حزب الله... القفز فوق الوطن
حزب الله هو ظاهرة حديثة بكل المقاييس، وعلى الرغم من اعتماده إيديولوجية تستمد جزءاً مهما من مكوناتها من عقيدة ومذهب ديني يرجع تاريخه إلى عدة مئات من السنين تسبق الحداثة وعصرها، بل إنها تنتمي إلى زمن كانت فيه الحداثة علامة على الهرطقة، وربما مرادفا لها، إلا أن نشوء وتكون حزب الله يعبر ويعكس ظواهر لم تكن موجودة قبل عقود قليلة مضت، وأولى هذه الظواهر هو التغيرات التي طرأت على الوعي الشيعي بفعل الحداثة. لقد كان شيعة المشرق –وعبر قرون طويلة- من بين الفئات المهمشة في ظل دول وإمبراطوريات حكمت باسم الإسلام السني واتخذت منه عقيدة لها، وقد استمر هذا الحال في مرحلة ما بعد تفكك الدولة العثمانية، ونشوء الدول الوطنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
بحكم الطبيعة التعددية للمجتمع اللبناني، فإن الانتماء الديني يميل لأن يأخذ سمة طائفية، بحيث يصبح التدين تعبيراً عن هوية اجتماعية وسياسية، أكثر منه تعبيرا عن إيمان روحي والتزام بممارسة شعائر دينية، وعادة ما يكون الالتزام بممارسة الشعائر الدينية فقط بالقدر وفي الحدود التي تضمن تأكيد الهوية وتعزيز تضامن الجماعة. وفي الوتق نفسه فإن الجماعة الطائفية عادة ما تميل لقبول أبنائها ودمجهم فيها، بغض النظر عن مستوى التزامهم الديني، ففي الكثرة قوة، وفي التضامن بين أبناء الطائفة -بغض النظر عن معتقداتهم واتجاهاتهم- حماية وتعزيزاً لمصالحهم المشتركة.
إن التعرف على هذه السمات للهوية الطائفية له أهمية كبرى، فهو يجنبنا الوقوع في خطأ المطابقة بين الهوية الطائفية والانتماء الديني والتدين، فالطائفية ظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة دينية. وإذا كان للطائفية من ميزة، فإنها تنبع من روحية التعددية والتسامح التي تميز العلاقات داخل الطائفة، فلكل أبناء الطائفة مكان فيها، ولهم عليها حق الحماية والتضامن، بغض النظر عن التباين في اتجاهاتهم، بما في ذلك تباين موقفهم من الدين أو المذهب المميز للطائفة.
الطائفية، إذن، لا تتطلب أكثر من ولاء عام للطائفة، وهو الولاء الذي لا يكون الفرد مطالبا بإظهاره طوال الوقت، ولكنه يكون متوقعا منه في لحظات الحشد والمنافسات السياسية الطائفية، كما أنها لا تفرض على أفرادها تطابقا في كل مناحي الحياة والعيش، فهي ليست تنظيما شموليا للحياة والسياسة والمجتمع. وفي ظروف التعددية والتعايش الطائفي، فإن التعددية والتسامح المعهودين داخل الطائفة مع أنماط متنوعة للحياة، وإتاحة الفرصة للأفراد للاختيار الحر لأنماط حياتهم وتفضيلاتهم، كل هذا يساهم في خلق مجال عام مشترك، يلتقي فيه أبناء الطوائف المختلفة، ويسمح بتكوين مجتمع مدني وطني، بينما ينحصر أثر الطائفية في ركن محدود من المجال العام، وهو الجزء المسمى بالمجال السياسي الذي يظل طائفيا، وسيبقى كذلك في لبنان حتى إشعار آخر.
لقد دفع الاضطراب وانعدام الأمن في جنوب لبنان آلافا من المواطنين الشيعة إلى الحواضر اللبنانية، خاصة إلى ضاحية بيروت الجنوبية التي بدأت في التشكل واكتساب طابع شيعي متزايد منذ الخمسينيات. وبينما كانت الموجات الأولى من الهجرة الشيعية لبيروت مدفوعة بعوامل اقتصادية واجتماعية جعلت من شيعة بيروت بيئة مستقبلة للأفكار اليسارية والقومية الراديكالية، فإن الموجات التالية من الهجرة، والتي تميزت بالقسرية، جاءت محملة بمشاعر معادية لأفكار اليسار والقوميين الراديكاليين العلمانيين، بسبب تحالف الأخيرين مع المقاومين الفلسطينيين في جنوب لبنان، واعتبارهم من جانب المواطنين الشيعة شركاء في تحمل المسئولية عما لحق بالاقتصاد والمجتمع الشيعي في الجنوب من أذى نتيجة مغامرات استدعاء العدوان الإسرائيلي.
لم يكن ظهور حزب الله في لبنان بإيديولوجية وأولويات وتبعية إيرانية معلنة بمثابة الصدمة للمجتمع السياسي اللبناني، الذي اعتاد ارتباط بعض أطرافه بجهات خارجية والتزامه بأولوياتها، منذ تمرد بعض الأطراف على مشروع لبنان الكبير، مرورا بأنصار القومية العربية في الخمسينيات والستينيات، وصولا إلى مرحلة الذروة عندما تحالفت قوى لبنانية مع المقاومة الفلسطينية ضد أطراف إقليمية وشركاء أصلاء في الوطن. لهذا كان حزب الله ومشروعه امتدادا لنمط استقر في السياسة اللبنانية.
