ايلي سالم يتذكر : عتب السوريون على الجميل لأنه لم يطلب تدخلهم "لسحق" تمرد قوات جعجع وحبيقة ضده خدام : الحرب ستستمر في لبنان اذا لم يلغ النظام الطائفي ( 10)

النوع: 

قيل

يكشف الدكتور ايلي سالم نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية اللبناني السابق، في هذه الحلقة العاشرة من مذكراته التي تنشرها "الوسط"، معلومات جديدة ومهمة عن تخلي الولايات المتحدة عن لبنان وعن تزايد اهتمام سورية باحداث تغييرات سياسية جذرية في هذا البلد.

وقد شغل ايلي سالم منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية اللبناني في عهد الرئيس الجميل وكان مستشاره للشؤون السياسية والاتصالات العربية والدولية. وشارك سالم طوال عهد الجميل من أيلول - سبتمبر - 1982 الى ايلول - سبتمبر - 1988 في صنع القرارات السياسية التي اتخذت خلال هذه الفترة، وفي الاتصالات المختلفة اللبنانية - العربية واللبنانية - الدولية، واطلع على مجموعة كبيرة من الاسرار المتعلقة باسرائيل ومخططاتها في لبنان، وبسورية، وبالولايات المتحدة والدول الكبرى الاخرى وبالفلسطينيين، والايرانيين، وبدول عربية اخرى لعبت ادواراً مختلفة في الساحة اللبنانية. من هنا اهمية مذكراته هذه التي تكشف اسراراً ومعلومات جديدة ليس فقط عن لبنان وصراعات القوى المختلفة فيه، بل ايضاً عن منطقة الشرق الاوسط. وقد حصلت "الوسط" من الدكتور ايلي سالم على حقوق نشر مذكراته هذه، على حلقات، في المجلة. وفي ما يأتي الحلقة العاشرة من هذه المذكرات:

طلب مني رشيد كرامي رئيس الحكومة اللبنانية، بصفتي مستشاراً للرئيس امين الجميل للشؤون الخارجية، التوجه الى واشنطن لابلاغ وزير الخارجية الاميركي جورج شولتز رسالة مفادها ان الحكومة اللبنانية "تريد المحافظة على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه التعاون مع دمشق والسعي الى تأمين انسحاب القوات الاسرائيلية من لبنان". وهذا ما فعلته. قابلت شولتز وكان حزيناً لأن جهوده باءت بالفشل في لبنان. ولم يبق من الاهتمام الاميركي بلبنان سوى موقف مبدئي خلاصته "ان الولايات المتحدة تؤيد استقلال لبنان وسيادته ووحدة اراضيه وانسحاب جميع القوات الاجنبية منه". لكن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة للعمل فعلاً لوضع هذا الشعار موضع التنفيذ.

أطلعت الرئيس امين الجميل ورئيس الحكومة رشيد كرامي على ما جرى بيني وبين شولتز فقال لي كرامي انه من الآن فصاعداً سيرى ماذا تريد الولايات المتحدة ويفعل عكس ذلك، وسيكون ما يفعله صحيحاً. كنت متعاطفاً مع وجهة نظره، وقلت له: "دعنا ننظر الى الامور من جديد، لدينا احتلال اسرائيلي نريد التخلص منه. وهذا شرط اساسي لوجودنا. يجب علينا ايجاد طريقة ما لاخراج اسرائيل". قال لي: "سأجرب الترتيبات الامنية من طرف واحد في الجنوب، واذا نجحت يكون ذلك جيداً، واذا لم تنجح سأترك السياسة وأعود بطلاً الى طرابلس". وأجبته بأكبر قدر من اللطف، وقلت: "هذا ما اخاف منه. ان مشكلتنا نحن العرب هي اننا نهتم بأن يعتبرنا الآخرون ابطالاً اكثر من اهتمامنا بفعل الاشياء الصحيحة. انظر الى الفلسطينيين، لديهم ابطال كثر، ولكنهم خسروا فلسطين. قد يكون هذا مصيرنا، يا دولة الرئيس اذ لم نكن حذرين".

كنت أتحدث بلغة مختلفة عن تلك التي يتحدثها الرئيس كرامي، وكان لدينا مفاهيم مختلفة. كان يتطلع الى الداخل، وكنت انظر الى الخارج. كان يتحدث بتعابير مستقبلية، وكنت اتكلم في الحاضر القريب والمدى القصير. وكان لدى كرامي طريقة لاخراج اسرائيل، واذا لم تنجح فسيترك عمله ويرحل. اما انا فكنت احاول دائماً طرقاً عدة، اذ انني لست مستعداً ان اترك الامور وأرجع اذ لا مكان "للرجعة". كان ذلك اللقاء سيئاً. وعلى رغم انني كنت معجباً بكرامي لأنه وطني اصيل وانسان طيب، لكني شعرت بالاسف لاختلافي معه اذ كان لكل منا اسلوبه.

كانت الولايات المتحدة حذرة مع حكومة كرامي وكان كرامي بعيداً عنها.

في هذه الاثناء بدأت اسرائيل تعزيز مواقعها ووجودها في جنوب لبنان. وكان السياسيون اللبنانيون من الجنوب يأتون لزيارتي لاطلاعي على الممارسات الاسرائيلية.

