الحق ليس على الأول من أيلول 1920 بل الخوف من اللبنانيين

النوع: 

 

لم يكتب عدد كبير من اللبنانيين والعرب الحياة الطويلة للبنان الكبير يوم أُعلن في الأول من أيلول 1920. لقد راهن كثيرون على أن عمر هذا الكيان قصير ولم يُثن هؤلاء عن مراهناتهم إعلان الجمهورية اللبنانية العام 1926 بدستور عصري وهيئة حكم لبنانية بقيادة رئيس للجمهورية. واستمر التشكيك بالكيان اللبناني وبديمومة حتى الاستقلال عندما اتفق اللبنانيون على ميثاق وطني يجمعهم في السياسة الخارجية والمشاركة في الحكم.

ولم يعش اتفاق اللبنانيين على لبنان واحدٍ طويلاً. وبينما تغلب اللبنانيون على النكبة الفلسطينية عام 1948، إلا أنهم اختلفوا بعد تداعياتها التي أتت بأنظمة عسكرية تنشد الاشتراكية والوحدة والتوسع في النفوذ وتتحالف مع المعسكر السوفياتي. إن حوادث 1958 عكست الانقسام الذي كان قائماً قبل الاستقلال، وانتهى بتفاهم اميركي مع النظام المصري وانتخاب رئيس جديد للجمهورية أخرج لبنان من دوامة الخلافات العربية لمدة عقد من الزمن، ووحّد اللبنانيين، مطلقاً شعار "مع العرب إذا اتفقوا وعلى الحياد إذا اختلفوا".

وأيضاً لم يستمر الوفاق طويلاً. فبعد قيام الحركة الفدائية الفلسطينية عقب نكسة 1967، والتي لاقت تأييداً ودعماً من "عرب الثورة" و"عرب الثروة"، اختلف اللبنانيون مجدداً حول حرية انطلاق العمل الفدائي من لبنان، ودام انقسامهم لغاية 1990 عندما انتهى بميثاق جديد (اتفاق الطائف) يثبت شراكة جديدة بينهم، بالإضافة إلى تكليف دولي واقليمي لسوريا بالوصاية على لبنان. ودام عهد الوصاية السورية خمسة عشر عاماً بدأت نهايته بقرار مجلس الامن 1559 في أيلول 2004، وانتهى بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005.

تغيرت نوعية الخلافات بين اللبنانيين بعد العام 2005. فبعد ان أستمرت حوالي 85 عاماً صراعاً طائفياً بين المسلمين والمسيحيين، أصبح خلافاً عميقاً يحمل أسماء عدة: 8 و 14 آذار، اعتدال وممانعة، وشيعي وسني. وبينما تلقّى الفريق الاول دعم إيران وسوريا وإلى حد أقل روسيا والصين، دعم عرب الخليج والولايات المتحدة وأوروبا الغربية الفريق الثاني. وبينما كان الخلاف المسيحي– المسلم ينتهي دائماً بتسوية ترجّح هذا الفريق أو ذاك، يذهب فريق الخلاف الراهن إلى محاولات الحسم، لكن دائماً مع تأكيد غير مقنع لكل من الفريقين أنه "لا يمكن لاي فريق ان يلغي الآخر". وزادت الاحداث السورية "الطين بلّة"، مما يحمل الفريقين على انتظار حسم الأمور في سوريا ليرجّح كفته في لبنان.

ويمكن للمرء أن يوصّف الخلافات اللبنانية المزمنة بوضع "الحق على الأول من أيلول". فلولا الأول من أيلول (1920)، كما يعتقد البعض، لبقيت المتصرفية التي استمرت من 1864 الى 1915 والتي ربما دعيت أيضاً لبنان، وكانت موطناً للموارنة والدروز وخاصة ملجأ للمسيحيين الذين بلغ عددهم حينذاك حوالي 80% من عدد سكان المتصرفية فيما بلغ عديد الموارنة أيضاً حوالي 80% من المسيحيين، أو حوالي ثلثي سكان المتصرفية.

