إلغاء الطائفية السياسية يعني تهميش المسيحيين أكثر ... والمسلمون أكبر الحريصين على المناصفة
في الطائف كانت البداية، وانتهت باقرار دستور بعد مخاض عسير، حاول واضعوه تجنب الثغر القانونية في جلسات ماراثونية عقدت في أكتوبر 1988 برعاية العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز. آنذاك، سعى النواب اللبنانيون الى صوغ الميثاق الجديد تحت وطأة الفصل الأخير من الحرب الأهلية، أو ما يسميه البعض «حرب الالغاء». وبعد أكثر من عقدين حفلا بمد وجزر سياسي وأمني وصولاً الى التهديد بتجدد الفتنة بين أمراء الطوائف ومحازبيهم، لاحت في الأفق بوادر أزمة جديدة افتتحها هذه المرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري بطرحه تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، وهو واحد من البنود التي تضمنها اتفاق «الطائف»، لكنه ظل طي النسيان سواء في زمن «الوصاية السورية» أو ما بعدها. وما أن دعا رئيس البرلمان الى تطبيق (المادة 95) من الدستور، حتى تعالت الأصوات الرافضة لهذا المشروع على الجبهة المسيحية، فتوحد قادتها للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاماً بدعوى عدم جهوز اللبنانيين لالغاء الطائفية السياسية، واسقاط معادلة المناصفة في الحكم بين المسلمين والمسيحيين.
وقصة لبنان مع الطائفية السياسية تتعدى اتفاق «الطائف». فقد تكرست في النظام السياسي بدءاً بحوادث 1860، مروراً بوثيقة العام 1926، وصولاً الى استقلال 1943. يومها، تم صوغ المادة الدستورية «السحرية» على النحو الآتي: «بصورة موقتة والتماساً للعدل والوفاق تُمثّل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة من دون أن يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة». وجاء «اتفاق الطائف» ليشدد على ضرورة الغاء الطائفية السياسية متناولاً المراحل الانتقالية لتحقيق ذلك. وأورد البند المتعلق بهذه المسألة أن «الغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي تحقيقه وفق خطة مرحلية، وعلى مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم اضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات فكرية وسياسية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة الغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. ويتم في المرحلة الانتقالية ما يأتي: الغاء قاعدة التمثيل الطائفي، واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة، والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية... باستثناء وظائف الفئة الأولى وما يعادل الفئة الأولى، فتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين من دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة».
وقد أثارت (المادة 95) الكثير من الجدل لجهة ما تكتنفه من غموض، وشكلت احدى أهم هواجس المسيحيين، خصوصاً مع تناقص أعدادهم ديموغرافياً في موازاة اتساع قاعدة الولادات عند الطوائف الأخرى. وهذا يعني أن خوف ورثة المارونية السياسية يرتبط بالمعطى الكمي الذي من شأنه احداث تحولات في بنية النظام اللبناني، لجهة تشكيل طبقة حاكمة ليست بعيدة كثيراً من الاقطاع السياسي المتآكل، والمنبعث أيضاً من لعبة المال والسلاح. والواقع أن الاجماع المسيحي على رفض تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، والمتمثل بثلاثي «التيار الوطني الحر»، و«حزب الكتائب»، و«القوات اللبنانية»، لا يعود الى مخاوف الافرقاء الثلاثة من هدر حقوقهم السياسية فحسب، بل الى الثغر التي تعتري النظام اللبناني نفسه والتي فشلت في ارساء عقد اجتماعي فعلي بين الطوائف اللبنانية، والدولة العاجزة عن تحقيق منظومة مدنية كفيلة تخفيف الاحتقان المتفشي في عروق تلك الطوائف.
ووسط الجدل المحموم حول تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية في لبنان، حملت «الراي» هذا الملف «المشتعل» الى أربع شخصيات سياسية وحقوقية عاصرت مراحل ولادة «اتفاق الطائف» وتطبيقه، هي عباس الحلبي، والنواب السابقون ادمون رزق، وحسن الرفاعي، وبيار دكاش.