قالوا لي ان الاسرائيليين يحضرون للبقاء هناك فترة طويلة، واذا انسحبوا فسيعودون الى الجنوب على الارجح في الوقت الذي يرونه مناسباً وانهم يحثون الزعماء المحليين على انشاء ادارات محلية. واما البضائع الاسرائيلية فهي تملأ الجنوب، ويتصرف كل اسرائيلي في جنوب لبنان وكأنه الملحق الاقتصادي لبلده. ويبدو ان اسرائيل مصممة على توسيع السوق الاسرائيلية في الجنوب وتطبيع العلاقات مع القطاعات الواقعة تحت سيطرتها. فقد استقدمت اختصاصيين في الشؤون الشيعية، والدرزية، والسنية، والمارونية. أما جيش انطوان لحد فيزداد قوة. ويقول الاسرائيليون للناس في جنوب لبنان بأن بلدهم اهملهم، وان اسرائيل تريد مساعدتهم والعيش معهم بسلام.

 

من دولة صديقة الى دولة "ارهابية"

بعد فترة تناولت العشاء الى مائدة الرئيس امين الجميل. واشتكى الجميل من كل شيء ومن كل انسان. وكان متضايقاً جداً لأن السفير الاميركي بارثولوميو التقى به فقط كي يحصل على معلومات ويقدم نصائح، من دون ان يشركه بأفكار الولايات المتحدة الاستراتيجية حيال لبنان، وسورية، واسرائيل، والمنطقة ككل. وقال الجميل: "انا أعرف ما يريده الرئيس الاسد، يريد نفوذاً في دول سورية الكبرى. ولكني لا اعرف ماذا يريد الرئيس ريغان". وأضاف: "عندما اغمض عيني، كل ما اتذكره هو قول الاميركيين لي بأن اشكل حكومة ذات قاعدة عريضة وابقاء اهدافنا نصب اعيننا. وفعلت ذلك، شكلت حكومة وحدة وطنية. لكنها برهنت بأنها مأساة، وساحة قتال اكثر من كونها حكومة. بالنسبة الى اهدافي، اكاد افقد عقلي عندما افكر بها وبكيفية تحقيقها. ان صنع القرارات الكبرى ليس في يدي، بل ان هذه القرارات تصنع في كل مكان الا في بيروت".

في نهاية ايلول سبتمبر 1984 زار كرامي الامم المتحدة ثم واشنطن حيث تباحث مع شولتز الذي كان حذراً مع كرامي لأنه شعر بأن كرامي متعاطف مع "الارهابيين" بل يشجع الاعمال "الارهابية" من خلال تصريحاته المتكررة التي تعطي غطاءً وطنياً لنشاطات المقاومة ضد اسرائيل. وكان كرامي يسعى لفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة، وقال ذلك لشولتز، لكن الاخير، الذي احترقت اصابعه في لبنان، كان حذراً جداً ونقل فقط الموقف الاسرائيلي بأن اسرائيل تريد مفاوضات مباشرة مع الحكومة اللبنانية، والاعتراف بجيش لبنان الجنوبي، وإجراء ترتيبات امنية مع لبنان. وان اسرائيل مصرة الآن على مباركة سورية مسبقة لجميع هذه النقاط، اذ هي تعلمت من اتفاق ايار مايو 1983 ان اي اتفاق مع لبنان في الوقت الحاضر سيفشل من دون دعم سوري كامل له. ولم تنقل الولايات المتحدة الموقف الاسرائيلي فقط بل دعمته ايضاً. وكان شولتز يؤمن بالمفاوضات المباشرة، ويشعر بأن وجود جيش لبنان الجنوبي مبرر. أما بالنسبة الى الترتيبات الامنية، فهي اقل ما يمكن فعله لانهاء الاحتلال الاسرائيلي والحيلولة دون تكراره. لقد تعلم شولتز دروساً صعبة بأن الانسحاب الاسرائيلي من لبنان موضوع يجب بحثه مع سورية.