هذه الخلاصة لا تنصف الأول من أيلول، فلبنان الذي نشأ رسمياً في ذلك التاريخ بات اليوم "رسالة" يحتاج إليها هذا العالم. فكثيرة هي البلدان الاسلامية والمسيحية في عالمنا الراهن، ولكن يندر وجود وطن مثل لبنان حيث يعيش المسيحيون والمسلمون بحقوق ومسؤولية وواجبات متساوية. فالعيش المشترك في لبنان هو اختبار للعيش المشترك بين الإسلام والمسيحية على سطح الكرة الارضية، التي يسكنها حوالي الملياري مسيحي وما يزيد على المليار ونصف مسلم. فإذا فشل التعايش بين المسيحية والاسلام في لبنان فماذا ننتظر من العلاقات الاسلامية المسيحية في هذا الكون.

إضافة إلى كل ذلك، يتفق كل اللبنانيين اليوم على أن إعلان الأول من أيلول 1920 كان لخيرهم جميعاً. ان تجارب دول المنطقة المختلفة خير برهان على ذلك. إن جو الحرية ومظاهر الديموقراطية التي سادت في لبنان منذ تأسيسه، سمح للبنانيين أن يقودوا مسيرة الحداثة والعمران والإنماء في المشرق العربي والعديد من الدول النامية، وللبنان أن يصبح رمزاً للحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولناشدي الحداثة من سكان المنطقة.

إن التقدم الملحوظ الذي حققه لبنان واللبنانيون، رغم خمسة عشر عاماً من الحروب وعقود من عدم الاستقرار، جعل منه بلداً يتقدم على سواه في المنطقة من النواحي كافة. بالإضافة الى اعتماد لبنان نظام الاقتصاد الحر وإصراره على مظاهر الديموقراطية التعددية واعتناقه لمبدأ القبول والاعتراف بالآخر المختلف، جعل اللبنانيون من الكرة الارضية مسرحاً لأعمالهم ونشاطاتهم الاقتصادية والمالية. فاللبنانيون المنتشرون في كافة أصقاع العالم هم خير مثال للعولمة ومنذ زمن بعيد. كذلك، بينما ألحق الانهيار الاقتصادي منذ 2008 الضرر الكبير بمعظم الدول المتقدمة والنامية، كان تأثير الانهيار على لبنان واللبنانيين صغيراً. فاللبنانيون الذين هيأتهم جامعاتهم ومدارسهم وعائلاتهم لخوض معترك الحياة بقدرة وجدارة، تأثروا قليلاً بالازمة الاقتصادية العالمية، كما استطاع لبنان المحافظة على مكانته رغم الارتباط العضوي بدول الشرق والغرب المتأثرة بذلك الانهيار.

بكلام آخر، لقد اعطى "الأول من أيلول 1920" لبنان واللبنانيين الكثير، وبعد عقود طويلة اقتنعوا جميعاً بان ليس لهم موطناً بديلاً لهذا الكيان. لكن اللبنانيين، ويا للأسف، لم يقتنعوا بعد أن لبنان هو ثمرة جهودهم وان استمرار خلافاتهم، خاصة الاستقواء بالخارج للتغلّب على منافسيهم في الداخل، هو ما يضعفهم ويضعف لبنان ويربطه ويعرضه لأزمات الخارج وعواقبها.

لذلك أقول وأجزم بعد مرور اثنين وتسعين عاماً على ذلك الحدث، أن "الحق" في المشاكل اللبنانية ليس على الأول من أيلول 1920 بل على اللبنانيين. إن الخوف على لبنان هو فقط من اللبنانيين، الذين بتشنج قياداتهم وفشلهم في بناء دولة حديثة وفاعلة واستقوائهم المستمر بالخارج، يضعفون بلدهم اللّين البنية بسبب اختلافاتهم المزمنة، وتجاهلهم بأن تحالفاتهم الخارجية لا تأتي سوى على حسابهم وحساب بلدهم

الكاتب: 
د. عبدالله بوحبيب
المصدر: 
التاريخ: 
الاثنين, أغسطس 19, 2019
ملخص: 
تغيرت نوعية الخلافات بين اللبنانيين بعد العام 2005. فبعد ان أستمرت حوالي 85 عاماً صراعاً طائفياً بين المسلمين والمسيحيين، أصبح خلافاً عميقاً يحمل أسماء عدة: 8 و 14 آذار، اعتدال وممانعة، وشيعي وسني. وبينما تلقّى الفريق الاول دعم إيران وسوريا وإلى حد أقل رو