رصاصٌ يقتل أجسادنا وقلقٌ يقتل أرواحنا!
وكأنه مقدّر علينا كلبنانيين أن نشهد كل فترة خضّة أمنية ندفع ثمنها من دمنا واستقرارنا، ومزيداً من الخوف على مستقبلنا ومستقبل أبنائنا في بلاد الأرز هذه، في ما نسير بأقدامنا بملء إرادتنا نحو هاوية لا قعر فيها الكارثة، وهذا وحده يحتمل الكثير الكثير من القلق.
ما جرى في جبل لبنان منذ أيام لا يشذّ عن مسار الفوضى السياسية التي نتخبّط فيها، على الأقل منذ 14 شباط عام 2005، حيث يشحذ اللبنانيون سكاكين حربهم المقبلة، وإن حاولوا تمويهها حينذاك بابتكار جسمين سياسيين فضفاضين يضم كل منهما مجموعة من التلوينات الطائفية.
لقد أثبتت التجربة، أنّ نوازع كل طائفة إلى إعادة رسم مكانتها في هيكلية السلطة، رفعت من وتيرة الخطاب الطائفي. وهذا مرده إما إلى استرداد مكانة تاريخية "ضائعة" كما يفعل التيار الوطني الحرّ في سعيه إلى تخطي اتفاق الطائف الذي قضم "حقوق" وامتيازات المكوّن "المؤسس" للكيان، أو التمسك بمكانة "تاريخية" ( إقطاعيّة) حافظ عليها الطائف كما هي الحال مع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. فضلاً عن تغيّرات ديمغرافية كبيرة يبدو أن مكوّنا لبنان التاريخي لم ينجحا في الإعتراف بها بعد نحو ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الأهلية، وتالياً القبول بمترتباتها السياسية كحال الثنائي الشيعي والطائفة السنية وحجمها في بنية السلطة ومؤسساتها.
لطالما شهد اللبنانيون معارك زعمائهم الصغيرة والكبيرة، وأصبحوا على دراية، بحكم الخبرة والدم، بأن تشنّج الخطاب السياسي لدى أي طائفة إنما يستبطن ما هو أبعد من الشعارات المعلنة.
من هذا المنطلق يمكن إدراج الخطاب المسيحي، مصحوباً بجولات لوزير الخارجية جبران باسيل، في خانة استعادة "الهيبة" المارونية وعنوانها "العهد القوي". وإن تطلب ذلك استخدام مفردات يُفترض أن التجربة قد طمرتها.
أما زعيم "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، فيقاتل هو الآخر للحفاظ على وضعية سياسية وطائفية قديمة تسمح له باستكمال اللعبة كما عهدها دون أدنى تغيير. هكذا يعمل لإقصاء "المنافسين" من بيئته، ويرفع من سقف خطابه الطائفي وإن اتصل أحياناً بمنافع مادية غير خافية على أحد.
لكن من يدفع الثمن؟ إنهم أبناء الطوائف المتعصّبون منهم قبل المغلوب على أمرهم من الأغلبية الصامتة. إذ لا قيمة لمن يَقتلون ويُقتلون الا في بازار السياسة. فيه الأرواح تُباع وتُشترى. القصاص سيكون سياسياً والعفو و"تبويس اللحى" سيكون سياسياً أيضاً.
أما لازمة المطالبة بفرض هيبة الدولة، فصار هو الآخر مصطلح مطاط وفارغ المضمون، وهذا دليل على ضبابية فكرة الدولة وشخصنتها. إذ أي دولة هذه التي يتحدث عنها الجميع؟ دولة الكانتونات والمناطق الصافية طائفياً؟ أم الدولة التي يحق لأي من حاملي جنسيتها الإقامة زيارة المكان الذي يريدونه. عن أي دولة يتكلم أهل السلطة؟ عن تلك التي تمارس مؤسساتها صلاحيتها على الجميع، أم عن هذه التي نتجرع كل يوم سمّ تقصيرها ومحاباتها للمجرمين والسارقين بعدما نخرها عفن المحسوبيات.
ماذا عن "سقف القانون" أيضاً؟ هذا الذي لم نعرف شكله بعد، وندرك أن يُطبَّق بطريقة إنتقائية.
"كما تكونوا يولى عليكم". هذا ما نحن فيه اليوم. ولا يظهر أن خلاصنا سيكون قريباً.
خلاصٌ لا ننتظر فيه "النيزك" كما يحلو لبعض اللبنانيين أن يتمنوا. نريد أن تكون هذه الأرض بمساحتها الصغيرة جنة لنا ولمن سيأتي بعدنا. نزور أينما أحببنا من ربوعه بلا حواجز. وطن ببيئة نظيفة، وعيش كريم، و"دولة" لا تذهب بذهاب شخص أو تقف مؤسساتها عند نوبات جنون البعض. بلد لم يستطع أن يبقى فيه محتل طوال التاريخ، يستحق أن يفقه أهله أن الطائفية دماره المحتوم. وأن السكاكين التي يغرسونها في أجساد بعضهم، تأكل أرواحهم فحسب. أما من حرّضهم عن سوء أو حسن نية، فإنه ينام نوماً عميقاً، فلا يرى الدماء التي تسبب في إراقتها ولا يسمع نحيب أمهات القتلى ولا صراخ المساجين الذين دفعهم إلى القتل.
