القبس تنشر أوراقا من مذكرات البطريـــرك صفير (1992 – 1998).. السياسة السورية أدخلت «الطائف» في الموت السريري( رقم 20)

النوع: 

 

 أراد سمير جعجع البيت المركزي في الصيفي تعزيزاً لنفوذه وتحصيناً له، ظناً منه أنه متى تمكن من جمع الأحزاب المسيحية المعترفة باتفاق الطائف تحت قيادته سيصبح المحاور المسيحي الأقوى الذي سيكون من الصعب على سوريا تجاهله أو استهادفه. كما أن امتلاك حزب الكتائب للعديد من المقرات الموزعة في سائر المناطق اللبنانية زاد من رغبته في الفوز في معركة رئاسة الحزب لأن القوات اللبنانية التي يرأسها خرجت منهكة مالياً بعد الحرب التي خاضتها مع الجنرال ميشال عون ولم يكن بامكانها شراء أو استئجار مقرات كافية لاستيعاب محازبيها لأنها اضطرت الى اخلاء معظم مراكزها التي كانت صادرتها طوال فترة الحرب اللبنانية. أما جورج سعادة فكان يعرف أن لا مستقبل له سياسياً ان جرت تنحيته عن رئاسة حزب الكتائب. فرأى نفسه مضطراً للجوء الى سوريا والسلطات اللبنانية طلباً للمساعدة لكي يتمكن من اقفال الطريق أمام جعجع الطامح الى استبعاده رغم أنه عرض عليه غالبية قريبة منه داخل المكتب السياسي الكتائبي مقابل أن يقبل بالتجديد له. تمزق الكتائب وحاول البطريرك صفير ما في استطاعته للحؤول دون تمزق حزب الكتائب قبل المعركة الانتخابية وخلالها وبعدها. غير أن جهوده لم تثمر لتمسّك كل من الطرفين بموقفه. وبعد أن اختار حزب الكتائب مقاطعة الانتخابات استكانت الخلافات في صفوفه لكنها ما لبثت أن انفجرت غداة انتهاء العمليات الانتخابية. وقيل في حينه، ان وفداً كتائبياً ضمّ كريم بقرادوني وأنطوان شادر وسيمون الخازن زار دمشق في منتصف تشرين الأول 1992، واجتمع بنائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام، وسمع منه كلاماً قاسياً مطالباً بحسم وضع الحزب «لأننا نريد أن نعرف مع أي كتائب نتحاور؟ أمع كتائب سعادة أم جعجع أم الجميل أم عون؟» كما طلب خدّام من حزب الكتائب الاعتراف رسمياً بشرعية مجلس النواب المنتخب. واستوضح سيد بكركي رئيس حزب الكتائب جورج سعادة، في الخامس عشر من كانون الثاني 1993، بشأن الخلاف الواقع داخل حزب الكتائب اللبنانية. فأجاب: «ان الخلاف قديم بدأ باخلال الدكتور جعجع بتعهداته بمد الحزب ببعض المداخيل التي جباها من اللبنانيين في أثناء الحرب. واستولى على بعض الممتلكات العائدة الى الحزب ويتصرف بها على هواه». استحالة التسوية سأله الحبر الماروني ما اذا كان بامكانه أن يجمع بينهما ومحاولة التوصل الى اتفاق يمنع شرذمة حزب الكتائب. فرد سعادة بالقول: «لا فائدة من الاجتماع، فقد سبق أن اجتمعنا بلا فائدة». وبعد أن فهم أنه من الصعب التوصل الى تفاهم بين الرجلين، لم يبق للبطريرك صفير الا أن يتمنى على رئيس الكتائب أن تُعالج الأمور بعيداً عن أضواء الاعلام الذي سبق أن جعل من الأزمة الكتائبية مادة اعلامية. وأعاد سيد بكركي طرح نصيحته، بمعالجة المشاكل داخل البيت الكتائبي، على مسؤولين كتائبيين متعاطفين مع القوات اللبنانية مثل ألفرد ماضي وجورج كسّاب وابراهيم حداد وايلي أبي طايع وغيرهم. وكشف لهم أن الناس أصبحوا بين شامت ويائس من الوضع الذي وصل اليه حزب الكتائب، محذراً من الانعكاس السلبي للانقسام الكتائبي الذي يزيد صفوف المسيحيين شرذمة وتفككاً. ودعا الى التحلي