ايلي سالم يتذكر : الأسد فضل الشرعية الثورية على شرعية الجميل لكن الغرب نصح الرئيس اللبناني بالاتفاق مع سورية ( 12)

النوع: 

 

* الأسد فضل الشرعية الثورية على شرعية الجميل لكن الغرب نصح الرئيس اللبناني بالاتفاق مع سورية

* مبعوث الفاتيكان اشتكى من الموارنة لأنهم "غارقون في معتقدات القرون الوسطى"

يتحدث الدكتور ايلي سالم نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية اللبناني السابق، في هذه الحلقة الثانية عشرة من مذكراته التي تنشرها "الوسط"، عن تزايد نفوذ سورية في لبنان وعن الاجتماعات "العاصفة" بين الرئيسين حافظ الاسد وأمين الجميل. وقد شغل ايلي سالم منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية اللبناني في عهد الرئيس الجميل وكان مستشاره للشؤون السياسية والاتصالات العربية والدولية. وشارك سالم طوال عهد الجميل من ايلول - سبتمبر - 1982 الى ايلول - سبتمبر - 1988 في صنع القرارات السياسية التي اتخذت خلال هذه الفترة، وفي الاتصالات المختلفة اللبنانية - العربية واللبنانية - الدولية، واطلع على مجموعة كبيرة من الاسرار المتعلقة باسرائيل ومخططاتها في لبنان، وبسورية، وبالولايات المتحدة والدول الكبرى الاخرى وبالفلسطينيين، والايرانيين، وبدول عربية اخرى لعبت ادواراً مختلفة في الساحة اللبنانية. من هنا اهمية مذكراته هذه التي تكشف اسراراً ومعلومات جديدة ليس فقط عن لبنان وصراعات القوى المختلفة فيه، بل ايضاً عن منطقة الشرق الاوسط. وقد حصلت "الوسط" من الدكتور ايلي سالم على حقوق نشر مذكراته هذه، على حلقات، في المجلة. وفي ما يأتي الحلقة الثانية عشرة من هذه المذكرات:

في مطلع 1986، كان الموضوع الطاغي على الحياة السياسية في لبنان هو موضوع "الاتفاق الثلاثي" الذي تم توقيعه في دمشق في كانون الأول ديسمبر 1985 بين زعماء الميليشيات الثلاثة، نبيه بري ووليد جنبلاط وايلي حبيقة، وباشراف سوري. وفشل المسؤولون السوريون في اقناع الرئيس امين الجميل بقبول هذا الاتفاق او تبنيه.

وتلقت الجهات الرسمية اللبنانية معلومات مفصلة عن مواقف الدول الاخرى من "الاتفاق الثلاثي".

فقد اتسم رد اسرائيل على الاتفاق بالتفاوت، اذ علّق بعض المعنيين فيها بأن "الاتفاق" ليس اكثر من قطعة ورق، مثلها مثل غيرها مما سبقها، لذا لا يستدعي اهتماماً كبيراً. اما بعضهم الآخر فاعتبر "الاتفاق" تحولاً استراتيجياً بالنسبة الى الوجود السوري في لبنان مؤكداً ان لبنان اصبح دولة مواجهة، لذا ينبغي لاسرائيل ان تثبت مواقعها في "الحزام الامني" وتبقي عينيها مفتوحتين استباقاً للاحداث. وكان الوجود السوري في لبنان حتى ذلك الحين مبرراً على اساس انه جاء بطلب من الشرعية اللبنانية، و"الاتفاق" يضفي على ذلك الوجود بعداً استراتيجياً يوحي بأن القوات السورية ستظل في لبنان.

وكانت الولايات المتحدة مع "الاتفاق" وضده في آن. لكنها كانت تفضل عموماً المضي فيه ومن ثم تعديله حسبما تقتضي الحاجة. اما الفاتيكان فكان رده سلبياً، وطلب تغيير الفصل الخاص بالغاء الطائفية. وعبّر السفير البابوي في بيروت عن قلقه العميق ازاء عجز الرئيس الجميل عن تحقيق ما يريد وفرض سلطة الرئاسة بسبب الانقسام الذي تعانيه الطائفة المارونية، وكان يؤلمه ضعف مكانة البطريرك الماروني واللامبالاة بأوضاع لبنان التي يبديها المجتمع الدولي.