الرفاعي: إلغاء الطائفية سيغلّب طائفة تتمتع بغالبية عددية ... ما يمهد إلى فتنة
في قراءة قانونية لـ (المادة 95) من الدستور، يرى حسن الرفاعي أن إلزاميتها تقتضي الأخذ بالواقع اللبناني التعددي، وبسبب تمذهب الأحزاب وعدم جهوزية لبنان لتقبل الدولة المدنية في الوقت الراهن فإن طرح إلغاء الطائفية السياسية قد يؤدي إلى الفتنة، خصوصاً أن النصوص الدستورية يعتريها كثير من نقاط الضعف.
*تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية يقتضي توفير الآليات لتحقيق ما نص عليه اتفاق الطائف في مادته الـ(95). ما قراءتكم القانونية لهذه المادة، وهل تتخذ طابعاً إلزامياً؟
-الدساتير في البلدان المتطورة لا يضعها السياسيون، إنما تضعها نخبة من أصحاب الاختصاص الواسع والعميق، خصوصاً في علم الإدارة، لأنه المدخل الوحيد الذي يؤمن حسن تفسير الدساتير. في «الطائف»، ولا أريد أن أسهب في الوقائع، عندما قرأت المسودة التي وضعت بين أيدينا وبحكم اختصاصي في علم الادارة أدركت أن جميع المقترحات المقدمة تشتمل على عيوب ونواقص وتناقضات لا تقبل. وعندما أراد الأمير سعود الفيصل معرفة رأيي قلت له «هذه النصوص إذا لم تطبق تتسبب في كارثة، وإذا قدمت كل مادة فيها فقد تؤدي إلى فتنة». والمادة (95) من الدستور تتناقض كثيراً مع القيم الأساسية التي تشكل قاعدة لأي نظام ديموقراطي، وفي طليعة هذه القيم والمفاهيم ان وكالة النائب لا يجوز أن تقيد بشرط ضمن قراءة هذه المادة بعبارتها الأولى التي تقول «على مجلس النواب المُنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق هذا الهدف وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية، وفكرية، واجتماعية، مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية». فإذا أخذنا بظاهر النص نرى أن هذه العبارة تلزم النواب الموافقة على القبول بأمر قد لا يتوافق مع رأيهم، وفي هذه الحال لابد من اعتماد المقاييس التي استقر عليها الفقه والاجتهاد في علمي الإدارة والدستور ومنها: إذا اختلف نص مع أحد المبادئ العامة، وبعض الفقهاء يقولون إن لها قيمة تعلو قيمة الدستور، فلابد من تفسير النص بما يتلاءم مع هذه المفاهيم، أي أن للنائب الحرية الكاملة في الموافقة أو عدمها، هذا من الناحية القانونية وبصورة موجزة ومختصرة جداً.
*هل عدم الاجماع الوطني حول تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية يشكل سنداً قانونياً لبعض الأطراف الذين يرفضون تنفيذ (المادة 95) من الدستور؟
-في الأساس نقول إن تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية عبر دراسة الطرق الكفيلة تحقيق ذلك واقتراحها يعني حتماً الموافقة المبدئية على إلغائها. وأبادر إلى القول إنه ما من مثقف إلاّ يؤيد في المطلق إلغاء الطائفية السياسية في الأنظمة الديموقراطية. ولكنني أتدارك ان أقل ما يستوجب البحث فيه هو الواقع الاجتماعي والديموغرافي في لبنان، وهذا البحث يوصلنا حتماً إلى القول إن تطبيق هذه المادة في مجتمع أحزابه السياسية أصبحت كلها لسوء الحظ أحزاباً طائفية يستوجب التروي في إقرارها. إذاً، إلغاء الطائفية في هذا الوضع سيؤدي حتماً إلى تغليب طائفة تتشكل من غالبية عددية تفوق غيرها من الطوائف، وعندها سنقع في فتنة أخرى. ويذكرنا هذا الوضع بقول للخليفة عمر بن الخطاب «الوالي الجائر خير من الفتنة والكل شر وفي بعض الشر خيار». ولو سلمنا جدلاً، وأنا سياسي علماني، أنه من الخير إلغاء الطائفية، فهذا الأمر لا يتم على مراحل بل دفعة واحدة، ومثلنا هنا مثل فرنسا في أول اعتمادها القوانين الدستورية التي تسمى دستور الجمهورية الثالثة، فالمجلس النيابي الفرنسي بلسان النائب المشهور غوبيتان قرر فصل الدين عن الدولة على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وهذا لا نراه ممكناً في وضعنا الحالي في لبنان.