بالحكمة المطلوبة التي تفترضها المرحلة الراهنة. وبعد أن رد الطرفان طلب البطريرك معالجة المشاكل بينهما بعيداً عن ضوضاء الاعلام وتدخلات من لا يريدون مصلحة الحزب، وعدم تجاوبهما مع استعداده لجمعهما ومحاولة ايجاد الحلول المناسبة، لم يكن بامكانه الا أن يصلي «من أجل وحدة اللبنانيين ووحدة كل جماعة منهم. وهي وحدة نحن، في هذه الأيام، أحوج ما نكون اليها. وكيف لا نكون، وقد دأبت وسائل الاعلام في الأسبوع الفائت في الاستفاضة في الحديث عن انقسامات واشكالات تستدعي الأسف الشديد وترتسم حولها نقاط استفهام كبيرة: انقسامات تمزّق صفوف حزب وطني كبير له ماض وتاريخ، كان طوال ما فوق النصف قرن، مضرب مثل بالتقيد بالقوانين الحزبية والانضباط». انقسام مؤيدي الطائف كان البطريرك الماروني يعي أكثر من الكتائبيين خطر انقسام الحزب ليس فقط لأن قوته ستضعف بل أيضاً لأن أطراف النزاع دخلوا في أتون الخلافات الشخصية واستجداء أعداء الحزب لنصرة طرف على طرف آخر. وهذا ما سيجعل الجميع ضعفاء غير قادرين على تشكيل جبهة واحدة متراصة من المسيحيين المنضويين تحت سقف الطائف قادرة على معارضة طريقة تنفيذه الانتقائية التي لا تراعي أعراف الديموقراطية التوافقية القائم عليها النظام اللبناني. وأعاد الحبر الماروني تمنيه على سعادة في العاشر من شباط عندما زاره هذا الأخير مهنئاً بعيد مار مارون. وقد تكوّن انطباع لدى السيد البطريرك، في حينه، بأن الرأي العام المسيحي يشعر باللامبالاة تجاه ما يجري داخل الكتائب. وباستثناء النائب قبلان عيسى الخوري الذي طلب منه، في الثالث والعشرين من شباط 1993، أن يقوم بمسعى مصالحة بين جعجع وسعادة باشراف من بكركي، لم يبادر أي طرف الى محاولة القيام بما من شأنه أن يصلح العلاقة بين الزعيمين الكتائبيين. واثر العملية الانتخابية التي فاز بها جورج سعادة على سمير جعجع بفارق بسيط، أقدم أنصار جعجع على تكوين تجمع معارض داخل حزب الكتائب اعتبرته قيادة سعادة حركة تمرد داخل الحزب، فقرر المكتب السياسي فصل المسؤولين الكتائبيين الموالين لسمير جعجع من الكتائب. وصدرت قرارات حزبية تعفي المسؤولين الكتائبيين غير الموالين للقيادة من مسؤولياتهم في المكتب السياسي ورئاسة الأقاليم والمصالح. وتفاقمت المشاكل حين رفض مؤيدو جعجع اخلاء المراكز الحزبية الكتائبية التي يشغلونها، فاستعانت القيادة الكتائبية بالقوى الأمنية لاخراجهم بالقوة منها. وتكرس انقسام حاد في حزب الكتائب، أضعفه الى حد كبير وجعله على هامش الحياة السياسية اللبنانية، فيما فقدت القوات اللبنانية دعم الحزب المسيحي الوحيد الذي وقف الى جانبها في أكثر من استحقاق أساسي من تاريخ لبنان. الموت السريري للطائف خاض الحبر الماروني مواجهة على مستويين في بداية حقبة السلام السوري التي ترسخت بعد الانقلابات المتتالية على اتفاق الطائف والتي أدت في نهاية الأمر الى الاجهاز عليه أو على الأقل، أدخلته في غيبوبة طويلة أشبه ما تكون بحالة الموت السريري. كان المستوى الأول من المواجهة مع أهل السلطة السياسية المتحالفة مع سوريا رفضه النهج السائد القائم على قاعدة غالب ومغلوب أو، بتعبير أدق، بين متحالف مع سوريا ينال كل شيء وبين رافض للهيمنة السورية ولا ينال شيئاً. وحرص سيد بكركي على اعلان معارضته لكل اجراء مناف لمقتضيات الوحدة الوطنية اتخذ خلال هذه الفترة، موضحاً أن «المشاركة الصحيحة لا تكون في تنفيذ القرار والخطة المرسومة، بل في اتخاذ القرار معاً ورسم الخطة في ظل الحرية وعلى قدم المساواة وفي جو من الاحترام المتبادل، وهذا ما لم يتوافر بعد»، غير أنه لم يقبل بأن ينجر الى مواجهة شخصية مع أقطاب السلطة لعلمه بأنهم ليسوا المسؤولين المباشرين عن المنحى الذي تأخذه الأحداث. وفي المقابل، كان البطريرك صفير حاضراً للثناء على ما تحقق من نهوض اقتصادي، ومن بداية عودة للمهجرين، ومن كل محاولة تقوم بها السلطة اللبنانية لتعزيز قدراتها وبسط سيطرتها على التراب اللبناني ولتأكيد حضورها على الساحة العالمية. أما المستوى الثاني من المواجهة، فكان مع أقطاب البيت الماروني. وكان يرتكز على دعوة المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً الى التمسك بقيم الايمان والفضائل المسيحية والعودة الى التواصل والتآخي. ولم يأل جهداً ولم يهمل مبادرة رامية الى توحيد الصف المسيحي واللبناني والى تنسيق الجهود لاصلاح الوضع الذي يشكو منه اللبنانيون، تمهيداً لتحقيق مصالحة وطنية هي وحدها تمكن اللبنانيين من استعادة سيادتهم الوطنية. المصالح الشخصية وللموارنة المتحالفين مع السلطة غير الممثلة لتطلعات اللبنانيين ولكن أيضاً لبعض الموارنة المعارضين الذين يقدمون مصالحهم على المصلحة العامة، قال البطريرك صفير في عيد مار مارون في العام 1993: «ثبات الموارنة على ايمانهم وتقاليدهم ومبادئهم كان أحد أسباب نجاحهم. وما كان بالأمس سبب نجاح فهو باق اليوم وسيبقى غداً. هذه أمثولة يلقيها موارنة الأمس على موارنة اليوم. وكم يحز في نفوسنا أن نرى من يُغيّرون، على الصعيد الوطني، مبادئهم وفقاً لمصالحهم الشخصية، دونما نظر الى مصلحة الوطن العليا التي لا تتغير، والتي تقوم عليها السيادة والاستقلال وحرية القرار والكرامة الوطنية». وأظهر سيد بكركي، في تلك الفترة، انفتاحاً على كل الأفكار والاقتراحات الرامية لتحريك الرأي العام وانتشاله مما عرف في حينه بالاحباط الذي رفضه، جملة وتفصيلاً، معتبراً أنه يتنافى وقواعد اللغة ويتناقض ومقتضيات الايمان المسيحي. ورافق ولادة هذه الأفكار وخطواتها الأولى وعلّق على بعضها الأمل معتبراً أن كل ديناميكية رامية الى تجميع القوى وتحريك الرأي العام هي ديناميكية مفيدة في زمن السلام السوري الذي سماه البطريرك في حينه «الزمن الرديء» الذي «أحوج ما نحتاج اليه فيه، استعادة الثقة بنفوسنا لنتمكن من اعادة ثقة الناس بنا وبوطننا». دور البطريرك لم يكن الرأي العام المسيحي، في شكل خاص، قد فهم طريقة تفكير البطريرك وأسلوب عمله. في أي حال، لا يزال بعضه يجهل أنه لا يرى من موجبات موقعه أن يتدخل في الحياة السياسية بطريقة مباشرة ويأخذ موقفاً يقطع فيه الصلة بأركان النظام المتحالف مع سوريا، ويقود حركة اعتراض ومقاومة سلمية تدعو الى تظاهر أو عصيان مدني وما شابه. في اعتقاده، كحبر مشبع بالتعاليم الكاثوليكية، أن من واجبه أن يظل يشير الى موقع الخلل ويدافع عن حق الناس المشروع في تغيير الأمر الواقع بطريقة ديموقراطية. ولكن، كان المسيحيون، ولا يزالون، ينتظرون منه أن ينتفض وينزل الى الشارع فيسيروا وراءه لمواجهة «الزمن الرديء»، فيما هو كان، ولا يزال، ينتظر أن يتحمل الرأي العام وممثلوه مسؤولياتهم ويبادروا الى رص صفوفهم