وأخذت رياح العاصفة ضد "الاتفاق" الثلاثي تهب من كل صوب وأخذ وليد جنبلاط يتحدث عنه بفتور، وأعرب السنة عن عدم حماسهم له، وكان اعتراض سليمان فرنجية عليه واضحاً منذ البداية على رغم انه حاول تلطيف موقفه بعد زياراته الى دمشق. اما سمير جعجع فلم يجاهر بمعارضة "الاتفاق الثلاثي"، بل استولى على محطة التلفزيون التابعة لـپ"القوات اللبنانية" تمهيداً للمواجهة العسكرية مع ايلي حبيقة، اضافة الى محطة "شركة الاذاعة اللبنانية" وإذاعة "صوت لبنان الحر". وكان حزب الكتائب برئاسة ايلي كرامة يهاجم حبيقة ويحقق المكاسب. وعين الفاتيكان ادارياً بطريركياً هو المطران ابراهيم الحلو كراعٍ للكنيسة المارونية الى حين انتخاب بطريرك جديد. وكان المطران الحلو من معارضي "الاتفاق" لكنه لم يجهر بذلك، وقال: "ليس لدي سوى حارسين اثنين عند البوابة. ولا اريد عوكر أخرى هنا" اشارة الى الانفجار الكبير في سيارة مفخخة عند مبنى السفارة الاميركية في عوكر - بيروت الشرقية.

وكان المطران الحلو يرغب ان تشكل لجنة من الرئيسين السابقين فرنجية وشمعون ورئيس الوزراء رشيد كرامي ورئيس مجلس النواب حسين الحسيني لتعديل "الاتفاق" الثلاثي حسبما ترى مناسباً. وقال ان "المفاوضين من الميليشيات لا يمكن لهم ان يحلّوا المنازعات الدستورية. ولا يمكن لأحد ان يفعل ذلك الا ذوي الخبرة من المذكورين آنفاً".

"اجتماع سيىء للغاية"

وتقرر ان يقوم الرئيس امين الجميل بزيارة دمشق للتباحث مجدداً مع الرئيس حافظ الاسد يوم 13 كانون الثاني يناير 1986. وصبيحة ذلك اليوم اندلع القتال بين "القوات اللبنانية" بقيادة ايلي حبيقة وحزب الكتائب في منطقة المتن. واضطررت الى ان استعمل احدى المروحيات للوصول الى الرئيس الجميل في بكفيا لأن الطرق كلها الى هناك كانت مغلقة. وكان الجميل في غاية الاهتياج. وعقد اجتماعاً لقادة الكتائب في المتن، الذين اكدوا له قدرتهم على الصمود في وجه حبيقة. كما نشبت المعارك على جبهة سوق الغرب. وكان الرئيس ممزقاً في تفكيره ما بين ان يتوجه الى دمشق وسط هذه الظروف أم لا. ثم قرر الذهاب واستقلينا المروحية معاً من بكفيا الى القليعات حيث القاعدة الجوية اللبنانية في عكار قرب الحدود السورية. ومن هناك استقل الرئيس طائرة خاصة الى دمشق. وقلت له وأنا أودعه: "حاول الاتفاق مع الأسد وارسم خطة كبرى معه لتشكيل حكومة جديدة وابدأ منطلقاً جديداً".

وبعد ان عاد الرئيس الجميل من دمشق توجهنا الى منزله في بكفيا فقال لي ان محادثاته مع الرئيس الاسد "كانت سيئة للغاية" وان اجتماعه بالرئيس السوري "كان أصعب اجتماع عقده معه". وذكر الجميل ان الاسد تحدث عن "شرعية الثورة اللبنانية" في مقابل "الشرعية الدستورية" التي وصفها بأنها شكلية.

وكان الاسد في رأي الجميل، يتحدث كالثوري، بينما هو الرئيس اللبناني كان يتحدث بأسلوب دستوري. وقال الجميل انه كان طلق اللسان وشجاعاً في طرح آرائه في الجلسات مع الرئيس السوري. وذكر لنا الجميل انه ابلغ الاسد معارضته لما ورد في الاتفاق الثلاثي عن تقليص سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية وانه طالب، عكس ذلك، بتقوية دور رئيس الجمهورية لكي يتمكن من السيطرة على مختلف القوى في البلاد. وذكر لنا الجميل ان الاسد كان "غاضباً للغاية" خلال هذا الاجتماع، لكن الرئيس اللبناني لم يتراجع عن موقفه وعن انتقاداته للاتفاق الثلاثي.

