إيلي سالم يتذكر : تفاصيل الوساطة الأميركية بين الأسد والجميل ( 15)
يكشف الدكتور ايلي سالم نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية اللبناني السابق، في هذه الحلقة الخامسة عشرة من مذكراته التي تنشرها "الوسط"، معلومات وتفاصيل مثيرة للاهتمام عن الوساطة الأميركية بين الرئيس حافظ الأسد والرئيس أمين الجميل.
وقد شغل ايلي سالم منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية اللبناني في عهد الرئيس الجميل وكان مستشاره للشؤون السياسية والاتصالات العربية والدولية. وشارك سالم طوال عهد الجميل من أيلول - سبتمبر - 1982 الى ايلول - سبتمبر 1988 في صنع القرارات السياسية التي اتخذت خلال هذه الفترة. وفي الاتصالات المختلفة اللبنانية - العربية واللبنانية - الدولية، واطلع على مجموعة كبيرة من الأسرار المتعلقة باسرائيل ومخططاتها في لبنان، وبسورية، وبالولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى وبالفلسطينيين، والايرانيين، وبدول عربية أخرى لعبت أدواراً مختلفة في الساحة اللبنانية. من هنا أهمية مذكراته هذه التي تكشف أسراراً ومعلومات جديدة ليس فقط عن لبنان وصراعات القوى المختلفة فيه، بل أيضاً عن منطقة الشرق الأوسط. وقد حصلت "الوسط" من الدكتور ايلي سالم على حقوق نشر مذكراته هذه، على حلقات، في المجلة. وفي ما يأتي الحلقة الخامسة عشرة من هذه المذكرات:
أبدت الولايات المتحدة اهتماماً خاصاً بلبنان في الفترة بين 1982 و1984، الى حد أنها، أحياناً، كانت تنظر الى أزمة الشرق الأوسط من خلال لبنان وأزمته.
وعندما فشلت الولايات المتحدة في لبنان انسحبت عسكرياً وديبلوماسياً، وفضلت عدم ربط نفسها بشكل واضح بمشكلة لبنان لأسباب أميركية داخلية. وعبَّر عن الموقف الأميركي، في تلك الفترة، أصدق تعبير أحد نواب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط عندما قال لي: "نحن حائرون كما ان الاسرائيليين حائرون أيضاً حيال لبنان. هناك الكثير مما يشغل وقتنا في واشنطن، ونحن لا نملك في الحقيقة الوقت الكافي للتعامل مع لبنان. ولذلك، نحن متكلون تماماً على السفير جون كيلي السفير الأميركي في بيروت كي ينذرنا عند حدوث شيء مهم. نحن نضيع بين كثرة الطوائف والأحزاب والزعماء في لبنان والتحالفات الكثيرة المتغيرة دائماً. كيف يمكن أن يفسر المرء أن القوات اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية تتعاونان معاً؟"نحن في واشنطن لسنا فلاسفة السياسة، ونفضل الحلول البسيطة للمشاكل البسيطة".
لكن المشاكل لا تذهب بواسطة تجاهلها. فقد حققت إيران تقدماً في لبنان وازدادت موجة الارهاب، وخطف مزيد من الرهائن وصارت الفوضى المسيطرة في بيروت تشكل مخاطر جديدة على الولايات المتحدة والعالم الغربي. كانت الفترة بين الأعوام 1984 و1987 مليئة بالمد والجزر والمؤتمرات الوطنية والجهود للتوصل الى اتفاقات في شأن الاصلاحات والعلاقات اللبنانية - السورية. وبما ان أزمة لبنان كانت اقليمية ودولية الى حد كبير، كانت هناك حاجة أكبر الى الاهتمام الاقليمي والدولي مما كان متوافراً في تلك الفترة. ومع حلول عام 1987، بدأت سورية ترسل اشارات الى الولايات المتحدة تظهر استعدادها للتعاون في شأن حل النزاعات الاقليمية. وتجاوبت الولايات المتحدة، وحاول لبنان الاستفادة من هذا التقارب. وعلى رغم ان واشنطن عاملت بيروت باهمال، لكن بيروت أبقت واشنطن على اطلاع على سياساتها على أمل أن تعيد الاهتمام الأميركي بشؤونها. وفي تلك الفترة، عملنا عن قرب مع سفيرين أميركيين هما ريجينالد بارثولوميو وجون كيلي. وفي لحظات الاهمال، يكتسب السفراء أهمية أكبر ويصبحون صناع السياسة عوضاً عن ناقليها.