وتنظيم أنفسهم وتحضير مشروعهم التغييري الديموقراطي وهو على استعداد لأن يكون الى جانبهم ان لم يكن وراءهم. سيد بكركي مقتنع تمام الاقتناع أن حالته الاكليريكية تفرض عليه أن يكون أباً للجميع لا يستثني أحداً ولا يقاطع من لا يلتزم بتوجهاته. من هذا المنطلق، كان خيار البطريرك الماروني أن يشجع كل تحرك يطلق ديناميكية جماعية تعمل على تغيير الوضع السائد الذي يتشكى منه الجميع. فرافق، في مطلع العام 1993، ولادة اللقاء الدائم للحوار اللبناني، والمحاولات الرامية الى اجراء مصالحة بين أقطاب المعارضة المسيحية، واعادة تقريب المسافات بين النواب المسيحيين وبكركي واذا أمكن مع أقطاب المعارضة، وترسيخ الحوار مع أقطاب السلطة عسى تنجح محاولاته في تشجيعهم على تحمل مسؤولياتهم. ساحة تلاقٍ كان البطريرك الماروني باختصار منفتحاً على كل الاقتراحات الهادفة الى الخير العام. وفي الرابع من كانون الأول 1992، اقترح وزير الطاقة والموارد المائية والكهربائية جورج افرام على سيد بكركي أن يدعو الى عقد اجتماعات دورية للبحث في الشأن السياسي لدراسة ما يستجد من قضايا في لبنان. لم يكن البطريرك يوماً ضد أن تكون البطريركية ساحة تتلاقى فيها الارادات الباحثة عن التنسيق والموقف الموحد، لكنه يتريث أمام فكرة أن تتمأسس تـــشكيلة سياسية في بكركي لا تتسع للجميع ويرى البعض نفسه خارجها لأنه يعتبر أن البطريركية المارونية لجميع اللبنانيين وليست فقط للمسيحيين أو الموارنة. وتابع الحبر الماروني باهتمام الخطوات الأولى لانشاء اللقاء الدائم للحوار اللبناني بدءاً من التحضيرات الاعدادية له وصولاً الى انعقاد اجتماعه الأول في دير سيدة الجبل في فتقا. وما أثار اهتمامه بهذا التجمع هو أنه قائم على فكرة الحوار والعيش المشترك ويتطلع الى ضم شخصيات مسيحية واسلامية. واطلع على أجواء اللقاء الأول الذي عُقد في كانون الثاني من العام 1993 وشاركت فيه نحو ثلاثين شخصية مسيحية من أطباء ومهندسين ورجال أعمال بغية التداول بشأن تكتل يعرب عن تطلعات المسيحيين. وعرف من القيمين على الاجتماع أن اجتماعاً آخر سيعقد وسيضم عدداً أكبر من المسيحيين، وقد تُدعى اليه أيضاً شخصيات غير مسيحية، والهدف هو اقامة تكتل يقوم مقام الأحزاب التي تتفكك وتنهار. وذكرت بعض الصحف أن هذا التكتل يتأثر بالرئيس رفيق الحريري ويهدف الى دعمه وهو في الحكم، وثمة من قال له كلاماً مماثلاً من زواره. واعتبر في سره أن الأيام ستحمل حقيقة هذا الموضوع، كما رأى أنه سيكتب النجاح للمشروع طالما أنه يلبي حاجة المجتمع اللبناني وان كان لا يلبيها فسيـــسقط مع الوقت كما سقط غيره. وفي الرابع من آذار 1993، أخبره سمير فرنجية أن الكثيرين من المسيحيين والمسلمين يطلبون منه الانضمام الى التجمع الذي يحاول انشاءه وأشار الى أن اللقاء سيعقد قريباً اجتماعاً ثانياً في دير سيدة الجبل. الـحلقة الحادية والعشرون محاولة لمعالـجة القيادات المارونية

الكاتب: 
أنطوان سعد
المصدر: 
التاريخ: 
الأحد, سبتمبر 11, 2005
ملخص: 
كان خيار البطريرك الماروني أن يشجع كل تحرك يطلق ديناميكية جماعية تعمل على تغيير الوضع السائد الذي يتشكى منه الجميع. فرافق، في مطلع العام 1993، ولادة اللقاء الدائم للحوار اللبناني، والمحاولات الرامية الى اجراء مصالحة بين أقطاب المعارضة المسيحية، واعادة تقر