وبعد خمس عشرة ساعة من المباحثات كان الاسد والجميل يبحثان عن مخرج لبق. واتفقا اخيراً، في رأي الرئيس اللبناني، على نقطتين: الاولى تقضي بأن يوجه السوريون الدعوة الى الاطراف اللبنانية الثلاثة التي وقّعت الاتفاق لبحث وجهات نظر الرئيس الجميل ومعالجتها نظراً الى ان ذلك "شأن لبناني داخلي". والثانية ان يطرح الرئيس اللبناني "الاتفاق" على مجلس النواب لاقراره. وكان الجميل يعتقد انه سيحظى بموافقة النواب بأغلبية ثلاثة أصوات الى صوتين. لكن فجأة تبدل الموقف السوري اذ اعلن عبدالحليم خدام نائب الرئيس السوري ان الرئيسين الاسد والجميل لن يعقدا أية قمة اخرى وأن سورية ستجري مشاورات مع حلفائها في شأن الخطوات التي ستتخذ في المستقبل. وعقد موقعو "الاتفاق" جنبلاط وبري وحبيقة اجتماعاً قصيراً مع خدام وأعلنوا رفضهم الآراء التي طرحها الجميل برمتها.

طائرة سورية في اسرائيل

شن الرئيس الجميل وسمير جعجع هجوماً عسكرياً مشتركاً على حبيقة. واستخدم الرئيس في ذلك قوات الكتائب الموالية له في المتن، واستخدم جعجع الوحدات الموالية له في "القوات اللبنانية" التي كانت تفوق وحدات حبيقة عدداً. وبحلول مساء الأربعاء في الخامس عشر من كانون الثاني يناير 1986 كان حبيقة انتهى امره وهُزمت قواته، واستسلم للجيش وأُحضر مع مئتين من اتباعه الى وزارة الدفاع. وفي اليوم التالي استقال من قيادة "القوات اللبنانية" وأقلته مروحية تابعة للجيش الى قبرص التي طار منها الى أوروبا. وأدت هذه النكسة الى انزعاج خدام، الذي عمل جاهداً على اكمال "الاتفاق" والذي اصبح يتهم الرئيس الجميل بافساد جهود "جيل الشباب". وأطلق بري وجنبلاط العنان لمدافعهما لتصب قذائفها على بيروت الشرقية. ودعا خدام الزعماء المسلمين الى لقائه في دمشق لبحث التطورات الجديدة. في حين كان جعجع ومستشاره كريم بقرادوني يبحثان، من ناحية اخرى، مسألة الدعوة الى عقد مؤتمر مسيحي في بكركي. وكان الرئيس مهتماً بأن يؤكد للسوريين ان الصراع بين جعجع وحبيقة كان شأناً داخلياً محضاً وأن خط الاتصال بين لبنان وسورية يجب ان يظل مفتوحاً. وكان الجميل جاداً ازاء الاصلاحات والعلاقات المميزة مع سورية، لكن على غير الشكل الذي صيغت به في الاتفاق الثلاثي، كما كان يريد ان يكون هو الذي يفاوض على ذلك الاتفاق، ولم يكن مستعداً للتخلي عن مركزه لايلي حبيقة، الذي كان يمكن اذا انتصر ان يضمن زعامة حزب الكتائب والمسيحيين جميعاً، وهما بالضبط المجموعتان اللتان كان الرئيس الجميل يأمل في ان يتزعمهما في المستقبل بصفته الرئيس السابق.

عاد حبيقة بعد فترة قصيرة من أوروبا الى سورية، ومنح في الواقع سلطة ادارية في مدينة زحلة في سهل البقاع وأخذ يدعم مواقعه هناك ويزيد من اتباعه، وتسلم قيادة "القوات اللبنانية الحقيقية" تمييزاً لها عن "القوات اللبنانية الرجعية" التي اصبحت تحت قيادة سمير جعجع. وأصبح حبيقة مرتبطاً بالسوريين. وكان السوريون يعتبرون حبيقة "انتاجهم". اما بالنسبة الى الجميل، فكان يعتبر ان انتصاره على حبيقة في معركة دامت ست ساعات ضربة له ولسورية ايضاً.