* يعكس النقاش الدائر حول إلغاء الطائفية السياسية تزايد عجز النظام السياسي الراهن. في رأيك هل «اتفاق الطائف» جاء ناقصاً في بعض جوانبه لجهة تأمين صيغة ملائمة لكل الأطراف المتنازعين؟
- العلة أكثر مما هي في النصوص، تكمن في نفوذ الساسة. فالسياسيون اليوم في لبنان ليسوا على مستوى المواطنية المجردة الصحيحة، كما أنهم ليسوا على مستوى مفاهيم النظام الديموقراطي، وأتدارك لأقول ان النظام اللبناني وتطبيقه على عيبوبه يبقى أفضل بكثير من أي نظام مطبق في البلدان العربية من المحيط إلى الخليج، مع الاقتناع بأن نظام الكويت، هو النظام الوحيد الذي أظهر رغبة في السير على طريق الديموقراطية الصحيحة.
دكاش: محاولة لحجب الرأي العام عن الانقسام
في قراءة تاريخية، يجري بيار دكاش مقارنة بين الأجواء التي رافقت طرح إلغاء الطائفية السياسية في منتصف السبعينات واوائل التسعينات بعد ولادة دستور 1989، ويشدد على أهمية التفريق بين الطائفية وإلغاء الطائفية السياسية لما لها من وقع لجهة إفقاد لبنان توازنه الميثاقي، مؤكدا أن طرح (المادة 95) اليوم لا ينسجم مع ما تمر به البلاد من انقسام بين قادتها.
*كنت من بين الشخصيات السياسية المشاركة في «مؤتمر الطائف» الذي عقد في السعودية العام 1989، وقبل صوغ الدستور جرت مناقشات حول العديد من القضايا. اليوم، يطرح رئيس المجلس النيابي مسألة تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. كيف يمكن أن تصف الجدل الذي دار بين القادة اللبنانيين آنذاك حول (المادة 95) وأبرز الجهات التي عارضته؟
-في البداية، لابد من تحديد الإطار التاريخي الذي أوصلنا إلى «اتفاق الطائف». آنذاك دُعي كل النواب إلى الطائف بعدما أصبح لبنان كتلة من النار الملتهبة بفعل الحرب العبثية التي دارت رحاها على أرض الوطن. فالقتال الأول نشب بين فريق من اللبنانيين، وتحديداً المسيحيون والأخوة الفلسطينيون الذين استضافهم لبنان، ثم انتقلت الحرب إلى سائر الطوائف في ما بينها، حتى وصلت في نهاية المطاف إلى حروب إلغائية في الطائفة الواحدة لا بل في الصف الواحد. ولما عجز العالم عن إيقاف الحرب ألقيت الكرة الملتهبة في ملعب جامعة الدول العربية، التي ألقتها بدورها، بسبب انقسامها، في ملعب المجلس النيابي، الذي عجز عن الخروج بنتيجة. ثم لبّى فريق كبير من أعضاء المجلس النيابي الدعوة للقاء في مدينة الطائف لإيجاد الحل الإنقاذي للبنان، ويمكن أن نقسم اللقاء في السعودية إلى ثلاث مراحل: الأولى، اللقاء والعناق بين الأخوة، الثانية، سوق عكاظ والتباري في الخطب الرنانة، والأدب الرفيع، واللغة المميزة ما دفع الأمير سعود الفيصل إلى مدح المغفور له النائب خاتشيك بابيكيان قائلاً: «واللهِ إن هذا الأرمني يتقن اللغة العربية أفضل من بني قحطان». أما المرحلة الثالثة فهي الإصلاحات السياسية. وهنا أريد أن أؤكد للقارئ حقيقة لم تعرف بعد، هي أننا لم نجتمع هناك كمجلس نيابي كامل، إنما كفريق عمل من اللبنانيين تداعوا في ما بينهم ولبوا النداء. ولو كان غير ذلك لكان اجتماعنا باطلاً، لأن المجلس يجب أن يجتمع في مقره في لبنان وتسقط عنه الصفة التمثيلية إذا اجتمع خارج قبة البرلمان. في