وسعى كل من الاتحاد السوفياتي وسورية ومصر ومنظمة التحرير الفلسطينية والجزائر عام 1987 الى حل النزاع في الشرق الأوسط بواسطة مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة. وعارضت اسرائيل والولايات المتحدة هذا المؤتمر. وفي حال انعقاد مؤتمر من هذا النوع، فإن لبنان كان يرغب بالحضور لأن أية تسوية في المنطقة تؤثر على وضعه. اذ احتلت اسرائيل اجزاء من جنوب لبنان، ويوجد نحو نصف مليون فلسطيني يعيشون في طرابلس وبيروت وصيدا وصور وبعلبك. وبدا ان كانتونا فلسطينياً أخذ في الظهور حول صيدا. وهناك ميليشيات عدة تعمل في بلدنا وتقوم بهجمات ضد اسرائيل. وما زالت منظمة التحرير الفلسطينية قوة سياسية - عسكرية في لبنان قادرة على زعزعة استقرار أي نظام لا يعجبها. لذلك، كان المؤتمر بالنسبة إلينا ضرورياً، لكننا كنا منسيين تماماً على الصعيد الدولي، وأصبحنا في الواقع "تعبيراً جغرافياً" وساحة للآخرين. وإذا لم نتحرك نحن فلن يتحرك أحد لمساعدتنا. وعندما أثرت في واشنطن، للمرة الأولى، مسألة مشاركتنا في المؤتمر الدولي، تلقيت رداً سلبياً، على أساس ان مشاركة لبنان ستعطي سورية صوتاً اضافياً الى جانبها. واحتجيت بشدة وحثثت الدول الأوروبية على دعم مشاركتنا في المؤتمر. ورد المسؤولون الأوروبيون بشكل ايجابي، الواحد تلو الآخر، على هذا الطلب. وكان أولهم الفاتيكان، ثم فرنسا وايطاليا والمانيا وبلجيكا وبريطانيا. وواصلت الضغط على السفير الأميركي كيلي للحصول على رد إيجابي منه. وفي 6 ايار مايو 1987، حمل كيلي اليّ الرد. وكان الرد الأميركي بيروقراطياً للغاية ويستحق ذكره كاملاً: "ان هدف الولايات المتحدة هو تسوية سلمية شاملة في الشرق الأوسط. وحسب وجهة نظرنا، فالمفاوضات المباشرة هي الطريقة الوحيدة للتوصل الى هذا الهدف. وستتمكن الأطراف المعنية بعملية الأخذ والعطاء والتفاوض التوصل الى حلول مقبولة لدى الجميع للمشاكل التي تواجهها. ونحن نفهم أهمية المؤتمر الدولي بالنسبة الى بعض الأطراف. لذلك نحن نبحث اذا كان المؤتمر الدولي يساعد على تسهيل المفاوضات الثنائية المباشرة بين الأطراف. ان المؤتمر لن يكون بأي شكل من الاشكال هدفاً بحد ذاته، ولن يكون قادراً على فرض رغباته، أو الحكم ضد اتفاقات تم التفاوض عليها مباشرة بين الأطراف، أو التدخل في عملية المفاوضات. وأما بالنسبة الى مسألة اشتراك لبنان، فيجب ان تقوم الأطراف المعنية تماماً بتحديد من سيشترك في مؤتمر من هذا النوع. وبرأينا، يجب ان يقوم مؤتمر السلام على مبدأ الأرض مقابل السلام كما ينص قرارا مجلس الأمن الرقم 242 و338. وسيتم التعاطي مع المسائل ذات الأهمية بالنسبة الى لبنان. ولذلك سيكون مناسباً اذا قررت الأطراف المعنية اعتماد ترتيبات للمؤتمر تعكس اهتمام لبنان بوضوح بالتطورات التي تؤثر على مستقبل السلام والاستقرار في المنطقة".