دعا الجميل مجلس الوزراء الى عقد اجتماع لبحث الاتفاق الثلاثي ليطرح فيما بعد على البرلمان وفقاً لاتفاقه مع الاسد حسب اعتقاده، لكن مجلس الوزراء المقاطع، رفض الاجتماع، وهو ما دفع الرئيس الى ان يطلب من جوزيف جريصاتي المدير العام للقصر الجمهوري ان يسلم "الاتفاق" الى رئيس المجلس النيابي الذي رفض بدوره ان يتسلمه. وترك جريصاتي "الاتفاق" على مكتب رئيس المجلس النيابي حسين الحسيني وأسرع عائداً الى القصر الجمهوري. وكانت تحضيرات المعارضة للهجوم على المنطقة آنذاك جارية على قدم وساق. وكانت الامور تنذر بشر خطير، فقد صدرت انذارات بالقصف ودعوات الى استقالة اركان الحكم وتهديدات بالمقاطعة والقيام بمناورات عسكرية. وتلقت وزارة الدفاع رسالة من القائد العام للقوات السورية في لبنان يتهم فيها الجيش اللبناني بالقيام بـپ"تحركات غير ودية" على جبهة بكفيا. واعتبرت تلك الرسالة خطيرة في شكل خاص. فقد كان تقديرنا ان المنطقة الشرقية تستطيع، في حال شن هجوم شامل، ان تصمد لمدة اسبوع على الارض، لكنه بعد ذلك لا بد لها من الاعتماد على تحرك الجبهة الديبلوماسية وحسن نوايا المجتمع الدولي.

وأخذ تدهور الاوضاع السياسية يحدث تأثيره في الوضع المالي، وهو ما اثار هياجاً شعبياً. ووصل سعر الدولار الاميركي الذي كان يتصاعد منذ 1984 مقابل سعر الليرة اللبنانية الى 26 ليرة اوائل شباط فبراير 1986. وهوى ثقل الضغط الاقتصادي ثانية على كاهل الرئاسة كما لو كان رئيس الجمهورية لا يزال يتمتع بأية سلطات متبقية له. غير ان من الصعب تغيير ما يعلق في اذهان الناس من حقائق او حتى اساطير. فقد كانت سورية منزعجة جداً من الجميل، في حين انه كان في الاذهان موالياً لسورية بمعنى ما، وما زاد وضعه سوءاً انه في اعماقه كان معجباً بالأسد. ومضيت من جهتي ابحث عن طريقة لاعادة الحوار اللبناني - السوري.

وفي مطلع شباط فبراير 1986 اجبرت الطائرات الاسرائيلية طائرة ليبية صغيرة على الهبوط في اسرائيل للشك بوجود احد زعماء منظمة التحرير الفلسطينية على متنها. وتبين ان الطائرة كانت تقلّ وفداً سورياً. وأصيب الاسرائيليون بالحرج وأطلقوا سراح الوفد وأعادوا الطائرة. واستاءت سورية من الحادث، ولا سيما الرئيس الأسد. وأشرت على الجميل ان يتصل بالاسد ويعرب له عن دعمه. غير انه كان، كالرئيس السوري، مصاباً بحساسية بالغة حيال مواقف كهذه، وكانت نفسه عزيزة عليه. وكان يعترف ان تلك كانت مشكلته الكبرى. وتساءل كيف يمكن ان يتصل بالأسد لأنه لن يرد "بل سيجعلني انتظر على الهاتف ويسبب لي المزيد من الاحراج". وفي اليوم التالي ستنشر جريدة "السفير" القصة تحت العنوان الكبير: "الاسد يرفض الرد على مكالمة الجميل"، لكنني ألحححت في الطلب وأكدت للرئيس أن الأسد سيرد وأن عليه ان يستمر في تقديم التضحيات الشخصية من اجل لبنان وان عليه ان يعيد الحوار اللبناني - السوري ويخفف وطأة الضغوط على البلد. وذكرته ببيت الشعر العربي القائل: "انا الغريق فما خوفي من البلل؟" وحملق في وجهي وتنهد وطلب الاتصال بالأسد. ولم تمضِ دقيقة حتى كان يتحدث مع الرئيس السوري في انشراح تام وكأن شيئاً بينهما لم يطرأ. وأبلغ الاسد انه يريد ان يبدأ حواراً جديداً معه يوصل الى اتفاق يكون مرضياً للطرفين. ووافق الرئيس السوري لكنه اقترح ان يجري ذلك اولاً على نطاق موثوق منحصر في مستوى اجهزة الاستخبارات لدى كل من الطرفين. وطبعاً، نشر الرئيس اللبناني مضمون المكالمة "مبهّراً" وعلى نطاق واسع، في حين التزم الرئيس السوري الصمت حيالها.