ذلك الوقت، تمّ الاتفاق على أن نعالج موضوع الانسحابات السورية والإسرائيلية، ثم ننتقل إلى الإصلاح السياسي. وبخصوص إلغاء الطائفية فقد اقر الموضوع في اللقاءات، وبدأ النقاش وطال، وتقلبت الآراء، وتبدلت بين مؤيد ورافض، حتى توصلنا إلى تبديل إلغاء الطائفية بإلغاء الطائفية السياسية. وقد شدد على ذلك الأستاذ زاهر الخطيب، والشيخ توفيق عساف. وهذه المسألة تعود جذورها إلى العام 1976 عندما تشكلت هيئة الحوار الوطني في عهد الرئيس سليمان فرنجية بالتفاهم بين المبعوثين السوريين حكمت الشهابي، وعبد الحليم خدام، وتمت الاجتماعات برئاسة المغفور له رشيد كرامي وضمت صائب سلام، وعبد الله اليافي، وعادل عسيران، وكمال جنبلاط، وكميل شمعون، وبيار الجميّل، وريمون اده، وإدمون رزق، وغيرهم. ووفقاً لشهادة رزق الذي خوُّل طرح إلغاء الطائفية برمتها في الهيئة، وافق الجميع عليها، ولكن في اليوم التالي لم يبق من الموافقين على تنفيذ هذا الاقتراح سوى إنعام رعد، ونقولا الفرزلي. وبصرف النظر عن الظروف التاريخية التي واكبت هذا المطلب، فإن طرح إلغاء الطائفية السياسية يعني إلغاء المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وهذه المسألة خطيرة بالنسبة إلى الكيان اللبناني المؤسس على التفاهم والميثاق بين أبنائه. وفي رأيي لو لم يؤيد المسلمون إلغاء الطائفية لما حصل الطائف ولما توقفت الحرب. ورغم أن هذا المطلب جاء في (المادة 95) وهو مطلب قانوني ودستوري، إلا أنه لا يتناسب مع التوقيت ومع هذه المرحلة، فالبلاد غارقة في الطائفية حتى العظم، وربما يأتي طرح رئيس المجلس لإشغال الناس به بهدف حجب الرأي العام عن حدة الانقسام المريع بين القوى السياسية المتناحرة. وأتصور أن دولة الرئيس يشاركني في الرأي انسجاماً مع قول شاعرنا المشهور عمر بن أبي ربيعة «إذا جئت فامنح طرف عينك غيرنا، لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر».
* إلغاء الطائفية السياسية يتطلب فترة من الإعداد على مستوى المؤسسات الدستورية المعنية. هل يمكن الشروع في تطبيق ما طالب به الرئيس نبيه بري في ظل غياب الثقة ولو ضمنا بين الطوائف؟
- مسألة عدم الثقة التي أشرت اليها موجودة بقوة لأسباب بحت سياسية، لذلك فإن هذا الطرح يتطلب تدقيقاً طويلاً ويشترط الحفاظ على مكونات المجتمع اللبناني. وإذا لم تتحقق الظروف المؤاتية، فالأمر سيؤدي الى عدم التوازن وردود فعل لا تحمد عقباها، قد تدخلنا في دائرة عنف جديدة لن تكون من مصلحة الوطن ولا المواطن. لذلك لابد من أخذ هذا الطرح على روحيته، عبر فتح باب التعديلات الدستورية اللازمة التي ظهرت عيوبها في مرحلة تطبيق نصوص «الطائف»، الذي كان من أول شروطه ضرورة تطبيقه نصاً وروحاً، ولكن بكل أسف لم تكن أخطاء «الطائف» في النصوص بل في النفوس أيضاً.
رزق: إلغاء الطائفية طرح بري يهدف إلى تحويل المسيحيين أهل ذمة
يؤكد إدمون رزق أن إثارة الرئيس نبيه بري لإلغاء الطائفية السياسية ينطلق من حال مذهبية وفئوية بغية التهويل على المسيحيين وتحويلهم الى ذمة، مطالباً رئيس المجلس بقراءة صحيحة للدستور. أما تطبيق العلمانية في لبنان فيراه مستحيلاً بسبب التعددية المذهبية فيه.