عندما قرأت هذا الرد، قلت للسفير الأميركي: "جون، أنا لا أفهم كلمة واحدة منه". ورد عليّ قائلاً: "وأنا كذلك". وطلبت منه ان نحصل على "رد واضح بالانكليزية، نعم أو لا" هل توافق أميركا على مشاركة لبنان في المؤتمر. وفي 11 ايار مايو 1987، زارني كيلي في منزلي وعلى وجهه ابتسامة عريضة، وحمل معه الرسالة الآتية: "نحن آسفون لأي غموض في الرسالة السابقة. ونرجو ان ترد على طلب سالم بتوضيح كلامنا وتقول له أن حكومة الولايات المتحدة اتخذت دائماً الموقف بأن لبنان يجب ان لا يستثنى من أي مؤتمر دولي عربي - اسرائيلي، كما يعرف سالم نفسه. ان الرسالة السابقة هدفت الى اعطاء المنحى العام لتوجهنا في الوقت الحاضر. ونحن سنرد على هذا الموضوع بتقرير أكثر تفصيلاً. أما بالنسبة الى قلق حكومة لبنان حيال القرار الرقم 242، فنرجو ان توضح بأن الولايات المتحدة لا تظن أن قرار الأمم المتحدة الرقم 242 الذي سيوفر اطاراً كافياً للتسوية والمؤتمر الدولي يعني بالضرورة استثناء لبنان من المشاركة. وعلى رغم ذلك، يجب ان تعرف حكومة لبنان بأن القرارات بشأن المشاركة في مؤتمر دولي ستكون متروكة للأطراف المعنية مباشرة".
البابا ضد التقارب الماروني - الاسرائيلي
وكان هدفي في هذه المسألة ليس المؤتمر الدولي بحد ذاته بل تأكيد الاهتمام الأميركي بلبنان كدولة وليس كمكب المشاكل المستعصية في المنطقة. وعملت بجهود مع الفاتيكان كي أبقي اهتمامه بلبنان مستمراً، وكان البابا يوحنا بولس الثاني يقيم علاقات جيدة مع الرئيس ريغان، ويتصل به غالباً داعماً المطالب اللبنانية.
ناقشت مع البابا في سرية الحرب اللبنانية، والحوار الاسلامي - المسيحي ومستقبل الشرق الأوسط. ووجدت البابا ضليعاً بهذه القضايا كلها. كذلك وجدته متضايقاً لأنه لا يملك الوسيلة لوضع أفكاره موضع التنفيذ. كان ينظر الى لبنان من منظور الحوار المسيحي - الاسلامي، وكنت أشاركه الموقف بأن لبنان يجب ان يعيش في العالم العربي ويقوي علاقاته العربية كي يستطيع ممارسة دوره بشكل أفضل في المنطقة. ولم يكن البابا مرتاحاً للتقارب الماروني - الاسرائيلي، وخشي ان يؤدي ذلك الى إضعاف مركز الموارنة في العالم العربي. قال لي ان الفاتيكان يعمل عن كثب مع سورية للحفاظ على استقلال لبنان، وأكد ان لبنان يجب ان يبقى مسألة مهمة في السياسة العالمية، واضاف: "ان انعزال لبنان دولياً يعني وكأن الفاتيكان نفسه عُزل دولياً". وذكر لي البابا أنه ينبغي على المسيحيين ان يتحدوا ويطلبوا منه أشياء محددة لمساعدة لبنان. وأعرب عن قلقه حيال التغلغل السوفياتي في المنطقة واستعمل كلمات قاسية عندما وصل النقاش بيننا الى موضوع الشيوعية. وقال لي ان لديه أمرين يشغلان فكره، بولونيا ولبنان، ولن يرتاح حتى يصبح كلاهما حراً. وقال ان بولونيا الحرة مهمة من أجل أوروبا، ولبنان الحر مهم من أجل الشرق الأوسط.