قبول الاتفاق وتعديله

المعروف عن الاسد تحليه بالصبر. وهو عرف كيف يتلقى الضربات ولا يفقد اعصابه ابداً. ولم يكن رد فعله ازاء رفض الجميل "الاتفاق" الثلاثي عاصفاً مدمراً، كما كان بعضهم يأمل وبعضهم الآخر يخشى. وبدأ الرئيس السوري عن طريق نائبه خدام عملية طويلة ومضنية من المشاورات مع الزعماء اللبنانيين. ولم يكن مفاجئاً ان لا يجد السوريون ذلك التأييد المطلق وغير المتحفظ لـپ"الاتفاق"، وهو التأييد الذي كانوا يتوقعون أو انهم أوهموا انه سيتحقق. فقد التقى زعماء سنّة لبنان برئاسة المفتي الراحل حسن خالد ككتلة واحدة نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام، واستهل المفتي الراحل الحديث ثم تلاه تقي الدين الصلح، رئيس الوزراء الاسبق الذي قال ان هناك مواد جيدة في "الاتفاق" لكن فيه ايضاً مواد اخرى ينبغي تعديلها "فنحن لا نحتاج ان يعلمنا بري وجنبلاط وحبيقة ان لبنان عربي، فنحن، كما كنا على الدوام طليعة القومية العربية. ويجب ان يدرس البرلمان بحرية التفاصيل القانونية وأن يجري تعديلها هناك. ومن الخطر على مستقبل نظامنا الديموقراطي ان يتولى مجلس الوزراء تعيين عدد من النواب في البرلمان اكبر مما انتخب اليه في الانتخابات العامة الماضية عام 1972، ويمكن تطبيق مسألة التمثيل البرلماني للطوائف اللبنانية الكبرى الثلاث: الموارنة والسنة والشيعة، في مجلس الشيوخ". وأبلغ الاسد الوفد اللبناني السني انه اتفق مع الجميل على الخطوات اللازمة لاقرار الاتفاق الثلاثي داخل البرلمان اللبناني، لكن الجميل غيّر كل شيء في اليوم التالي حين شن الهجوم على حبيقة. وقال الاسد ايضاً ان في الامكان ان يعدل البرلمان "الاتفاق" وان من الافضل للمسيحيين ان يقبلوا به لأن اي اتفاق في المستقبل لن يكون في مصلحتهم. فالوثيقة الدستورية لعام 1976 كانت افضل من هذا "الاتفاق" المؤرخ 28/12/1985 ومع هذا رفضها المسيحيون. وطلب الاسد مساعدة السنة في اعطاء "الاتفاق" وزنه ثانية والعمل على اقراره.

ولم تفلح مفاتحة الجميل المتواضعة للأسد من خلال المكالمة الهاتفية المذكورة في تغيير موقفه وصورته بأنه رئيس محاصر وخاضع للضغوط. وحين تلقى دعوة من الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران في منتصف شباط فبراير 1986 لحضور مؤتمر قمة الدول الناطقة بالفرنسية فرانكوفون في باريس شجعته على الذهاب الى هناك وحضور المؤتمر اذا استطعنا ان نؤمن عقد لقاء مستفيض مع ميتران قبل المؤتمر اضافة الى اجتماع خاص مع البابا. وكنا نرغب في ان يصدر الرئيس الفرنسي بيان تأييد يدعم به مقام الرئاسة اللبنانية، ومن الفاتيكان كنا نتمنى ممارسة النفوذ لبدء حوار لبناني - سوري يعتبر بمعنى ما جزءاً لا يتجزأ من الحوار المسيحي - الاسلامي الذي يلتزم الفاتيكان باجرائه.

وفي هذه الفترة تلقى الجميل اقتراحاً عربياً بقبول "جوهر" الاتفاق الثلاثي والمطالبة في الوقت نفسه بادخال تعديلات عليه، وبابلاغ الاسد خطياً بذلك. ووافق الجميل على ذلك لكنه قال انه يفضل ان يوجه الرسالة الى مسؤول عربي كبير وليس الى الاسد مباشرة. وأعد الجميل هذه الرسالة التي تضمنت الاعلان عن قبول "جوهر" الاتفاق الثلاثي لكنها تضمنت ايضاً اعتراضات على مجموعة تفاصيل واردة في الاتفاق.

ووضعنا مفهومنا لـپ"الجوهر" في سبع نقاط:

1 - الاصرار على استقلال لبنان واللبنانيين وسيادتهم وضمان حرياتهم العامة.