بدا كرامي متفائلاً حيال الموقف الاسرائيلي عندما التقيته في 18 تشرين الأول اكتوبر 1984 حيث شعر ان اسرائيل ستنسحب "بشكل كامل" ضمن اطار اتفاق الهدنة اللبناني - الاسرائيلي الموقع عام 1949. ودعمت اقتناعه رسالة عرضها أحد مساعدي الامين العام للأمم المتحدة بيريز دي كويلار على رئيس الجمهورية في ذلك اليوم. وكانت الرسالة من الجنرال موشي دايان تحمل تاريخ 3 آب اغسطس عام 1978 وموجهة الى الامين العام للأمم المتحدة آنذاك كورت فالدهايم، وتنص على ان اسرائيل تعتبر اتفاق الهدنة مع لبنان سارياً وستحترمه اذا احترم لبنان بنوده ومنع النشاط العسكري على حدوده مع اسرائيل. لم تكن الحكومة اللبنانية تعلم بوجود هذه الرسالة بسبب جهازها التوثيقي الضعيف. وأشارت تقارير من واشنطن الى استعداد اسرائيل للانسحاب تدريجياً من الجنوب بعد رحيل جيش لبنان الجنوبي الموالي لاسرائيل مع قوة اسرائيلية صغيرة هناك. وطرحت الاسئلة نفسها التي طرحناها اثناء الانسحاب الاسرائيلي من الشوف. الى من ستسلم القوة الاسرائيلية المحتلة السلطة في المناطق التي يتم الجلاء عنها؟ هل ستنسق اسرائيل مع الحكومة اللبنانية بواسطة طرف ثالث؟ وعلمنا ان الولايات المتحدة لا تريد التوسط بين لبنان واسرائيل، وتفضل الوساطة بين سورية واسرائيل، اذ كانت الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع سورية مباشرة واعطائها دوراً في الشؤون اللبنانية لانها تفهمت واقع القوى في المنطقة في اطار مصالحها والتزاماتها. وقال لي السفير بارثولوميو ان الاميركيين سيدعمون دور الأمم المتحدة في الوساطة، وأضاف: "لن ننزعج ونقول فشل اتفاق ايار مايو ولذلك لن نشجع اية اتفاقات اخرى. نحن ما زلنا مهتمين، ولكننا لا نريد التحرك بأسرع مما يسمح الوضع. لا نريد ان نجد انفسنا مثل دون كيشوت الذي حارب الطواحين بحربة مكسورة. تعلمت الولايات المتحدة درسها، ونريد اتفاقاً لبنانياً - سورياً - اسرائيلياً قبل ان نقدم على أي شيء. وسنعمل الآن من وراء الكواليس. وحتى من وراء هيئة الأمم المتحدة الهشة".

في 30 تشرين الأول اكتوبر 1984، توصلنا الى اتفاق في شأن صيغة للتفاوض مع اسرائيل برعاية الامم المتحدة. وحسب هذه الصيغة، يدعو الامين العام للأمم المتحدة الى لقاء بين ضباط الجيشين، اللبناني والاسرائيلي، لبحث الانسحاب الاسرائيلي والترتيبات الامنية في جنوب لبنان. ويعلن الجانب اللبناني موقفه ويصر على ان اتفاق الهدنة الموقع عام 1949 ما زال سارياً. ويعلن الاسرائيليون موقفهم كذلك. اما ممثل الامم المتحدة فسيحافظ على موقف حيادي، ويستمع الى الطرفين ويسمح لكل منهما بالتعبير عن وجهة نظره. اطلعت القادة اللبنانيين على هذه الصيغة المقترحة قبل ان يعلنها ديكويلار يوم 31 تشرين الأول اكتوبر. كان الزعماء اللبنانيون متفائلين حيال المفاوضات، وشعروا انه يسهل عليهم التعامل مع رئيس الحكومة الاسرائيلي الجديد بيريز اكثر من سلفه بيغن.

وجرت هذه المفاوضات اللبنانية - الاسرائيلية باشراف الأمم المتحدة في مقر القوات الدولية في بلدة الناقورة برئاسة الجنرال كالاهان قائد القوات الدولية في جنوب لبنان. لكن هذه المفاوضات باءت بالفشل. وأعادت اسرائيل نشر قواتها في جنوب لبنان كما ارتأت وخارج اطار أي اتفاق مع الحكومة اللبنانية. فاسرائيل لم تثق إطلاقاً بالحكومة اللبنانية، وقبلت عملية الناقورة لكسب الوقت، وإظهار "حسن النية" والمرونة أمام العالم. ووضعت اسرائيل عوائق أمام وصول الجيش اللبناني الى نهر الأولي، وزادت عدد عملائها في بيروت الذين كانوا يتحركون بحرية في بعض المناطق اللبنانية ويخططون لإثارة المشاكل كلما كان ذلك مفيداً لاسرائيل.

قال لي فيليب حبيب عندما تحدثت معه هاتفياً في 28 كانون الثاني يناير 1985 ان "محادثات الناقورة كانت نكتة. وكان من الأفضل للبنان لو أنها لم تتم إطلاقاً. ان ما يتحدث عنه الاسرائيليون ليس انسحاباً كاملاً بل احتلال دائم لجزء من لبنان. لقد فعلت كل ما في وسعي للمساعدة ولكني فشلت. وأنا أفكر بكم دائماً، وكل ما استطيع قوله هو فليكن الله معكم".

كان من الواضح ان واشنطن ليست قلقة حيال ما يجري في لبنان. وقال لي كريستوفر روس سفير أميركا الحالي في سورية يوم 28 كانون الثاني يناير 1985 ان لبنان "لم يعد مهماً بالنسبة الى الولايات المتحدة". الواقع انه مع مطلع 1985 لم يعد الأميركيون ينظرون الى لبنان على أساس انه "دولة صديقة للولايات المتحدة". وأظهر استطلاع للرأي العام الأميركي نشر مطلع 1985 ان لبنان يأتي بعد سورية وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية على قائمة الدول "الارهابية".

وتسربت هذه الصورة من الرأي العام الى الكونغرس وصولاً الى البيت الأبيض والدوائر الداخلية لوزير الخارجية الأميركي شولتز. وصار لبنان قضية خاسرة، ولم يرد أي أميركي ان يرتبط اسمه بخاسر.