عندما وصلت محادثاتي مع وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الى طريق مسدود حاولت الولايات المتحدة تحريك العملية الى الأمام. وتدخلت الديبلوماسية الأميركية ابريل غلاسبي في الحوار اللبناني - السوري وسعت الى إحراز تقدم فيه وطرحت أفكاراً جديدة. أرادت غلاسبي، التي بدأت تأخذ تدريجياً دوراً أكبر في الشؤون اللبنانية، من الرئيس أمين الجميل ان يكون حازماً، وان يكشف قتلة رشيد كرامي ويعاقبهم، ويتحكم بـ "القوات اللبنانية" ويحافظ على علاقة وثيقة مع بعض الدول العربية كي يحرز تقدماً مع سورية. وشعرت اننا أحرزنا تقدماً جيداً في شأن الاصلاحات، وكل ما كنا نحتاج اليه هو "إنهاء الصفقة" مع سورية وكنت افتش عن "رابط" يؤدي الى حوار فعال بين الولايات المتحدة وسورية. وكنت أظن ان المؤتمر الدولي هو الرابط، اذا اقتنع البيت الأبيض بالتحرك في هذا الاتجاه. وخلال المحادثات الطويلة التي دارت بيني وبين نائب وزير الخارجية الأميركي جون وايتهيد، وروبرت أوكلي، وابريل غلاسبي، وفيليب حبيب، تم الاتفاق على أن الولايات المتحدة تحتاج الى صياغة اطار جديد لسياستها في الشرق الأوسط خلال صيف 1987، وان أزور واشنطن مع الرئيس الجميل في خريف 1987 لبحث قضية لبنان مع وزير الخارجية جورج شولتز في هذا الاطار.
وشعرت خلال محادثاتي مع ريتشارد مورفي مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ان هذا الأخير مهتم بقيام حوار جدي بين الولايات المتحدة وسورية. وتساءل مورفي عما اذا كان الأسد مستعداً لتوقيع اتفاق في السنة الأخيرة من عهد الرئيس الجميل. وكانت القضية الأساسية بالنسبة الى مورفي هي علاقة سورية بإيران، خصوصاً ان لبنان هو المنفذ الوحيد لإيران لمحاولة تصدير ثورتها الاسلامية. وهذا يعني ان ايران لن تتخلى عن "حزب الله"، بينما يشكل "حزب الله" خطراً على سورية نفسها. وقال مورفي ان سياسة الولايات المتحدة الآن تهدف الى إبعاد سورية عن ايران اذا كان ذلك ممكناً.
اختارت الولايات المتحدة الجنرال فيرنون والترز، الذي كان يومها سفيرها في الأمم المتحدة، لفتح حوار مع سورية. وعلمت لدى لقائي والترز، للمرة الأولى، انه محاور له مصداقية مع الرئيس الأسد. كان جنرالاً في الجيش الأميركي، مرحاً وعاطفياً ويختلف اسلوبه تماماً عن أسلوب باقي السفراء في تعاملهم الذي يتسم كثيراً بالشكليات والبروتوكول. كان والترز متشوقاً للبحث معي في قضية لبنان وهو كان يتكلم بصوت عال ثم بصوت منخفض يضحك تارة ويعبس أخرى، ويحرّك يديه. وفي الواقع كان سياسياً حذقاً، يقوم أسلوبه على التوصل الى قاعدة مشتركة عريضة، تاركاً التفاصيل الدقيقة للديبلوماسيين. وكان دوره مع الأسد هو إزالة العوائق وتمهيد الطريق لعودة السفير الأميركي ايغلتون الى دمشق وممارسة دوره الديبلوماسي المعتاد. ووجدت والترز مؤيداً للبنان بشكل عام، ومعجباً بالرئيس الأسد، ولكنه كان شديد العداء للخميني والخمينيين. كان واثقاً بأنه تم فتح صفحة جديدة مع سورية، وان لبنان سيستفيد من الحوار الأميركي - السوري. وأراد لقاء الرئيس الجميل خلال دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في ايلول سبتمبر 1987. وقال والترز ان شولتز يريد أفكاراً محددة من لبنان لاعادة فتح الحوار اللبناني - السوري الذي توقف بعد اغتيال كرامي.
