ضحايا "الطائف".. و"الطائف" الضحية: هل تعود الروح الى النصّ؟

النوع: 

قيل

ختم رئيس "حزب الكتائب اللبنانية" النائب والوزير الراحل جورج سعاده كتابه "قصتي مع الطائف" الذي أنجزه  قبل شهر ونصف من وفاته في تشرين الثاني 1998، وهو على فراش المرض، وبحبر المعاناة الذي قاسمه أوجاعه وآلامه المبرحة، بالسؤال الآتي: "هل اتفاق الطائف الذي شكل حلاً، حوّله سوء التنفيذ إلى عقدة، مما جعل البعض يصرّ على أنه كان مجرد خدعة؟".

مسكين "أبو سامر". كان ضحية "الطائف" لمرتين:

الأولى، عندما ارتضى أن يخوض مغامرة الإنقاذ بالإسهام الإيجابي في التفتيش عن صيغة دستورية تعيد ترتيب البيت اللبناني وفق أولويات وطنية مشتركة، وإصلاحات تؤسس لتوازنات ثابتة بين السلطات وترسم معالم الطريق لمستقبل آمن  ينشده اللبنانيون، بعدما قدموا على مدى خمس عشرة سنة، الكثير من العرق والدمع والدم، واختطفت الهجرة خيرة شبابهم. يومها واجه محيطاً حذراً،  مشككاً، ورافضاً لأي تسوية معتبراً انها ستكون على حسابه. وكانت أحكام هذا المحيط قاسية جداً في حقه وحق السائر في هذا الاتفاق: البطريرك الماروني عهدذاك الكاردينال نصرالله بطرس صفير. كان سعاده مقتنعاً أنه يؤدي خدمة للبنان ومسيحييه، ويعتقد أنه يحاول  تجريع المسيحيين دواء مرّ المذاق، لكنه يحمل لهم الشفاء السريع ويحد من النتائج الكارثية للانهيارات التي حلت بهم بعد حرب داخلية استنزفت قواهم… حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر.

الثانية، عندما شنّ عليه الرئيس الراحل الياس الهراوي حرباً عواناً، اختلط فيها الحقد الشخصي بالمصلحة الضيقة والاذعان لاملاءات أصحاب الحل والربط مالياً وسياسياً، ولو على حساب الطائف الذي نأى عن نصّه، فرعى الخروق وغطّاها، وبلغ به الأمر حدّ ارتكاب "جرائم" ميثاقية موصوفة، لعل أشدّها فظاعة مرسوم "التجنيس"، الذي طاول مائتي ألف وألفي مواطن غير لبناني، منهم 40 الف مسيحي فقط. وفي هذا طعنة لمبدأ المناصفة. فأي قيمة للمناصفة الدستورية اذا كان الواقع الديموغرافي على الارض الى انحدار يصعب إيقافه؟ دائما كان "المشجب" حاضراً غبّ الطلب لدى الرئيس الهراوي الذي لم يخف ندمه – في مذكراته – على الخطيئة التي ارتكب، ليس بحق طائفته فحسب، بل بحق لبنان الواحد بمسلميه ومسيحييه. لبنان الذي يميته العدد وتحييه روح الشراكة، خصوصاً ان فكرة تجنيس "عرب وادي خالد" و"أكراد بيروت" و"أبناء القرى السبع" اللبنانية قبل ان تحتلها اسرائيل، كانت مطروحة بصورة جادة منذ مؤتمري جنيف ولوزان، ولم يكن ركنا "الجبهة اللبنانية" الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل معارضين لهذا الموضوع من حيث المبدأ. لكن ما حصل في مرسوم التجنيس الصادر في العام 1994 وقبل وضع قانون الجنسية، كما نص الطائف، جاء خلافاً للتوقعات وأطاح كل المعادلات.

ليس وحده جورج سعاده من دفع ثمناً غالياً جراء اعتراضه على العديد من الامور التي كانت  تجري خلافاً للدستور والميثاق. كثر هم الذين أدّوا "الجزية". ونتيجة ذلك نشأ "طائف" بوجوه جديدة وشخصيات وافدة من أماكن لا صلة لها بالحياة السياسية، بدفع من "أبو جمال" و"أبو يعرب". أُسقط سعاده بتزوير مقنّع في انتخابات العام 1996، وحصل كذلك مع سواه من أصحاب الاصوات المعترضة في تلك الفترة، وفي فترات لاحقة. وخطيئة رئيس "الكتائب" آنذاك أنه راهن على دولة القانون والمؤسسات، وعمل  على نقل حزبه إلى رحاب الانفتاح والاعتدال بعد سنوات الحرب العجاف.