كان موظفو السفارة الأميركية في بيروت يتكلمون وينعكس كلامهم على سياسة بلادهم، والسياسة يصنعها الرجال الصغار كما الكبار. وغالباً ما يتأثر موظفو الكونغرس ورجالاته بما يقرأونه، وكانوا في ذلك الحين يقرأون فقط عن المخطوفين. وقال لي أحد موظفي وزارة الخارجية ان "الولايات المتحدة قوة عظمى علقت سياستها في منطقة استراتيجية كالشرق الأوسط على مسألة اختطاف خمس رهائن أميركيين، وهذا شيء محزن لكنه صحيح. وغالباً ما تنشغل السياسة الأميركية بالقضايا الساخنة، ومسألة الرهائن قضية ساخنة الآن وهي على كل لسان".

وبينما كان المسؤولون الأميركيون يتباحثون معي في شأن لبنان على أساس انه قضية بحد ذاتها، صاروا في عام 1985 يتحدثون عن حل المشكلة الفلسطينية أولاً ومن ثم حل المسألة اللبنانية. وعندما سمعت ذلك في البيت الأبيض أدركت اننا وقعنا في نظرية للوقت هي أقرب الى النظرية اللاهوتية. ونسي شولتز حتى "الأهداف التي كانت نصب أعيننا"، وكان يبدأ حديثه معي بالقول: "حسناً ايلي، دعني استمع الى آرائك. ان ما يهمني الآن بالدرجة الأولى هو مشكلة الارهاب والرهائن المحتجزين لدى الارهابيين في لبنان". وكنت أجيبه: "ان الارهاب والرهائن ليسا سياسة يا صديقي، السياسة هي التعامل مع المشكلة اللبنانية باسلوب يمنع حدوث الارهاب واختطاف الرهائن". قيل لي ان شولتز كان يستمتع "بمحاضراتي". لكنها كانت مجرد "محاضرات" بالنسبة اليه ولم تؤثر على اهتمامه الذي حكمته عوامل أخرى معظمها محلي. ونصحني ريتشارد مورفي بالاعتماد أكثر على الأمم المتحدة. وأما الآخرون الذين راقبوا السياسة الاسرائيلية فقالوا لي انه من المتوقع ان تنسحب اسرائيل من الجنوب كما انسحبت من الشوف من قبل، مما سيؤدي الى اندلاع أعمال عنف تسبب هجرة المسيحيين جنوباً نحو الحزام الأمني الذي أوجدته اسرائيل. وحسب وجهة نظر اسرائيل، سيوفر الوجود المسيحي القوي على حدودها الشمالية حماية وأمناً أكبر لها واحتياطاً بشرياً كافياً تستعمله لبناء جيش لبنان الجنوبي. وحسب الاسرائيليين، لن يؤدي ازدياد الأصولية الاسلامية الى خطر حقيقي عليهم. وكانوا يرون ان نشاط الأصوليين في الجنوب يهدف الى تقويتهم في جنوب لبنان لا الى الانسحاب منه، لكن الأميركيين الذين كانوا منهمكين بمسألة خطف الرهائن كانوا قلقين جداً من بروز "حزب الله" الذي تحول من مجموعة سرية صغيرة الى حزب يعمل علناً ويملك إمكانات التوسع والانتشار على الأرض. وشعروا ان الحزب قد يهدد "المعتدلين" في صفوف الشيعة ويؤدي الي تغيير معالم لبنان.

من هم "الفاسدون"؟

انعكست هذه الأوضاع السياسية على سمعة الرئيس أمين الجميل ورصيده لدى الشعب اللبناني. ومع نهاية 1984 وبداية 1985 أخذ الناس يتهمون الجميل بأنه "انسان بارد لا تهمه مشاكل المواطنين" وانه "يحب المال ويسعى الى امتلاكه". تحدثت معه مطولاً عن شخصه وصورته. واتفق معي على الحاجة الى تغيير في اسلوبه "كي يراه الناس على حقيقته"، وظن هو ان أفضل طريقة للتوصل الى ذلك هي استخدام خبير أو خبراء أجانب يساعدونه على تحقيق ما يريد. وجاء الخبراء وذهبوا من دون أية نتيجة، حيث انحصر اهتمامهم "بالكسب السريع". وشعرت باحتقار كبير لهؤلاء الخبراء لدرجة انني لم أقبل أن يرتبط اسمي بهم بأي شكل من الأشكال مما أثار حفيظة الرئيس.

واندفعت ذات يوم الى مكتب رئيس الجمهورية وقلت له: "لا تحتاج الى خبراء. هناك أشخاص فاسدون حولك، أطردهم. أنت تضع أقنعة على وجهك خلف مكتبك الرئاسي، تخلص منها. انت تهتم كثيراً بمظهرك الخارجي، حاول ان تكون عادي المظهر. يجب ان تضحك، وتصرخ، وتغضب، وتخرج من شكلك البروتوكولي. لديك رسالة بسيطة، ويجب ان تنقلها الى الناس بطريقة بسيطة، واثقة، وعامية". وافق الرئيس على كلامي. كان الجانبان الرسمي وغير الرسمي في شخصيته في معركة مستمرة، وغالباً ما كان الجانب الرسمي يخرج منها منتصراً.