* طرح الرئيس نبيه بري حول الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية يتقاطع مع قلق يعتري الطائفة المسيحية لجهة دورها السياسي وفاعليته على مستوى صنع القرار. ما أبرز العوامل التي دفعته إلى إثارة هذه المسألة في الوقت الراهن، ولماذا يجمع القادة المسيحيون على رفض هذا الاقتراح؟
- ينطلق طرح نبيه بري من حال مذهبية حادة ومن توقيت تكتيكي يُثير حوله الشكوك والشبهات، والطرح في رأيي ملتبس لأنه يتجاهل نص (المادة 95) من الدستور اللبناني حيث ورد «تحديد مهمة الهيئة الوطنية بما يأتي: دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية السياسية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية». فالمطلوب بوضوح هو التوصل إلى إلغاء الطائفية أولاً، ومن ثم الطائفية السياسية، وهذا يتطلب في الدرجة الأولى خطوات عملية قائمة على بناء المجتمع المدني أو العلماني. لذلك فإن إقتراح بري يبدو عجولاً واستباقياً بهدف سياسي فئوي، هو التهويل على الشريك المسيحي بنزع حقوقه في المشاركة والمناصفة التي تشكل ضمانات للعيش المشترك. وتحت شعار تطبيق «اتفاق الطائف»، فإن الاقتراح وظروف توقيته يناقض تماماً روح الدستور، وهذا ما أعلنه «لقاء الوثيقة والدستور» الذي يضم العدد الأوفر والمتبقي من النواب والوزراء السابقين الذين شاركوا في «مؤتمر الطائف». إذاً، من الواضح أن الغاية المبطنة لرئيس المجلس سياسية ومذهبية بكل معنى الكلمة وتتعارض مع نص الدستور. إن «اتفاق الطائف» كلٌ لا يتجزأ، ولابد قبل الوصول إلى موضوع الطائفية المرور ببنود أساسية لا تزال بعيدة من التطبيق إن لم نقل مستحيلة. وهنا أقول لا يمكن البدء بنزع الحقوق الضامنة للشراكة ما دام هناك شريك مسلح يستقوي بسلاحه، ويرفض تطبيق الشق المتعلق بحصرية السلاح للدولة. فقبل التهويل على المسيحيين بنزع حقوقهم وتقليص مشاركتهم في السلطة، على رئيس المجلس النيابي العمل على تنفيذ البند المتعلق بحل كل الميليشيات والتنظيمات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية، وتسليم سلاحها للدولة كي يتاح لها بسط سيادتها على كامل أراضيها. التلويح بإلغاء الطائفية السياسية له مدلول واحد، تهديد مبطن للمسيحيين، في حين أن الغاية من هذا البند الذي أقره الدستور تحمل بعداً حضارياً، هو العبور إلى المجتمع العلماني. فلا بديل من الشراكة إلا الوحدة، وما دام لبنان متعدد الطوائف والمذاهب فلا يمكن أن يجد وحدته إلا عبر العلمنة، وهذا هدف حضاري وإن كان متعذر التحقيق إلى حد الاستحالة، لأن الأنظمة التي تفصل بين الدين والدولة مطبقة داخل البيئات ذات الدين الواحد كما هي الحال في الغرب. وقد عرف الشرق نموذجاً واحداً تمثل في تركيا ذات الديانة الواحدة أيضاً. من هنا، فإن الكيان التعددي مثل لبنان لا يمكن أن يعبْر إلى العلمانية إلا عبر تنشئة وطنية موحدة، وإقرار قانون واحد للأحوال الشخصية تغلب فيه الحرية الفردية وحقوق الإنسان التي أقرها الإعلان العالمي في الأمم المتحدة. وطبعاً، المواجهة الحازمة التي صدرت عن المسيحيين على طرح الرئيس بري مردها إلى الشعور بالتهديد البنيوي للشراكة الاسلامية المسيحية في لبنان. وهنا أتساءل: هل للمسلمين مصلحة في إلغاء طبيعة الكيان اللبناني؟ الإسلام سيكون المتضرر الأول من زعزعة هذا الكيان لأنه المكان الوحيد المؤهل في العالم اليوم ليكون مثالاً لحوار الثقافات وتفاعل الحضارات من دون تصادم وصراع.