"الطائف" و"التركيبة" اللبنانية

قد يكون "الطائف" الصيغة الاكثر انطباقا على التركيبة "الجيوسياسية" للبنان. وعلى ما يبدو، فإن ما واكبه من ممارسات خاطئة، حادت به عن مضمونه الحقيقي وأهدافه الوطنية. فشاع أمر "الترويكا" بدل التكامل والتناغم بين السلطات. فتارة نجد لبنان تحت حكم  آحادي أو "مجلسي"، أو حكومة يختصرها شخص، عوضاً عن التوجه الى "الديموقراطية التشاركية" التي تسوس الامور بعدل وكفاءة. والذنب في ذلك ليس ذنب رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس النيابي أو رئيس مجلس الوزراء، لأن الطائف استخدم كـ"حمال اوجه"، وكان كل طرف ينظر إليه من زاويته الخاصة أو زاوية مصالحه الضيقة، متناسياً مصلحة الوطن. وكان ينبغي أن يتنبه القانونيون، فيعمدوا الى تقويم تجربة الطائف ونتائجه بعد مرور ولاية رئاسية ونصف على تطبيقه، أي بعد انقضاء عهد الهراوي، وهو أول رئيس للجمهورية "فعلي" بعد اقرار هذا الاتفاق (كان الرئيس الشهيد رينيه معوض هو أول رئيس بعد الطائف، إلا أنه لم يحكم بسبب اغتياله بعد نحو أسبوعين من انتخابه)، وان يصحّحوا ما ينبغي تصحيحه ويصوّبوا ما ينبغي تصويبه. لكن شيئا من ذلك لم يحصل، ما أشاع ثقافة الحذر والتربّص بين المسؤولين كافة، حتى صار واحدهم يسعى الى تكريس أعراف "يقوطب" بها على الآخر.

 الطائف يُظلَم ولا يَظلِم

يقول الرئيس حسين الحسيني إن الطائف يُظلَم ولا يَظلِم وإن الحق ليس على "الطليان" هذه  المرة، بل على سوء التطبيق، مضيفاً ان هناك مراسيم تنظيمية للاتفاق، تم التوافق عليها، ولم تسلك طريقها الى التنفيذ. والمراسيم التي كان يعول عليها ليكتمل بها عقد الطائف هي:

1 ـ وضع نظام داخلي لمجلس الوزراء يحدد طبيعة عمل المجلس، وماهية دور نائب رئيسه الارثوذكسي، خصوصاً لدى غياب رئيس الحكومة وحصول طارئ يستدعي عقد جلسة استثنائية عاجلة.

2 ـ تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وما يستتبع ذلك من بنود مرتبطة بهذا الموضوع، وفي مقدّمها إنشاء مجلس للشيوخ يراعى في انتخابه التوازن الطائفي.

3 ـ تحديد مهلة زمنية ليؤلف رئيس  مجلس الوزراء المكلف حكومته، فلا تبقى عملية التأليف من دون سقوف زمنية محددة، وإلا تقع البلاد تحت رحمة "تصريف الأعمال"، وهذا جائز لمهلة زمنية قصيرة بصلاحية محددة وضيقة.

4 ـ إلزام الوزير بمهلة زمنية محددة  للتوقيع على المراسيم الواجب أن يقترن بها توقيعه. فلا يجوز أن يكون رئيس الجمهورية مقيداً بمُهل كما نصت عليه المواد 56 و57 و58 من الدستور، فيما الوزراء في حلٍّ من هذه المهل. فالمطلوب  إذن  تعميم المهل وتوحيدها.

5 ـ وضع التشريعات اللازمة لتحقيق اللامركزية الادارية، والانماء المتوازن.

إن تحقيق هذه الامور من خلال مراسيم تنظيمية وتنفيذية، وتعديل بعض القوانين التي تضمن استقلالية القضاء، وتحرير الهيئات الرقابية، والمجالس والصناديق ووضعها، بل وإخضاعها لسلطة مجلس الوزراء مجتمعاً، من شأنهم سدّ الثُغر في الطائف وإحداث التوازن المطلوب داخل السلطة الاجرائية، وضمان تعاون متكافئ مع السلطة التشريعية. ومن دون ذلك، فإن العلاقات بين السلطات ستظل تتأرجح بين مدّ وجزر، ويغلب فيها البعد السياسي على البعد المؤسساتي. وليس من الضروري ان يكون السجال الحالي بين كل من رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي، مرشحاً للتفافم، بل قد يخبو بالسرعة نفسها التي تأجج فيها لسبب سياسي، أو بفعل وساطة.