وفي 7 آب اغسطس 1987، توفي الرجل الذي سيطر على السياسة اللبنانية لمدة نصف قرن ونجا من محاولات اغتيال عدة. توفي كميل شمعون وفاة طبيعية بعد أن تقدم به السن. كان في منتصف العقد الثامن من عمره ووزيراً في حكومة سليم الحص عند وفاته. وبقي مركزه شاغراً بعد وفاته مما جعل التمثيل المسيحي ضعيفاً وغير متوازن في الحكومة التي كانت تقاطع رئيس الجمهورية. وكانت هناك حاجة واضحة لتشكيل حكومة جديدة، ولكن لم يرغب أي مسلم بتشكيل حكومة من دون الدعم السوري لها، ولم تكن سورية مستعدة لاعطاء الجميل حكومة فاعلة قبل أن يعتقل قتلة كرامي ويعاقبهم ويوافق على الاصلاحات. وكان هناك عدد كبير من الأشخاص الطامحين بمركز رئاسة الوزراء، وزارني بعضهم سراً وطرحوا عليّ مختلف أنواع الصيغ التي كنت واثقاً من فشلها مسبقاً.
أبو نضال وإيران
واصلت غلاسبي في واشنطن الاتصالات مع كيلي لتشجيعه على إيجاد مدخل للولايات المتحدة في لبنان ربما يدفع الحوار اللبناني - السوري المعلق.
وكان السفير ايغلتون متحمساً لنقل رسالة من الجميل الى الأسد تتضمن أربعة أجزاء: خطتنا الاصلاحية التي وضعناها في 13 حزيران يونيو عام 1987، الحاجة الى انهاء المقاطعة المفروضة على الرئيس الجميل، ضرورة تشكيل حكومة جديدة، ووضع خطة لتوحيد بيروت. واعتبرت وزارة الخارجية الأميركية ان اقتراح 13 حزيران يونيو الذي وضعناه كان جيداً. وشعر المسؤولون الأميركيون بأن دمشق لا يمكن أن تقول ان "الجميل لم يقدم شيئاً" عند قراءتها هذا الاقتراح وسماعها التأييد الأميركي القوي له. وسرّ كيلي لأنه سمع من الحص مباشرة عن حاجة لبنان الى اشتراك الولايات المتحدة من جديد في دفع الحوار اللبناني - السوري. وارادت غلاسبي ان تستكشف العوامل التي يمكن ان تساعد في دفع هذه العملية الى الأمام. ويمكن أن تتألف هذه العوامل من التعاون الأوروبي مع سورية عدا بريطانيا وعودة الشركات الأميركية الى سورية، وإزالة اسم سورية عن لائحة الدول المتورطة في الارهاب، وإرسال مساعدات مالية من الكونغرس، والتفاهم الأميركي - السوري حيال بعض القضايا الاقليمية.
وبينما كنت أعمل على إنجاح هذه العملية، ارسل لي رئيس الجمهورية نسخة من خطاب أراد القاءه في كندا. كان النص مكتوباً باللغة الفرنسية، بلهجة عاطفية. غضبت غضباً شديداً، واتصلت برئيس الجمهورية وقلت: "هذا الخطاب سيرفع سعر الدولار الى مئة ليرة لبنانية، وسينهي العملية الأميركية، ويخيف اللبنانيين الذين ما زالوا مقتنعين بأن هناك ثمة سلطة حكومية متبقية. وهو مليء بالأسئلة وعلامات الاستفهام وكأن الذي يلقيه هو مواطن عادي وليس رئيس جمهورية". فصدم الجميل لأنه قرأ الخطاب لتوه واعجبه. كان الخطاب مكتوباً بطلاقة ويعطيه فرصة للتنفيس عن ضيقه من الجميع. ولحسن الحظ، اقتنع بما قلته وتخلى عن ذلك الخطاب. واتصل الجميل بعد ذلك بكيلي وقال له: "اني أشجع المسلك الجديد الذي بدأته مع ايلي. ولكن حسب تجربتي، لا أظن ان أي شيء سينجح، وأنا أشعر بالكبت والضيق. وفي حال فشل هذا المسلك، سأضطر الى تشكيل حكومة جديدة وتسمية الأمور باسمائها". كان كيلي متفهماً، وأكد للرئيس ان المسلك الجديد سيثمر نتائج يجب أن نؤيدها.