غير أن حزب الله، وإن كان امتدادا لنمط متكرر في السياسة اللبنانية، مثّل وأضاف الجديد، أو بعبارة أكثر دقة فإنه مثل تطورا كيفيا في علاقة الداخل اللبناني بالخارج الإقليمي والدولي، لأسباب أهمها:
1. أن الحزب تبنى برنامجاً لمقاومة إسرائيل، عندما كانت الأخيرة قوة احتلال فعلي على الأرض اللبنانية، الأمر الذي وفّر للحزب غطاء من الشرعية الوطنية، أتاح له إسكات خصومه والمتشككين فيه، بعد أن نافسهم على حجة الوطنية التي مثلت الأساس الأخلاقي والإيديولوجي لهم.
2. أن الحزب تأسس في ظل ظروف حرب أهلية واحتلالات وتدخلات أجنبية صريحة، الأمر الذي أتاح له فسحة كافية من الوقت لتثبيت مواقعه وتنظيم هياكله، دون أن يخضع لآليات التوازن السياسية والدستورية والطائفية، التي تعمل بدرجة من الكفاءة في الظروف الطبيعية، بحيث إنه عندما عادت هذه الآليات للعمل بعد تأسيس الحزب بحوالي عقد من الزمان، كان وجود الحزب/المقاومة هو أحد الوقائع المستجدة، التي كان على الفرقاء اللبنانيين أخذها بعين الاعتبار، وإدماجها في نظامهم الجديد، فقد أعطت ترتيبات ما بعد الطائف حزب الله، باعتباره المقاومة، وضعا متميزا.
صيغة المصالحة اللبنانية التي جسدها اتفاق الطائف، على عكس الصيغ والترتيبات المشابهة في الماضي، جرى اعتمادها في ظل ضعف وإنهاك مكونات الجسد السياسي اللبناني، وفي ظل سيطرة خارجية مادية مباشرة، وهي الأوضاع التي أتاحت للمهيمن الخارجي: سوريا، وحلفائه المحليين (حزب الله)، فرصة الانفراد بتفسير بنود الطائف، وهو التفسير الذي عكس بشكل لا لبس فيه موازين القوى المتحيزة لصالح سوريا وحزب الله، أي لصالح البعد الإقليمي على حساب البعد الوطني المكونين للمعادلة اللبنانية. وجاءت خبرة اتفاق الطائف -بهذا المعنى- مغايرة للخبرات الشبيهة، التي مر بها لبنان في السابق، منذ الميثاق الوطني الذي كان لبنانيا خالصا، أو تسوية ما بعد محنة 1958 التي اكتفى فيها النفوذ الناصري بالوقوف عند الأفق، أو اتفاق القاهرة للعام 1969، والذي كان نتيجة للتفاوض بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية والدولة اللبنانية، التي وقعت على الاتفاق رغم مساوئه باعتباره أخف الشرور.
أما في الطائف فإن الدولة اللبنانية كانت قد انحلت إلى مكوناتها الطائفية التي أنهكتها الحرب، فكان الاتفاق إقليميا أكثر منه لبنانيا، وهو ما انعكس في نتائجه، خاصة فيما يتعلق بالمقاومة وسياسة لبنان الخارجية، التي باتت مرهونة للمسار والاختيارات السورية.
هناك بعدان رئيسيان للتحدي الذي يمثله حزب الله للنظام السياسي اللبناني:
الأول: يتعلق بالصفة الطائفية للحزب، أي باعتباره الممثل الأهم للطائفية الشيعية في لبنان.
الثاني: يتعلق بالبعد الإقليمي للحزب، أي بارتباطه الوثيق بالدولة الإيرانية، وبسياساتها الإقليمية والدولية، وأيضا بالإيديولوجيا التي يعتنقها، والتي تجعل منه جزءاً عضوياً من حركة وإيديولوجيا الإسلام السياسي، التي تمثل التحدي الراهن لنظام الدولة الوطنية في العالم العربي.
وتتمثل المعضلة الرئيسية التي تعترض التوصل لتسويات فعالة مع حزب الله في هذه المرحلة في تداخل الطبيعة الطائفية للحزب شديدة المحلية، والتي تضيق كثيرا عن المجال الوطني اللبناني، مع إيديولوجيته ذات الطموح الإقليمي بل والعالمي، ولن يكون من الممكن التعامل مع ظاهرة حزب الله دون التعامل مع هذين البعدين المتداخلين في الظاهرة.
المهم الآن هو أن حزب الله بات له من القوة العسكرية والتنظيمية، ومن التأييد بين الشيعة اللبنانيين ما يتيح له ممارسة القدرة على تعطيل اختيارات الآخرين، وإن لم تكن لديه القدرة على فرض إرادته عليهم، الأمر الذي وصل بلبنان إلى حالة الشلل وانسداد الآفاق السياسية الراهنة، والتي يمكن لها أن تتدهور في أي لحظة إلى مواجهات طائفية عنيفة ومكشوفة تعيد لبنان إلى أجواء الحرب الأهلية، وهو الاحتمال الذي يجب تجنبه أيا كان الثمن، وهذه هي المهمة الأكثر إلحاحا والتي لا مفر من إنجازها في المدى القريب.
