"المؤتمر التأسيسي" يتقدم على وقع تعطيل المؤسسات

النوع: 

قيل

لم يعد "المؤتمر التأسيسي" مجرد فكرة أول من طرحها أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله وتم التداول بها همساَ ثم تلويحاَ، بل أصبحت تهويلا يطلق بصوت عال ومن دون مواربة. وهي تقوم على السعي لعقد مؤتمر من أجل اعادة النظر بالدستور الناتج عن "اتفاق الطائف" (1989) بعد حرب مدمرة كلفت لبنان واللبنانيين نحو مئتي ألف قتيل. أي اعداة النظر بالتركيبة السياسية والتوازنات (الطائفية) القائمة حاليا على المناصفة، والتي يحكمها في النهاية العامل الديموغرافي. تحولت "الفكرة" على ما يبدو الى واقع، وها هي تسلك طريقها على وقع اشتداد التأزم السياسي وانسداد أفق الحلول على مختلف المستويات، الدستورية (قانون الانتخاب) والاقليمية (الازمة السورية) والاقتصادية الاجتماعية (الموازنة وسلسلة الرتب والرواتب). أما وعود "التغيير والاصلاح" ومحاربة الفساد التي أطلقها العهد الجديد، فهي تراوح مكانها منذ خمسة أشهر، ما عدا كل ما يخص المحاصصة وتقاسم السلطة.

وفي خضم الجدل القائم منذ ثلاثة أشهر حول قانون الانتخاب، والمناورات التي تحاك من ورائه، تبدو المراوحة (عن قصد؟) سيدة الموقف في عدم التوصل الى أي مخرج حتى الآن رغم انقضاء المهل الدستورية. ويرتكز النقاش أساسا على صيغ يسحبها وزير الخارجية ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل من جيبه كل اسبوع ويضعها في التداول للاستهلاك ولتخدير الحياة السياسية، فيما رئيس الحكومة سعد الحريري والوزراء غائبون عن السمع كمجلس وزراء. علما ان ذلك من مهمة وصلاحية الأخير الذي عليه صياغة مشروع قانون واحالته على مجلس النواب لمناقشته واقراره.

واللافت في الأمر ان هذه اللعبة محصورة عمليا بأطراف "التحالف الرباعي" (عون-الحريري-بري-نصرالله) الذين يتداولون في "الصيغ الباسيلية"، فيعدلون ويضيفون ويحذفون، ثم يسقطونها واحدة تلو الأخرى. فيما الآخرون، وتحديدا أقطاب الصف الثاني والثالث يحتجون أو يتذمرون أو يحردون، كل حسب حجمه وطاقته. فيما الرأي العام يشمئز، والشارع يتململ ويحتج على مضض، فتحضر المسكنات (وعود الحريري بقانون انتخاب وبري بالسلسلة خلال منتصف نيسان). فيما رئيس الجمهورية ميشال عون يستقبل وفود من مختلف المناطق، ويلتقي قطاعات اقتصادية واجتماعية وأصحاب حقوق ومطالب، فيغدق عليهم الوعود، و... يعلق الأوسمة.    

 فالى متى سيستمر هذا الاداء اللامسؤول واللعب بعقول الناس؟ أم ان الأجواء لم تنضج بعد ولم تمهد بما فيه الكفاية الطريق أمام "المؤتمر التأسيسي؟ فهذا وزير المهجرين الحالي وأحد أقطاب "الممانعة" المير طلال ارسلان يتقدم ويخرج الى العلن مطالبا صراحة بعقد "المؤتمر التأسيسي" الموعود لاعادة النظر بالدستور. ويرد فورا على منتقديه ب"تغريدة" قائلا: "الهيئة ان تسميتنا لعقد مؤتمر تأسيسي أزعجت البعض لذلك نقول لهم سموه ما تشاؤون والمهم الدعوة الى حوار وطني عام للبحث في تطبيق الدستور بكل مواده" (أي تعديله).

والواضح ان دافع ارسلان لتبني الفكرة ليس فقط الشعور بشيء من "الغبن" والحاجة الى دور فاعل درزياَ ووطنياَ (يصر على الرئاسة الدرزية لمجلس الشيوخ). فهو عمليا يرأس حزبا هو ممثله الوحيد في البرلمان عبر مقعد يحفظه له وليد جنبلاط على اللائحة التي يدعمها في عاليه. وهذا الأمر ليس طارئاَ، ولكن الجديد ان هناك اليوم طرفاَ سياسيا نافذا ويمتلك الكثير من عناصر الضغط والتأثير، هو "حزب الله" حليف ارسلان وصاحب فكرة "المؤتمر التأسيسي" والساعي لها بأناة ومثابرة تشبه "حياكة السجاد الايراني". وهناك أكثر من مثيل لارسلان يشعر بالغبن في هذه الطائفة أو تلك، سنياَ وكاثوليكياَ وعلويا ً وو... فيصبح المير بمثابة "كاسحة ألغام" لمشروع "حزب الله".