وأردت انشاء فريق يستطيع رئيس الجمهورية الاعتماد عليه، وأن يعمل هذا الفريق كيد واحدة، ويعبر عما يفكر به، ويكتم السر، وينصح الرئيس في شأن القضايا الصعبة. ورغبت في فريق له قاعدة تمثيلية عريضة، لكن رئيس الجمهورية كان يشعر بارتياح أكبر لدى العمل مع فريق صغير من أعوانه المقربين. لم نشكل فريقاً موسعاً، وكان لدينا في أوقات مختلفة فرق تعمل لأهداف مختلفة. وبرهنت الفرق المختارة من البيروقراطيين على انها غير فاعلة لأن البيروقراطيين كانوا يقولون للرئيس ما يود سماعه. وافترضت ان ذلك آفة مستحكمة لا يوجد ضدها أي علاج ناجع. فالموظف الرسمي الذي تعتمد وظيفته على رئيس الجمهورية ويشعر أساساً بعدم الاطمئنان سيفعل أي شيء لكتمان الحقيقة إذا شعر بأنه سيشتري صداقة مسؤوله السياسي لقاء ذلك.

كان هناك كذب واخفاء كبير للحقائق في لقاءات الفريق مع الرئيس مما دفعني الى اليأس. وغالباً ما كنت أقاطع الأحاديث ضمن هذه اللقاءات أنا الذي اعتاد، كأستاذ جامعي، على "تصحيح" الأوراق، أي وضع الأفكار على الخط الصحيح من دون كذب أو مواربة أو جهل. وأقل ما يمكننا فعله في الحكومة هو تطبيق مبادىء الجامعات وعدم السماح للاخطاء، وأنصاف الحقائق، والأكاذيب، العاري منها والمبطن، ان تمر. وكنت ألجأ في ساعات حنقي الشديد الى مفكرتي لكتابة تأملاتي المريرة عن الفريق وعدم فاعليته.

حثثت رئيس الجمهورية على اصطحاب سكرتير معه بشكل مستمر لتدوين وقائع لقاءاته ونقلها الى الوزير المعني. كان من المهم وضع سجل للرئاسة وارشيف يستطيع الرئيس اعطاءه لخليفته. تلقينا فقط صندوق بقالة من الكرتون يحتوي أوراقاً ووثائق من الرئيس الياس سركيس بعد انتهاء سنوات حكمه الست. ويجب ان نترك مئات من هذه الصناديق بعد رحيلنا، بل ملفات محفوظة في ارشيف لمن سيأتي بعدنا. وجرت محاولة لعمل شيء من هذا النوع، ولكنها دمرت لسوء الحظ نتيجة نيران النزاع الملتهبة. وأثناء اللقاءات الكثيرة التي حضرتها مع ذلك الفريق، لم استطع جعل اعضائه يعتادون على الحوار، أي التكلم والاصغاء والتوصل الى أرضية مشتركة. وهناك شيء، ربما نتج من تدريبهم الحقوقي، يدفعهم الى القاء الخطاب، والاستماع الى المديح، ثم الخروج من الجلسة وكأن الحوار ممنوع. وعلى سبيل المثال، كلما كنت اتصل بأحد المسؤولين كي يحضّر خطاباً لرئيس الجمهورية كان يفعل ذلك بسرور. وكان يأتي الى مكتبي ويقرأ الخطاب المقترح بصوت عال ويستمتع بكل كلمة فيه. وإذا، لا سمح الله، اقترحت تعديلاً هنا، وتغييراً هناك، وتوضيحاً لنقطة ما وتقويماً للمنحى، كان كاتب الخطاب يصاب بصدمة ويلجأ الى الصمت والكرامة المجروحة. وفي مثل هذا الجو فإن العمل كمجموعة صعب، لا بل مستحيل.

نصيحة خدام

سعى الرئيس الجميل الى عقد لقاء مع الرئيس حافظ الأسد في دمشق في آذار مارس 1985 لبحث سبل توطيد العلاقات بينهما وتحقيق الاصلاحات السياسية في لبنان.

وفي الواقع كان الجميل كان يرغب آنذاك بإقامة "تحالف شخصي وعملي" مع الرئيس الأسد، لكنه لم يكن يرغب في توقيع أية وثيقة خطية من شأنها ان تربط لبنان بسورية

كان الجميل معجباً بالرئيس الأسد، ويحسده على تمكنه من السيطرة على السلطة والحصول على النفوذ الكبير في لبنان، وكان يريد الخروج بنتائج ملموسة من لقاء القمة معه، وتشكيل هيئة مهمات لبنانية - سورية مشتركة لاقتراح معايير للتعاون في الشؤون الأمنية والعلاقات الاقتصادية والاعلام. وكان ينشد دعم الأسد في توحيد كل القوى اللبنانية بما في ذلك الميليشيات وضمها تحت لواء الحكومة. كان يريد من الأسد أن يتخذ اجراءات لبناء الثقة تطمئن اللبنانيين الى ان استقلالهم وسيادتهم سيصانان. وكان يريد التوصل مع الرئيس السوري الى اتفاق على مبادىء أساسية للاصلاح كترسيخ الهوية اللبنانية ودور لبنان في العالم العربي وهيكل الرئاسة اللبنانية والبرلمان ورئاسة الوزراء والمؤسسات الجديدة ونظامي المركزية واللامركزية والنظامين الاجتماعي والاقتصادي واصلاح الجهاز البيروقراطي وبناء الجيش وحل الميليشيات وعودة النازحين والمهجرين اللبنانيين.