2 - تعبئة مواردنا جميعاً، اللبنانية والعربية والدولية، من اجل تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الاسرائيلي وتطبيق قرارات مجلس الامن الدولي 425 و508 و509، وإصرارنا على استمرار "اتفاق الهدنة" مع اسرائيل.

3 - توكيد الهوية العربية للبنان، ودور لبنان في محيطه العربي والحاجة الى اقامة علاقات مميزة مع سورية مبنية على اساس الاعتبارات الجغرافية والتاريخية.

4 - الحاجة الى تطوير النظام السياسي اللبناني لضمان المشاركة الفعّالة لطوائفه الرئيسية جميعاً ووضع دستور جديد يحفظ هذه المنجزات. اضافة الى هذا، تطبق اصلاحات اقتصادية واجتماعية لضمان العدالة والمساواة في اطار نظام ديموقراطي برلماني حرّ.

5 - العمل بنظام المساواة في البرلمان بتخصيص نصف مقاعده للمسيحيين والنصف الآخر للمسلمين وبملء المقاعد التي تصبح شاغرة بوفاة الاعضاء.

6 - الاقرار بالحاجة الى الانتقال من الوضع الطائفي السائد الى وضع لا تمييز فيه بين لبناني وآخر الا على اساس الكفاءة والاهلية.

7 - انهاء الصراع العسكري وحل الميليشيات وبسط سلطة الدولة في انحاء لبنان جميعاً في اطار خطة متفق عليها، ويجري ذلك كله بمساعدة سورية.

وأشارت الرسالة ايضاً الى "الاتفاق الثلاثي" على انه "خطوة الى الامام في سبيل التوصل الى حل شامل"، كما طلبت اجراء حوار جديد بين حكومتي لبنان وسورية في شأن "الاتفاق" وعلى اساس النقاط السبع السابقة الواردة فيه.

"الموارنة والقرون الوسطى"

ورافق ذلك اتصالات قام بها الفاتيكان مع سورية. وأبلغ خدام المبعوث البابوي سيلفستريني ان سورية لا تثق بالجميل ولن تتفاوض معه. لهذا اقترح سيلفستريني على الرئيس اللبناني ان يطرح توصيات على قادة الميليشيات، فوافق الجميل وهو يدرك ان الطرق الملتوية لن توصل الى شيء، وأضاف: "سأقوم بما يريدني البابا ان افعل: سأضع استقالتي تحت تصرفه". وطبعاً لم يكن الجميل يصدّق كلمة مما يتفوه به لسانه. كان بدوره ايضاً لاعباً مرّاً لا تلزمه المواقف السياسية التي تتدفق من خلال احاديثه الديبلوماسية. وخبت جذوة المبادرة التي اقترحها سيلفستريني ببطء، وتراجعت من مستوى الطموح الى انجاح خطة لكل لبنان الى مجرد السعي للحصول على اجماع مسيحي يكون في حد ذاته انجازاً رائعاً. وكان سيلفستريني يأمل في احلال الوفاق بين الجميل وسليمان فرنجية، وفشل. وسعى الى تخفيف النفوذ الاسرائيلي لدى "القوات اللبنانية"، ولم يفلح في ذلك ايضاً. وعقد الآمال على جعل الزعماء الموارنة يعملون معاً متحدين، لكنه وجد ان لدى كل منهم برنامجه الخاص الذي لا يريد ان يتخلى عنه. وفوجئ بانعدام الرؤيا الواحدة الموحدة لدى الموارنة الذين كانوا يتحدثون في العموميات ويطرحون الآراء والأفكار. وكانوا يقولون شيئاً ويعنون عكسه. وشعروا بالارتياح لأن البابا "قادم لخلاصهم". وقال المبعوث البابوي ان الموارنة غارقون في معتقدات القرون الوسطى، وانه شاهد المسيحيين اللبنانيين في حال من الشلل. ولم يسره كثيراً قول الرئيس الجميل انه يضع استقالته بتصرف البابا، وكان يرى ان على الرئيس ان يظهر قدراً اكبر من القيادة وان يوفق ما بين زعماء المسيحيين ويدفعهم الى العمل معاً. وكان يشعر ان مسيحيي لبنان سائرون نحو الكارثة. وغادر سيلفستريني بيروت خائب الأمل بعد ان أُحبطت مساعيه وخلّف وراءه احد مساعديه كرمز الى ان المبادرة البابوية لا تزال قائمة، ولو على نار هادئة بطيئة. وهي كانت كذلك بالفعل.