* معضلة لبنان مع الطائفية قديمة العهد، وقد أدخلته في حال من الصراع الأهلي المتكررة. كيف يمكن الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية اليوم ما دامت مؤثرات الاقتتال الطائفي ما زالت كامنة بين الفئات اللبنانية المتعددة؟
- كان ليّ دور شخصي في لجنة صوغ الدستور، وفي أول حكومة بعد «الطائف» توليت وزارة العدل، وكلفني مجلس الوزراء إعداد مشروع التعديلات الدستورية، وحرصت في (المادة 95) لدى الكلام على تشكيل الهيئة الوطنية تحديد مهمتها حرفياً بأنها دراسة الطرق الكفيلة الغاء الطائفية برمتها واقتراحها، لأن إلغاء الطائفية السياسية يمر حتماً بإلغائها أساساً. فلا يمكن في مجتمع طائفي تعددي إقصاء حقوق شريك أساسي في الكيان. كما حرصت خلال جلسات «الطائف»، ثم لدى وضع التعديلات الدستورية، على شرط الكفاءة والاختصاص مقياساً وشرطاً لتولي الوظائف العامة. وبكل أسف فإن الحكومات المتعاقبة بعد حكومتنا الأولى (1989-1990) اعتمدت المحسوبية والمذهبية، وجعلت الوظائف حكراً على الطوائف رغم نص الدستور القائل «دون تخصيص أي وظيفة لأي طائفة». إن اعتماد الكفاءة من شأنه وحده رفع مستوى الإدارة، ففي كل طائفة أشخاص مؤهلون، لكن وبكل أسف طغى معيار المذهبية، والسيد نبيه بري كان على امتداد ربع قرن شريكاً أساسياً في السلطة، وقد ساهمت ممارسته الشخصية في الحؤول دون تطبيق «اتفاق الطائف» نصاً وروحاً، وإذ به يحاول اليوم الظهور كمن يطالب بتطبيق الدستور. عندما كنا في الطائف كان هناك ضغوط كبيرة علينا، بسبب الحال في لبنان والحروب القائمة والاحتلالات، لذلك فإن بعض بنود «الطائف» صيغت تحت وطأة هذه الظروف غير الطبيعية. لقد تبين جلياً أن بلداً تعددياً مثل لبنان لا يمكن أن يبدأ بإلغاء الطائفية السياسية في السلطة والوظائف في شكل فجائي، لأن ذلك يعرض عقد الشراكة الوطنية إلى الانفراط والانهيار، ويفجر الحرب الأهلية من جديد خصوصاً أن بعض الطوائف يشعر بأن حقوقه مهدورة، كل ذلك وسط أجواء إقليمية مضطربة، وصراع ديني تبدو ملامحه واضحة في الشرق الأوسط وسينعكس حتماً على لبنان.
•يشترط الدستور أن إلغاء الطائفية السياسية يستوجب الاعتماد على خطة مرحلية، والواقع يشير إلى عكس ذلك، إذ لم تتخذ أي إجراءات بغية التمهيد لتحقيق ذلك. في رأيك هل يمكن الحديث عن تطبيق (المادة 95) في ظل غياب الآلية التمهيدية لتنفيذها؟
-في البداية أدعو الرئيس نبيه بري إلى قراءة صحيحة لـ «اتفاق الطائف». أما بالنسبة إلى الشروط الأساسية لإلغاء الطائفية السياسية فهي تتطلب تجهيز الأرضية الصالحة لقيامها عبر إقرار قانون الاحوال الشخصية الموحد، ووضع كتاب تاريخ موحد، وتنفيذ اللا مركزية الإدارية الموسعة، والاعتماد على تنشئة وطنية. هذه الآليات تحتاج طبعاً إلى أهل الاختصاص والعلم من علماء الاجتماع والقانون على غرار ما حصل في فرنسا إثر تفاقم الاضطرابات في ضواحي باريس، فقد شكلت لجنة لدراسة العوامل المؤدية إلى حصول هذه الظاهرة. هناك ظواهر في المجتمعات في حاجة إلى دراسة علمية، وهناك مجتمعات تشكل ظاهرة في ذاتها، لا يمكن معالجتها بالتسييس، خصوصاً أن خطة توظيف الدين على قدم وساق في لبنان، الأمر الذي ينتج ردود فعل تؤدي إلى مزيد من تمزيق الوطن وتهديد وحدته.
لاشك أن إلغاء الطائفية السياسية قد يتأثر بالميول المذهبية ويعوق تشكيل قوى جديدة بعيدة من مؤثرات الزعامات الراهنة. وبالعودة إلى طرح الرئيس بري أسأله: هل يجرؤ على المطالبة بالعلمانية؟ إذا كان لا يمكنه ذلك فهذا يعني أنه يريد نزع الحقوق التي تشكل ضمانات للمسيحيين، يريد أن يلغي شراكتهم في السلطة لتحويلهم أهل ذمة، وكل القوى في الأرض لا يمكنها إلغاء دورهم في لبنان والمشرق رغم الاضطهاد الذي يتعرضون له. واعتقد أن الدول العربية الشقيقة الحريصة على الانتماء الحضاري، هي أحرص على لبنان من بعض أبنائه الطامعين بالاستيلاء على إرث إخوانهم.