وبهذا المعنى، وفي ظل النظام القائم على التمثيل والتحاصص الطائفيين، يصبح اعتماد قانون انتخابي قائم على النسبية حق يراد به باطل. اذ ان الحجة المعلنة لتمثيل كل شرائح المجتمع، وتحديدا الاقليات السياسية (والطائفية)، تؤدي عمليا الى الامعان في شرذمة الحياة السياسية وتعميق الشعور الطائفي والمذهبي. وهذا أحد أهم الأهداف الأساسية لفكرة "المؤتمر التأسيسي" الذي سيجعل البلد أشبه بغابة تعج فيها قبائل ومذاهب وملل، الغلبة فيها للقوي (القابض على طائفته والمدجج بالسلاح)، وتجعل من لبنان بلدا غير قابل لأي شكل من أشكال الحكم والادارة.

من هذا المنطلق، واعتمادا على هذا التكتيك في القضم التدريجي، تمكن "حزب الله" بصبره وطول نفسه، وبعد سنتين ونصف السنة من الفراغ، من فرض عون رئيسا الجمهورية. وها هو اليوم يعمل بالخطة نفسها على فرض النسبية في قانون الانتخاب، على أساس طائفي بطبيعة الحال. ما يمكنه أيضا من ترجيح فوز عدد من المقاعد لدى الطوائف الأخرى بفعل ربط الصوت الترجيحي بالقضاء في الدوائر المختلطة، سعيا للحصول أو التحكم بأكثرية نيابية مرتهنة لقراره وسياسته. وسيحصل على النسبية بهمة سعد الحريري الذي يتجه الى السير بها كما سار صاغرا نحو دعم عون للرئاسة.

وهكذا، كما في الرئاسة، كذلك في قانون الانتخاب، تعبيدا تدريجيا للطريق نحو "المؤتمر التأسيسي".

بعض الأصوات ارتفعت محذرة من هذا المنحى الخطير. النائب بطرس حرب يشدد على ان انقضاء المهل الدستورية سيؤدي الى فراغ دستوري خطير يصبح الخروج منه "اللجوء الى مؤتمر تأسيسي حول نظام سياسي ودستوري بديل للنظام الذي أسقطوه عمدا أو غباء، وهذا ما قد يفتح أبواب جهنم على لبنان واللبنانيين". وهنا يتساءل عن "مدى إنسجام موقف رئيس الجمهورية مع قسمه الدستوري باحترام دستور الأمة وقوانينها، وعن البدائل التي يطرحها". ويرفض حرب ان يصدق انه "يمكن لرئيس الجمهورية أن يحنث بقسمه أو أن يكون راغبا في الإطاحة بالنظام السياسي الحالي وبوثيقة الوفاق الوطني". ويدعو الحكومة فورا الى وضع قانون انتخاب جديد أو الاستقالة.

 نائب آخر فؤاد السعد يعرب عن "خشيته من أن يكون البعض قد شاء عن قصد أو عن غير قصد إهداء "حزب الله" والطامحين معه الى المؤتمر التأسيسي، فرصة ذهبية للانقلاب على "اتفاق الطائف" وتحقيق هذا المأرب السوري-الإيراني". ودعا رئيس المجلس نبيه بري الى إعلان "حالة طوارىء نيابية لا يخرج فيها النواب من المجلس إلا وبيدهم قانون انتخاب جديد يراعي خصوصية الجميع وتطمئن اليه كافة القوى السياسية، والا فإنه خطر الانزلاق الى المحظور".أي محظور؟ وما هو الثمن؟ وهل يتحمل لبنان مغامرات جديدة بعد؟

هل من مجيب، أم انها أصوات في البرية؟! 

الكاتب: 
سعد كيوان
التاريخ: 
الجمعة, مارس 24, 2017
ملخص: 
في ظل النظام القائم على التمثيل والتحاصص الطائفيين، يصبح اعتماد قانون انتخابي قائم على النسبية حق يراد به باطل. اذ ان الحجة المعلنة لتمثيل كل شرائح المجتمع، وتحديدا الاقليات السياسية (والطائفية)، تؤدي عمليا الى الامعان في شرذمة الحياة السياسية وتعميق الش