مبادرة المانية

فيما كان الفاتيكان يسعى الى حل النزاع عن طريق تعديل الاتفاق الثلاثي كانت المانيا الغربية آنذاك وعن طريق فرانس جوزيف شتراوس رئيس وزراء مقاطعة بافاريا، الشخصية الألمانية الدؤوب التي لا تعرف الكلل، تسعى الى ايجاد حل للبنان على مستوى المنطقة. اذ ارتأى شتراوس طرح خطة للمشرق العربي شبيهة بـپ"مشروع مارشال" الاميركي لاحياء اوروبا اقتصادياً في اعقاب الحرب العالمية الثانية. وصل شتراوس الى دمشق في الرابع والعشرين من آذار مارس 1986 آملاً في ان يتمكن عبر الصداقة التي تربطه بالرئيس الأسد من تحقيق انفراج في لبنان أولاً ومن ثم الانطلاق لتنفيذ خطته الكبرى من اجل المنطقة. وكان يطمح الى احلال الاستقرار في المشرق العربي عن طريق التقدم الاقتصادي. وكانت افكاره هذه تنطوي على مثالية المانية، لكنها مثالية تستقي جذورها من حقائق اقتصادية. وكنا نتوقع وصوله من دمشق في اليوم ذاته. لكنه لم يأت، وكان السبب المعلن هو سوء الاحوال الجوية. والاسباب التي تعزى الى الطقس كانت في احيان كثيرة، ومنذ الأزل، حجة ديبلوماسية لتأخر وصول ضيوف رسميين. ولا بد ان يكون شتراوس ادرك في دمشق ان القرارات المهمة في ما يتعلق بلبنان والمنطقة تُتخذ في سورية لا عند جارها الصغير المقسم المنقسم. واتصل شتراوس بالرئيس الجميل هاتفياً ودعاه الى زيارة مزرعته في بافاريا لبحث الحلول المناسبة. وكان رئيس وزراء بافاريا يهوى ممارسة الديبلوماسية الشخصية وإغاظة الحكومة المركزية في بون التي لم تكن واثقة مما اذا كان ينبغي ان تسبقه او تتحفظ وتبقى وراءه ببضع خطوات في حملاته "غير الموجهة" في ميدان الشؤون الدولية. وفي نهاية ذلك الشهر كان الجميل يقضي بضعة ايام في بافاريا. قال شتراوس موجهاً حديثه الى الجميل: "ليس امامك خيار، يجب ان تسوي مشكلتك مع الاسد مباشرة. والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا الغربية لا تستطيع ان تفعل شيئاً لك. سورية وحدها القادرة على ذلك، فلديها السلطة والارادة والصلاحية لتكون اللاعب الأول في الساحة السياسية اللبنانية في الوقت الحاضر. والأسد يتشكك ازاءك وأخذ يتملكه اليأس من التعامل معك. واستطعت، بعد ثلاث ساعات من الحديث مع الاسد ان اقنعه بفتح حوار معك على اساس هذا الشرط: ان ترسل له نسخة منقحة عن الاتفاق الثلاثي مع الحواشي والتعليقات التي تفصّل المواد التي تقبلها وتلك التي لا تقبلها فيه، والبديل الذي تقترحه لكل مادة مرفوضة. وسأبعث لك بحاثة المانياً متخصصاً ليساعدك في ذلك. واني احضك على قبول مقترحات الاسد. ولك شخصياً اعبر عن محبتي لأنك زعيم مسيحي وأنا "مسيحي ديموقراطي". وعندي مسؤولية اخلاقية تجاهك. سيزورك ابني ماكس في غضون عشرة ايام ويأخذ النسخة المنقحة عن "الاتفاق" الى الاسد. ولا تقلق من تضارب هذا التصرف مع مهمة سيلفستريني، فأنا انسّق مع البابا وهو موافق على مبادرتي. وإذا صدف وانزعج الفاتيكان من ذلك، فلا يهمك الامر، لأنها مشكلتي وليست مشكلتك".

وقبل الرئيس الجميل هذا النصح، خصوصاً انه تلقى نصائح مماثلة من جهات غربية اخرى. وتلقى في الوقت نفسه نصائح عربية باجراء "اتصالات مباشرة" مع الرئيس الاسد.

