتقائية ولا إستنسابية ليس بند ينفذ وبند لا.

من جهته بدا رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري اكثر وضوحا، وردّ على اتهام المعارضة بالعمل للمثالثة، قائلا: لم اسمع واحدا من المعارضة تكلم بالمثالثة فمن اين اتت هذه التهمة؟ مضيفا:لا ادري كيف اخترعت هذه المثالثة ... اننا اقدمنا باجماعنا موالاة ومعارضة في اتفاق الدوحة على تفسير الطائف في ما يخص تشكيل حكومة وحدة وطنية تعبر دائما عن الديموقراطية التوافقية.  كما اكّد بري خلال اعلان لوائح التنمية والتحرير الالتزام عشرة على عشرة، مئة على مئة، مليون على مليون، باتفاق الطائف وتنفيذ مضامينه كاملة ورفض الاستنسابية في التطبيق او التعسف او اساءة تنفيذ اي بند.

والى جانب المثالثة، ترى قوى 14 آذار في حملة التيار الوطني الحرّ وما تروّج له من افكار حول الجمهورية الثالثة نسفا للثوابت التي كرّسها اتفاق الطائف، وهناك من وجد فيه سعيا لانقلاب. واذا كانت لم تتضح بعد معالم هذه الجمهوريّة، الا ان الوزير والنائب السابق فارس بويز، الذي وُعد بدخول لائحة عون في قضاء كسروان وسفّه، ردّها الى رغبة عون الدفينة في تبوّء سدّة الرئاسة، فقال ان عون يسعى إلى القيام بانقلاب سياسي على رئيس الجمهورية عبر تقصير ولايته الدستورية، في حال فوز التيار العوني وحلفائه بالأكثرية الجديدة، وذلك ليتسنّى لعون دخول قصر بعبدا - مجدداً- عبر جلسة انتخاب نيابية بالأكثرية المطلقة.

هذه الاقاويل نفاها عون في حديث تلفزيوني مؤكدا ان كل ما يقال في الصحف هو شائعات، وكل من يتداول في حديث عن أنني أخطط لشيء ضد رئيس الجمهورية هو كذاب ابن كذاب ابن كذابة وهذا حديث مختلق ومن الأساليب الدنيئة لإحداث بلبلة في الرأي العام، كل ما يقال عن المثالثة ورئاسة الجمهورية بدعة، وأول ما يخيفهم هو الفساد.

بدورها، تجد التشكيلة الحكوميّة المقبلة نفسها موضع اهتمام الطرفين ولاسيّما الجهة التي تمسك بدفة الحكم الحاليّة والتي ترفض رفضا قاطعا ان يتحوّل مطلب الثلث المعطل او الثلث الضامن الى عرف متّبع في الاستشارات النيابيّة لتشكيل الحكومات المقبلة على لبنان. وهذا ما بدا جليّا في خطابات قادة الموالاة الذين شددوا عن ان الثلث المعطل هو من افرازات اتفاق الدوحة الذي اسس لمرحلة ما قبل الانتخابات، اما المرحلة اللاحقة فلسيت محكومة بنتائج اتفاق الدوحة انّما ببنود اتفاق الطائف. وفي هذا الاطار اكد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة ان قيام حكومة بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في السابع من حزيران/يونيو تتمثل فيها كل الأطراف هاما وأساسيا، ولكن ان نعمد إلى أسلوب أن يكون هناك حكومات فيها ثلث معطل معنى ذلك أننا نصل إلى ما نحن وصلنا إليه.. في كثير من الأمور لا نستطيع التقدم، لا نستطيع أن نتقدم في أمور بسيطة وهامشية، وكل واحد يستطيع أن يقول أنا لا يعجبني ذلك ويتوقف العمل.

وتعوّل قوى الاكثرية في تأييدها لما قاله السنيورة على فشل تجربة الثلث المعطّل في ادائها التنفيذي مؤكدة ان الحكومة هي مكان للقرار وليست مكانا للحوار كما هو مجلس النواب وفق النظام الديمقراطي المتبع في لبنان، فيما تدافع قوى المعارضة عن هذا المبدأ بتأكيدها ان روحية الثلث المعطل موجودة في الدستور اللبناني، اذ يؤكد على ضرورة الخروج بقرارات تحظى بتوافق كلّ الاطراف اللبنانيين. ويبدو ان هذه التصريحات، وان كانت تصبّ في خانة التكهنات نظرا الى طبيعتها الاستباقية، الا انها تشكل اعترافا دامغا من الطرفين بان انتخابات 2009، ستكون نقطة مفصليّة جديدة في تاريخ لبنان.

الكاتب: 
تريسي ابو انطون
المصدر: 
التاريخ: 
الجمعة, مايو 22, 2009
ملخص: 
ليس خافيا على احد ان تركيز الخطاب السياسي على وجه لبنان في صباح الثامن من حزيران/يونيو يستخدم وثيقة الوفاق الوطني اي مقررات اتفاق الطائف كمادة انتخابيّة ملهمة ضمن لعبة حرق المراحل. فترفع قوى 14 آذار/مارس شعار من يغاير الدستور يطعن بوحدة واستقرار البلد وت