خواطر في اتفاق الطائف
خطر ما نتج من اتفاق الطائف الذي استحال دستوراً في ظل ظروف قاهرة واستثنائية وضاغطة على نصف اللبنانيين، انّه صار بحكم الواقع وثيقة إقرار بالخسارة والتخسير، دفع المسيحيون ثمنها من كيانيّتهم السياسية وحريّتهم الوجودية، فقدوا زخم دورهم الأصيل وخبا نور فعلهم، وغابت تأثيرات صلاحيتهم الدستورية، نصّاً وعرفاً وتقليداً، ولم يبقَ لهم غير المجاملات وطنياً والتسويات دولياً والتقلّب بين كيان سياسي سنّي وكيان سياسي شيعي، كلاهما يسعى الى ان يكون هو الوطن أو أن يكون الوطن له...!
وبعد مرور أكثر من عقدين من عمر الوطن على اتفاق الطائف، يمكن ان نرى بنقاوة، ان الاعتراضات البنيوية على الصيغة المفروضة أو المهرّبة جاءت من قادة وسياسيين ومفكّرين رأوا في الاتفاق شوائب وأخطاء وخطايا، من شأن التغاضي عن الكلام فيها الإضرار بلبنان وبطبيعة العلاقة الترابطية بين ابنائه وعناصره التكوينية، كمجتمع متكامل. فالمؤلفات والمطالعات الكتابية والندوات النقاشية والتصريحات السياسية والمواقف المرجعية الرافضة والناقدة للمراحل التي هيّأت "للطائف" والظروف التي انتجته وإساءة التطبيق والخروج عن الروحية اللبنانية الجامعة، أكّدت ان الانقلابات على روحية النصّ واغتيال صدقية النيّات، تركت آثاراً سلبية على فئة كبيرة من اللبنانيين الذين رأوا فيه غبناً موصوفاً وافخاخاً قاتلة، وإضعافاً لشراكة المسيحيين ودورهم، بحيث تبدّل دورهم من (الريادة والقيادة) الى (التبعيّة المطلقة). ومن شأن رصد الانتقادات البنيوية التي قدّمها عارفون بالأمر ان تكشف مكامن الخطأ الذي نعيشه منذ عشرين عاماً.
كثيرون من اللبنانيين، الغيورين على صورة لبنان وليس على جغرافيته فقط، يدركون بألم ان الإمعان بالخروج عن روحية الطائف، وتحريم الكلام المناقد حوله، هو مدخل الى ظلمة الأعماق التي سيموت فيها لبنان الصورة الكيانية، ولبنان التكاملي ولبنان النوعي، لحساب لبنان الأحادي والفئوي الذي سيكون في منظومة الكيانات العنصرية والطائفية التي ستتوزّعها جغرافية المنطقة، وفق جدول أعمال (الشرق الأوسط الجديد).
هذه الخواطر التي ترتكز الى غيرة واضحة لإعادة تصويب النظرة الى لبنان، خارج دائرة المناضلات والاستثناءات، تدفع الى طرح هواجس صلبة تعتمل في وجدان كل حريص على كرامة العيش الحرّ، والتلاقي التفاعلي بين اللبنانيين على قاعدة المسؤولية المتوازنة في حبّ لبنان وصراحة الولاء الفعلي له. وابرز هذه الهواجس:
1- لماذا صار المسيحيون خارج الإدارة في المواقع القيادية والمراكز الفاعلة:
وهنا نقول " مسيحيون خارج الادارة، مسيحيون خارج الوطن" مع ما يعنيه ذلك ما توفّره الوظيفة اللرسمية للمواطن من استقرار وامان وتجذّر بالأرض والوطن.
2- لماذا صار المسيحيون خارج المدن؟
لم يعد للمسيحيين دور ولا ظهور ولا وجود مجتمعي في المدن اللبنانية، بإستثناء مدينة زحلة، وهذه ظاهرة تتآكل حضورهم، الذي لم يعد مقتصراً الا على وجود الكنائس ودور العبادة. والسؤال الأساس هو (مَنْ يعيدُ المسيحيين الى مدنهم؟)
3- المسيحيون والأرض
الأرض بالنسبة الى المسيحيين هي انتماء والتزام. وأيْ فقد لهذين العنصرين يعرّض الشعور بالمواطنة لإهتزاز وخوف عميقين، ينعكسان على الإحساس بالدونية والذمية. والمطلوب ان تحمي الدولة الملكيات الخاصة والعامة، وان تباشر تحرير مشاعات وفرزها واعطاء الحقوق لاصحابها، وتوفير الحماية لهم. وعلاقة المسيحيين بالأرض هي علاقة انتشارية موزعة على كامل الخريطة اللبنانية، ولا يمكن حصرها في منطقة محدّدة. فقوة المسيحيين اللبنانيين هي بانتشارهم وتفاعلهم مع كل الطوائف. ان الخوف على لبنان يعظم اكثر مع عدم تشجيع المسيحيين على عودتهم الى قراهم وحمايتهم وتوفير كل مقومات الحريّة لهم. إذّ ذاك يفقد لبنان صيغته التفاعلية والنوعية،
4- فقدان الثقة بالدولة:
ان شعور المسيحيين بأنهم غير محميين او مستهدفين، يفقدهم الأمل والزخم لمتابعة دورهم الوطني ورسالتهم الإيمانية والحضارية.
المطلوب اعادة ترميم الثقة المفقودة واعادة بناء الثقة بالنفس، حتى يتمكنوا من متابعة العيش والحضور وحماية وجودهم في ظل سقوط مفاهيم العلمانية والدولة المدنية لحساب الأصوليات والتطرّف الديني.
والسؤال هو، مَنْ القادر على إقناع المسيحيين بأن الدولة فعلاً هي دولتهم، بمعنى انها لهم وليسَتْ عليهم؟