حين اتصل الجميل بالأسد وطلب موعداً للقاء بدا ان الرئيس السوري كان مسروراً لهذه الخطوة وأبلغ الجميل ان نائبه عبدالحليم خدام سيزوره في بكفيا ويبحث معه منطلقات اللقاء ومواضيعه. وفي الخامس من آذار مارس 1985 التقيت خدام في ضهور الشوير، وهي آخر قرية في اتجاه بيروت تخضع لسلطة القوات السورية، وركب معي في سيارتي الى بكفيا. وكعادته كان يمزح كثيراً ويروي حكايات وحكايات عن السياسيين. وكان أسلوبه يعتمد على عدم الاساءة الى الآخرين بمزاحه. وهو واحد من الشخصيات العربية المرموقة والمؤثرة فعلاً في مجرى الاحداث.

وخلال اللقاء مع الجميل كان خدام يستمع باهتمام الى آراء الرئيس عن الاصلاحات ومختلف المؤسسات والمجالس التي يقترح انشاءها لمنح مختلف الكتل الطائفية مراكز في هيكلية السلطة. وحين فرغ الجميل من عرض مقترحاته الاصلاحية، أعرب خدام عن استغرابه وقال: "فخامة الرئيس، هذه الاصلاحات تكرس الطائفية وتعتبر خطوة الى الوراء؟ وأجاب الجميل انه بمقترحاته انما يستجيب للضغوط الطائفية الداخلية، لأن كل طائفة تريد مركزاً خاصاً بها. فالدروز، على سبيل المثال، كانوا يطالبون باحداث مجلس شيوخ يرأسه درزي، وهو مطلب عارضه الروم الارثوذكس الذين كانوا يتعقدون ان رئيس مجلس الشيوخ يجب ان يكون منهم بصفتهم رابع أكبر الطوائف في لبنان. والروم الكاثوليك والارمن ايضاً كانت لهم مطالب بالحصول على مراكز في سلطة اتخاذ القرار. وأعرب الجميل عن رغبته في التوصل الى اتفاق شامل مع الرئيس السوري من شأنه أن ينهي الحرب ويفضي الى انسحاب القوات غير اللبنانية. ولم ترق فكرة الاتفاق الشامل لخدام وألح على الجميل بان يضع آراءه المتعلقة بالروابط مع سورية خطياً، وأعرب عن شكه في امكان عقد اجتماع مع الاسد في فترة وجيزة لانشغال الرئيس السوري بتشكيل حكومة جديدة. غير ان خدام اقترح، للاسراع في هذه المسألة، ان يعود الى بكفيا بعد بضعة ايام ومعه كل من بري وجنبلاط.

وخلال يومي التاسع والعاشر من آذار مارس 1985 عقدت في بكفيا اجتماعات مكثفة بين الجميل ونائب الرئيس السوري خدام حضرها الرئيس رشيد كرامي ونبيه بري ووليد جنبلاط والعميد غازي كنعان المسؤول عن الاستخبارات السورية في لبنان. واتسمت هذه الاجتماعات بخطب تمهيدية مطولة القاها كل طرف شرح فيها جهوده من أجل الوطن. وقدم خدام محاضرة مختصرة عن الاوضاع السياسية. وقال ان الانسان وسّع تنظيماته البشرية من الاسرة الى القرية الى القبيلة الى المدينة ثم الى الدولة، أما في لبنان فأنتم - كما قال - تفعلون العكس، وربما كان اللبنانيون من دون أن يعوا ينفذون ما تريده اسرائيل. وأضاف: "دعونا نتصرف كأطباء، وليشخّص كلّ منا المرض ولنحاول ايجاد العلاج". وبدأ الرئيس رشيد كرامي يشخّص العلة كالتالي: "يجب تطبيق البيان الوزاري، ويجب الغاء المراسيم الاشتراعية ويجب ترجمة مبدأ المشاركة في السلطة الى قوانين، ويجب تطبيق اللامركزية الادارية تطلعاً الى تطوير محافظات لبنان، كما يجب اعادة تنظيم البرلمان على اساس المساواة بين المسيحيين والمسلمين". ودعا نبيه بري من جهته الى الغاء الطائفية السياسية، وقال: "لا أريد ان يعامل أي شخص أفضل مني، كما أني لا أريد أن أعامل افضل من غيري". وشكا وليد جنبلاط من أن المباحثات تدور حول مسائل عقيمة بينما الوطن ينهار. ورد الجميل ان الوطن ينهار لأن مجلس الوزراء لا يجتمع ولأن الوزراء يهاجمونني ويهاجمون بعضهم بعضاً غير عابئين اطلاقاً بالمصلحة الوطنية".