في 11 ايلول سبتمبر 1987 أطلعني كيلي عن لقاء ايغلتون مع الأسد. لم تسر الأمور بشكل جيد كما توقعت واشنطن. اذ أصر الأسد على عدم فتح حوار معنا إلا إذا عاقب الجميل قتلة كرامي وتصرف "بحزم" مع "القوات اللبنانية". وقال الأسد ان الجميل صار يمينياً، وهو يتكلم جيداً في خطبه ولكنه يفعل عكس ما يقوله. وأضاف الأسد بأنه التقى الجميل 11 مرة ولم يفهمه تماماً حتى الآن، على رغم ذلك فهو يأمل بأن تقوم الولايات المتحدة باستكشاف الساحة اللبنانية كي ترى اذا كان هناك إمكان فعل "أي شيء"، وعندها تقوم سورية والولايات المتحدة بسبر غور هذا "الشيء". ووجد كيلي في هذا الكلام إشارة من الأسد لابقاء هذا المسلك مفتوحاً، وانه سيكون مفاوضاً صعباً. واعتبر كيلي ان الأسد كان في محادثاته مع ايغلتون سلبياً، ليس فقط حيال لبنان بل تجاه المواضيع الأخرى التي تضمنتها ورقة العمل، وهي منظمة التحرير الفلسطينية، والارهاب، والحرب العراقية - الايرانية، وعملية السلام. وعندما قال ايغلتون ان ابو نضال ما زال في لبنان، رد الأسد قائلاً: "لبنان دولة ذات سيادة. وسلطتي لا تمتد الى هناك". وعندما تحدث ايغلتون عن استعمال الايرانيين مطار بيروت الدولي للقيام بالأعمال الارهابية، ردد الاسد من جديد عدم مسؤوليته عما يحدث في المطار، لأن المطار ليس تحت السيطرة السورية.
قال كيلي ان ايغلتون حاول فتح الباب، لكن الأسد استمر في غلقه. ورأى ان هناك أملاً صغيراً مع الأسد، ويجب استكشاف هذا الاحتمال مباشرة من قبل الرئيس الجميل أثناء لقائه مع شولتز في أواخر ايلول سبتمبر. أردنا طلب أشياء محددة من شولتز. ورغبنا بعرض جدول زمني يظهر التزامنا الجدي بمسألة الاصلاحات. وإذا كان الأسد مستعداً للحوار مع الولايات المتحدة فهذه كانت فرصة الجميل الأخيرة باقناع شولتز انه جاد حيال موضوع الاصلاح السياسي.
8 نقاط
وفي 28 ايلول سبتمبر 1987، التقى كل من رئيس الجمهورية، وغسان تويني، والسفيراللبناني في واشنطن عبدالله بوحبيب، وأنا، مع مورفي وغلاسبي في فندق "والدورف استوريا" في نيويورك. قالا لنا انهما سيلتقيان الشرع غداً في اطار دورة الجمعية العمومية، ويريدان منا شيئاً محدداً، مثل جدول زمني لاعطاء التزامنا بتطبيق الاصلاحات صدقية أكبر. واتفقنا خلال لقائنا مع شولتز في 29 ايلول سبتمبر على اعطائه جدولاً زمنياً محدداً ذلك المساء في شأن تطبيق الاصلاحات. وصغت مع تويني وبوحبيب تفاصيل ما سميناه "النقاط الثماني" على الشكل الآتي:
1- يعلن الرئيس الجميل لدى عودته الى لبنان عزمه على القيام بالاصلاحات الدستورية التي أعلن عنها في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
2- تبدأ المفاوضات السورية - اللبنانية من جديد على مستوى مناسب للوصول الى اتفاق نهائي على تفاصيل الاصلاح السياسي.
3- يتم اطلاع الولايات المتحدة على التقدم الذي تحرزه المفاوضات وهي مستعدة للاستمرار بالمساعدة في تحقيق ذلك.