الحلبي: المسيحيون لم يتوحدوا كما هم اليوم ضد إلغاء الطائفية السياسية
يؤكد عباس الحلبي أن المسيحيين ليسوا وحدهم ضد إلغاء الطائفية السياسية في هذه المرحلة، مشدداً على أهمية توفير الأجواء المناسبة قبل تنفيذ (المادة 95) ومطالباً بتوفير الضمانات للطوائف والبدء بتنفيذ قانون الأحوال الشخصية المدني. ويقول إن «حضور المسيحيين حاجة للبنان وللمنطقة العربية للحفاظ على التنوع الحضاري».
* الحديث حول تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية دفع بعض من يمثل الطوائف المسيحية إلى رفض هذا الطرح المقدم من رئيس المجلس لأنه يهدد التعايش الإسلامي - المسيحي في لبنان. ما رأيكم في ذلك، وهل بنية المجتمع اللبناني بما تحويه من تعدد مذهبي قابلة لتطبيق أولى خطوات العلمانية؟
-الرئيس نبيه بري طالب بتشكيل الهيئة الوطنية بغية التمهيد لإلغاء الطائفية السياسية، وأراد بهذا الطرح تجاوز الحال الطائفية وهو أمر منصوص عليه في الدستور وفقاً لـ (المادة 95). رد الفعل في رأيي هو معركة استباقية ضد ما تقدم به بري، ما يعكس شعور عدم الثقة بين كل الطوائف نتيجة ضعف الدولة ومؤسساتها وغياب المجتمع المدني. والمسيحيون ليسوا وحدهم ضد الغاء الطائفية السياسية في هذه المرحلة، بل هناك فئات أخرى من بينها الدروز، وبالتالي فإن التمهيد لتطبيق هذا المشروع يحتاج إلى السبل الآيلة لتجاوز الحال الراهنة، عبر إرساء برنامج تربوي واجتماعي وثقافي، على أن تتم هذه الاجراءات على مراحل متعاقبة قد تستغرق عشرين إلى ثلاثين عاما. وفي ما يتعلق بالنظام العلماني ومدى قابلية البنية المجتمعية اللبنانية حياله، فالمطلوب أولاً وضع المقومات الأساسية لقيام الدولة، واعتبار اللبنانيين مواطنين لا أفراداً في الطوائف. وشروط المواطنَة تتطلب المساواة في الحقوق والواجبات لا كما هي الحال حالياً من تمييز وتفريق بين الناس وفق انتمائهم الديني لاسيما في موضوع الأحوال الشخصية، الذي يفترض أن يصبح قانوناً مدنياً اختيارياً.
*أقر الدستور إلغاء الطائفية السياسية لأنها كانت السبب الأهم للحرب الأهلية. في ظل التوتر الذي تعيشه الجماعات الدينية في لبنان، كيف يمكن تنفيذ هذا البند؟
- كثير من القوى المعارضة لطرح الرئيس نبيه بري ترى أن الوقت غير مناسب باعتبار أن جميع الطوائف قلقة على مصيرها، وبالنظر إلى حجم المخاطر المحيطة بلبنان إقليمياً وتأثيراتها في ما نسميه الجماعات الدينية، من الضروري أولاً توفير فرص التوافق ووضع الآليات التي من شأنها التخفيف من حدة التوتر الطائفي. هذه المسألة ممر إلزامي لتطبيق إلغاء الطائفية السياسية. أما إذا بقي الأمر على هذا النحو من التعبير وأسلوب التعامل وعدم تحديد الوسائل لتحقيق هذا الهدف، فإن إنشاء الهيئة الوطنية لن يكون في منأى عن السحب من التداول، لأنه لا يمكن فرض أي مشروع على قوى سياسية تعارضه، مع الإشارة الى أن المسيحيين لم يتوحدوا منذ أكثر من ثلاثين عاما كما توحدوا اليوم في مواجهة إقرار هذا الطرح.