وبعد جلسة نقاش عاصف استمرت 4 ساعات تساءل بري عما حققه المجتمعون، فرد خدام: "حققنا الكثير". وأعرب بري عن رغبته في ان تكون هناك مساواة بين السنة والشيعة والموارنة. وعارض الجميل هذا الاقتراح لأن الموارنة "يشكلون اكثر من 60 في المئة من المسيحيين" وإذا تحدد تمثيلهم في الثلث فسيمنح هذا نسبة تمثيلية لفئات مسيحية اخرى لا يبرر حجمها نسبة تمثيلها في البرلمان. واقترح خدام من جهته ان يكون نصف اعضاء البرلمان اللبناني من المسيحيين والنصف الآخر من المسلمين من دون تحديد نسبة تمثيل اي طائفة بعدد محدد. وانفرد بري من دون سواه بتأييد هذا الاقتراح. ودعا خدام الى الغاء النظام الطائفي في لبنان وسرد تاريخاً للطائفية في سورية الى ان ألغتها "الحركة التصحيحية" التي قادها الرئيس الاسد. وقال خدام: "اذا لم تلغوا النظام الطائفي فلن تنتهي حربكم. ان الطائفية كالنار، كلما غذيتها تعاظمت". ودعا الى صرف المزيد من الوقت لبحث سبل معالجتها.

وفي معرض تقويم اجتماعات بكفيا علمنا ان خدام عارض انشاء مجلس للشيوخ على اساس ان هذه الخطوة تكرّس الطائفية. كما علمنا من ميشال سماحة الذي كان قابل الرئيس الاسد قبل ذلك ببضعة اسابيع ان الرئيس السوري لم يكن يميل الى فكرة المساواة في التمثيل البرلماني بين الشيعة والسنة والموارنة لأن الموارنة لهم الاغلبية الكبرى بالنسبة الى الفئات المسيحية الاخرى. ويرى الاسد ان هذا يجب ان ينعكس على البرلمان اللبناني اذ لا يجوز معاقبة الموارنة بداعي تحقيق المساواة في ما بين المسيحيين من جهة، وبينهم وبين السنة والشيعة من جهة ثانية.

وقد خاب أمل الرئيس بعد اجتماعات بكفيا، فقد كان يرغب في لقاء قمة مع الأسد لكن انتهى به الأمر الى لقاء مصغر مع خدام، وكان يرغب في إقامة نوع من التحالف مع الرئيس السوري على غرار العلاقة التي أقامها الرئيس فؤاد شهاب مع الرئيس جمال عبدالناصر: تحالف يمكّنه من تصريف شؤون الحكم والخروج بنتائج ملموسة، لكنه صدم بموقف خدام الفاتر إزاء هذه الفكرة.

الانتفاضة

سعى الجميل، بعد أن أخفق في تغيير الموقف السوري حياله على رغم مضيّه شوطاً بعيداً في مجاملة سورية، الى ترسيخ مواقعه ضمن الطائفة المارونية وحزب الكتائب. واتخذ الحزب، بالتشاور مع الرئيس، قراراً بطرد سمير جعجع من صفوفه. وتحدى جعجع هذا القرار وتقدم في 12 آذار مارس 1985 للسيطرة على المناطق الممتدة من جبيل الى نهر الكلب. وأغلقت القوات الموالية للرئيس نفق نهر الكلب وتمركزت على التلال المشرفة عليه. وكان جعجع يعارض سياسة الجميل إزاء سورية ويتحدى زعامة الرئيس داخل البلاد وفي بيروت الشرقية. وشك الرئيس في أن يكون لاسرائيل ضلع في ذلك، لكن وزارة الخارجية الأميركية نفت وجود أي تدخل اسرائيلي. وأبلغني السفير الأميركي بارثولوميو أن سمير جعجع وإيلي حبيقة غير راضيين عن الجميل ومستاءان من سياسته، وانهما تمردا عليه وعلى حزبه من دون أي دعم خارجي. وفي اليوم التالي وفيما كنت مجتمعاً مع الرئيس دخل علينا العقيد سيمون قسيس رئيس المخابرات وأدى التحية العسكرية التي لم يرد عليها الجميل تعبيراً عن خيبة أمله في قسيس وأجهزة استخباراته التي "لم تكتشف أية مؤامرة إلا بعد مرور أيام عدة على حدوثها!".واتصل بري بالرئيس ليؤكد دعمه ودعم جنبلاط له في مواجهة جعجع. كما اتصل خدام وعرض أي دعم ممكن وسأل الرئيس عما يريده من الحص وبري وجنبلاط أن يفعلوه لمؤازرته. وأجاب الجميل: "خليهم يحلّوا عن ضهري!". واتصل الرئيس الأسد مساء ذلك اليوم وعرض مساعدة القوات السورية إذا دعت الضرورة. وأجابه الجميل: "لا شكراً، الأحسن ان ننزع شوكنا بايدنا". واقترح جوزيف أبو خليل على الرئيس عقد مؤتمر للزعماء المسيحيين للخروج بموقف مسيحي موحد. وتبنى الرئيس الفكرة، وانعقد مؤتمر ضم أعضاء البرلمان والوزراء والوزراء السابقين والزعماء الدينيين من المسيحيين استغرق أربع ساعات وأصدر المشاركون بياناً أعربوا فيه عن تأييدهم للرئيس وتوجهه السياسي. والتقاني العديد من المشاركين في هذا المؤتمر على انفراد وشكوا اليّ متسائلين: "لماذا يجروننا الى التدخل في شؤون تخص الكتائب؟ ولماذا ينعقد المؤتمر في القصر الجمهوري؟ ولماذا لا يجري التشاور مع الرئاسة الا بعد أن يفوت الاوان؟" وكانوا على حق.