وسلكنا الخيارات المتوافرة لدينا جميعاً على امل ان ينجح احدها. وأخذنا نتقصّى مع شتراوس، وبمساعدة الخبراء الألمان في الشؤون الدستورية، سبلاً جديدة للاصلاح. اما عن طريق سيلفستريني فقد ابقينا الاتصالات مع اوروبا مفتوحة.

الاولوية للشرعية الثورية

كان الاسد يتحدث عن شرعيتين في لبنان: الشرعية الثورية والشرعية الدستورية. وللشرعية الثورية في رأيه الأولوية على الشرعية الدستورية لأنها هي المسيطرة على الأرض. والحقائق والوقائع الى جانبها، بينما الشرعية الدستورية في اغلبها قوالب وقوانين وممارسات فقدت قيمتها ووزنها. والشرعية الثورية ممثلة بفرنجية وكرامي وبري وجنبلاط وحبيقة تلقى الترحيب في دمشق في كل وقت. لا بل ان بعضهم يعيش هناك. اما الشرعية الدستورية ممثلة بالرئيس الجميل فكان عليها شق الطريق شقاً الى قلب سورية وفكرها. يُضاف الى هذا انها على الدوام موضع شك وفي قفص الاتهام، على اعتبار انها الجهة الرافضة ابدا على الساحة اللبنانية. وهي مع ضعفها لا تزال تمسك بسلطة القلم وسلطانه، وتملك القرار في التوقيع او حجبه، وفي اضفاء الشرعية الرسمية على اي شيء او الامتناع عن ذلك.

وكانت تلك فترة التباعد بين لبنان والولايات المتحدة، وكان كل طرف سعيد في ان يظهر بمنأىً عن الآخر. وكان فشل المبادرة الاميركية بانهيار اتفاق الانسحاب بين لبنان واسرائيل اكثر من مجرد الفشل في مسعى ديبلوماسي عادي، لقد كان بمثابة سقوط "الجبابرة" عند آلهة الاغريق. فقد كان المتوقع من الولايات المتحدة، كقوة عظمى، ان تكمل ما بدأته. كانت اتخذت موقفاً من حيث المبدأ، وأرسلت اسطولها وجنودها وتزعمت قوة "متعددة الجنسيات"، وتحركت ديبلوماسياً في انحاء العالم وحركت حلفاءها في المنطقة، وحضر وزير الخارجية الاميركي جورج شولتز شخصياً مرات عدة ولفترات طويلة احياناً. ومع هذا تمكنت سورية بمساعدة ايران من هزم المبادرة الاميركية وتفكيك عناصرها. وحتى سورية نفسها فوجئت بهذا الانجاز. وبهزيمة "الجبار" واخراجه من المنطقة يجرجر اذيال الخيبة ويسحب معه "القوة المتعددة الجنسيات". شعرت سورية بثقة متجددة، وتطاولت ظلال الاسد، لا في دمشق وحدها بل في نظر العالم اجمع. وأصبحت سورية منذ عام 1984، كما وصفها شتراوس بصدق، "اهم اللاعبين في الساحة اللبنانية". وفي حين اننا في لبنان لم نستبعد واشنطن ابداً كقوة سنحتاج اليها في نهاية المطاف، فقد اخذنا نركز اهتمامنا على دمشق منذ 1984. وأبدينا في تلك الفترة شيئاً من التباعد تجاه الولايات المتحدة.

تسلم شولتز وزارة الخارجية الاميركية وسط هالة احاطت به وأوحت انه مؤيد للعرب، وترك الوزارة تحيط به سمعة الموالاة لاسرائيل. وكان يشعر ان لبنان خذله، وان سورية خدعته. وفي غمرة استيائه مما شعر به تولد عنده شك في العرب وتخوف منهم. وكره العودة الى مواطن فشله وهوانه، فقد كان لبنان بالنسبة اليه لعنة حياته. لذلك لم يبذل اي جهد حقيقي، وحتى نهاية عهد الرئيس ريغان، لمساعدة لبنان واخراجه من ورطته.

الكاتب: 
إيلي سالم
التاريخ: 
الاثنين, أبريل 12, 1993
ملخص: 
وأخذت رياح العاصفة ضد "الاتفاق" الثلاثي تهب من كل صوب وأخذ وليد جنبلاط يتحدث عنه بفتور، وأعرب السنة عن عدم حماسهم له، وكان اعتراض سليمان فرنجية عليه واضحاً منذ البداية على رغم انه حاول تلطيف موقفه بعد زياراته الى دمشق. اما سمير جعجع فلم يجاهر بمعارضة "الا