الخوف على "الطائف".. ومنه!

الخوف على الطائف مشروع، لأنه لو طُبّق بالروحية التي وُضع فيها، لوفّر على اللبنانيين الكثير من "وجع الراس" وللبنان الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو دعامة الاستقرار الامني. والخوف أن يصبح الخوف من الطائف أمراً مشروعاً أيضاً، إذا نأى عن روحه، واستبقى النص الفارغ من أي مضمون يتجاوز منطق الأحرف  التي كتبت فيه. وهذه المعادلة القائمة على الخوف في حالتي السلب والايجاب، لا تؤسس لبناء وطن معافى معززاً بثقة أبنائه، وقدرتهم على العيش معاً من دون هواجس وشكوك.

حتى اليوم، لا أحد أعلن نيته الطلاق بـ"الثلاث" وعلى رؤوس الأشهاد مع الطائف، لانه مثبّت في "وثيقة الوفاق الوطني"، وليس من السهل اطلاقا التنكر لهذه الوثيقة التي تقوم على فلسفة "الوحدة في التنوع والتنوع في الوحدة"، في إطار تناغمٍ مجتمعي يسمح بالتفاعل الايجابي بين مكوّنات الوطن. لكن استمرار الوضع على ما هو عليه، والذي كشفت أزمة  مرسوم الاقدمية لضباط دورة العام 1994 هشاشته، من دون أن تلوح في الافق بوادر حل واضح، ينذر بما هو أشد خطراً على الصيغة. المساس بالطائف خط أحمر، ويعدّ من المحرمات، على أن كلفة أي اختلال ستكون مكلفة.

مصارحة.. وخريطة طريق؟

هذا الواقع المأزوم الذي يربك الوضع، ويبعث على القلق ـ وهو مشروع ـ يجب ألا يراوح مكانه، بل ينبغي أن يتحرك في اتجاه يتجاوز المصالحة العابرة، واللقاء الظرفي، وتقاطع المصالح السياسية والانتخابية، إلى ما هو أعمق: إلى لقاء مصارحة بين رئيس الجمهورية وكل من رئيسي مجلسي النواب والوزراء، يعقب استشارات واسعة مع جميع المعنيين، وذلك للاتفاق على خريطة طريق تكون "بروتوكول" المرحلة المقبلة، وتؤدي إلى تصويب ما يتفق على تصويبه في اتفاق الطائف، لئلا تعود البلاد من جديد إلى دائرة "الكباش" المفتوح والتجاذبات المنفلتة من أي قيد. على أن تكون المعالجة جذرية هذه المرة.  فلا مفر من المصارحة وتقديم المشتركات بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري على "الكيمياء" المفتقدة، لأنها الأهم في عملية إدارة الوطن. وإن "ألف باء" هذه المعالجة وآلياتها، تكون بوقف التصريحات والسجالات الاعلامية، والركون إلى حوار جاد يمهّد للمصارحة المطلوبة.

الطائف و"ضحاياه"

"الطائف" أسقط ضحايا على طريقه، بعضهم يستحق مرتبة "الشهيد" لأنه دفع الثمن غالياً في حياته، ورافقته ألسنة حادة وناقدة إلى القبر لأنه غامر بهذا الاتفاق وسعى إليه بكل ما امتلك من أسباب الاقناع، وذلك في الوقت الذي تَنَعّم بـ"خيراته" من لم يمتّ إليه بِصِلَة، ومن التزم موقفاً رماديا عندما كان يمرّ في مخاض الولادة.

هل يتحول "الطائف" نفسه إلى ضحية إذا لم تتم إعادة روحه إلى نصه وإنهاء حال الهجر بينهما؟

الكاتب: 
جوزف القصيفي
المصدر: 
التاريخ: 
الخميس, سبتمبر 26, 2019
ملخص: 
ليس وحده جورج سعاده من دفع ثمناً غالياً جراء اعتراضه على العديد من الامور التي كانت تجري خلافاً للدستور والميثاق. كثر هم الذين أدّوا "الجزية". ونتيجة ذلك نشأ "طائف" بوجوه جديدة وشخصيات وافدة من أماكن لا صلة لها بالحياة السياسية، بدفع من "أبو جمال" و"أبو