وتعذر إيجاد متطوع ليقرأ البيان الصادر عن المؤتمر لأن المشاركين جميعاً كانوا يخشون انتقام جعجع وحبيقة. وكان حزب الكتائب الذي استجمع من الثقة ما يكفي لطرد جعجع، أصبح في وضع مهلهل. وأفادت مصادر المقر العام للحزب ان جوزيف أبو خليل "ضمير الحزب" مستاء جداً، وان زعماء الكتائب يجلسون هناك لتبادل "الدردشات" وشرب القهوة وتناقل الشائعات. وليست لديهم أية خطط أو أية رغبة في القتال، وهم الآن نادمون على إصدار قرار ليس في وسعهم تنفيذه. وأصبح الرئيس قلقاً على المتن، معقل أسرته وحزبه. فهو قد يفقد سيطرته على المنطقة في مواجهة جعجع اما بالتسلل أو بالقتال المباشر والمكشوف.

وعلى رغم انه كان مستاء من العقيد قسيس، فقد أمره ان يتوجه الى المنطقة ويعمل مع سكانها على الأرض لتحصين المتن ضد التمرد. وتملكت الدهشة قسيس، بمظهره الغامض والمحير، وتصنّع التحرك لتنفيذ أمر الرئيس.

واتصل خدام هاتفياً مرة ثانية بالجميل ليقول ان كريم بقرادوني، أحد زعماء الكتائب وأحد الأعضاء البارزين في "القوات اللبنانية"، اتصل به وأكد له عدم تورط اسرائيل في التمرد. لكن خدام قال انه غير مقتنع بهذا الكلام وإن التمرد يهدد مسار حكومة الوحدة الوطنية. وسرت شائعات قوية عن تحرك القوات السورية، وحتى عن اختراق سوري لبيروت الشرقية لإخماد التمرد.

وردد المبعوثون على مسمعي كثيراً ان السوريين يشعرون بخيبة أمل لأن الجميل لم يطلب المساعدة، إذ كانوا على ما يفترض مستعدين للتدخل وسحق التمرد ومن ثم العودة الى مواقعهم. وأشرت عليهم ان أفضل سبيل هو اتباع النهج السياسي لنزع فتيل التمرد ومعالجة الأسباب التي أدت اليه. وكانت احدى الطرق لتحقيق ذلك في رأيي ضم زعماء التمرد الى قيادة الكتائب لتجديد شباب حزب أخذ يعتريه تحجّر الشيخوخة. وفي السادس عشر من ذلك الشهر قابلني بارثولوميو إثر لقائه بقرادوني وأخبرني انه أبلغ "القوات اللبنانية" الرسالة التالية: "لقد عرقلتم عملية الاصلاحات السياسية، ولجأتم الى القوة، الأمر الذي نأسف له، وأضعفتم مكانة الرئيس والرئاسة، فلم يخطر على البال أن تتحدى فئة مسيحية رئاسة الجمهورية، ولا بد أن يكون لكل رئيس حزبه الذي يمكن أن يركن اليه، وحتى الرئيس ريغان يتحدث باسم الحزب الجمهوري، ان حركتكم ستؤدي الى عزلتكم في العالم العربي وعلى الصعيد الدولي". وكان بقرادوني يدرك مخاطر التمرد لكنه - كما أبلغني بارثولوميو - كان يشعر أن الرئيس الجميل مضى الى أبعد مما ينبغي في سياسته العربية وفي نهجه الاصلاحي. وأضاف بارثولوميو أن بقرادوني أصر طيلة الاجتماع على إبقاء الاجتماع سرياً وحصر ما بحث فيه بينهما وحسب، لأنه كان يخشى أن "يسرِّب" الرئيس ما دار فيه. وحملق بارثولوميو في وجهي وقال: "الرئيس رجل عاقل ويحفظ أسراراً، أليس كذلك؟ وهو كالجندي المتمرس، لا يعطي، إذا تعرض للضغط، سوى اسمه ورتبته ورقمه العسكري؟!". ثم أبلغني أنه طلب من السفير الأميركي في تل أبيب، سام لويس، أن يتحقق من دور اسرائيل في التمرد. وجاء تقرير لويس ليؤكد عدم وجود دور لاسرائيل في "انتفاضة" جعجع - حبيقة وان اسرائيل "في طريقها الى الخروج من لبنان لا الى العودة إليه".

الكاتب: 
إيلي سالم
التاريخ: 
الاثنين, مارس 29, 1993
ملخص: 
كنت أتحدث بلغة مختلفة عن تلك التي يتحدثها الرئيس كرامي، وكان لدينا مفاهيم مختلفة. كان يتطلع الى الداخل، وكنت انظر الى الخارج. كان يتحدث بتعابير مستقبلية، وكنت اتكلم في الحاضر القريب والمدى القصير. وكان لدى كرامي طريقة لاخراج اسرائيل، واذا لم تنجح فسيترك ع