4- يقبل رئيس الجمهورية استقالة الحكومة الحالية ويقوم بتشكيل حكومة جديدة قبل 20 تشرين الأول اكتوبر. وسيكون برنامج هذه الحكومة الذي يعبر عنه الاعلان الوزاري هو برنامج الاصلاح الدستوري الذي تم الاتفاق عليه مع الحكومة السورية، ويضم كل الاجراءات الضرورية لانهاء حال الحرب في لبنان.
5- تقدم الحكومة الجديدة الى مجلس النواب فوراً مشاريع قوانين الاصلاح الدستوري وغيرها من المراسيم الضرورية للاصلاح، وتطلب تصويتاً نهائياً عليها بشكل عاجل جداً.
6- يلي ذلك توسيع عضوية البرلمان كما اتفق عليه سابقاً.
7- أما بالنسبة الى التحقيق في جريمة اغتيال رشيد كرامي، فالرئيس الجميل مصمم على تفعيل كل الأجهزة الحكومية المعنية لاكتشاف الجناة ومعاقبتهم استناداً الى القوانين اللبنانية. وسيطلب تشكيل لجنة تحقيق نيابية، على أن تكون الحكومة اللبنانية الجديدة متجاوبة مع جميع حاجات هذه اللجنة.
8- يشترك رئيس الجمهورية في مؤتمرالقمة العربي المقرر عقده في 8 كانون الأول ديسمبر 1987 على أساس سياسة الحكومة الجديدة لطلب المعونة العربية اللازمة لتسريع انهاء حال الحرب، والتعامل مع نتائجها وبدء برنامج لاعادة إعمار لبنان.
نقل شولتز هذه "النقاط الثماني" الى الشرع أثناء لقائه معه وأشار الى ثقته بجدية الرئيس اللبناني وعزمه على انهاء هذه المسألة. وأعرب الشرع عن شكه حيال الجميل والجدول الزمني للاصلاحات. وقال: "لماذا قدمه لنا؟ نحن لم نطلب ذلك منه". وشدد مورفي على أن الجدول الزمني يظهر جدية الجميل. لكن الشرع قال ان الرئيس الجميل لا يريد المشاركة في الحكم، والمشاركة تعني انه "يجب على رئيس الوزراء ترؤس اجتماعات مجلس الوزراء، ويمكن لرئيس الجمهورية ترؤس هذه الجلسات عندما يشاء". وقال الشرع انه سيوزع هذه النقاط على المعارضة اللبنانية. وعندما اتصل بي مورفي ليعلمني بما ينوي الشرع عمله، احتجيت بشدة لأن توزيع هذه الخطة الجدية على المعارضة ذات الأصوات المتعددة سيفقدها كل جديتها. واقترحت عوضاً عن ذلك ان يتشاور الشرع بشكل سري مع عدد قليل من الزعماء وان لا يوزع الخطة على الصحافة. واتصل مورفي بالشرع ثم اتصل بي مؤكداً ان الاستشارات ستكون محدودة وسرية.
في بيروت أطلع كيلي رئيس مجلس النواب السيد حسين الحسيني على نتائج لقاءاتنا مع شولتز ومورفي ومضمون ورقة 13 حزيران يونيو. قال الحسيني لكيلي "ان النقاط الموجودة في هذه الورقة هي ما كنت أريده أنا وكرامي" وكان مسروراً بأن الجميل رضي بها أخيراً. لكنه أراد ان تعدل مدة ولاية رئيس المجلس من سنتين الى أربع سنوات كي تتجانس مع ولاية المجلس. وقال لي كيلي ان شولتز ومورفي سيزوران المنطقة، وسيذهب مورفي الى دمشق لأن الوقت ما زال مبكراً جداً للقاء شولتز مع الاسد خصوصاً انه لم يتم إحراز أي تقدم حقيقي بعد. ولم يكن من المؤكد ان مورفي سيزور بيروت. وأصريت على مجيئه والا سيتعرض المسلك الذي ننتهجه الى نكسة. فوافق كيلي على ضرورة مجيء مورفي على رغم الخطر الذي قد يحيق به بسبب غارة أميركية تمت أخيراً على منصة ايرانية في مياه الخليج. ونصح مورفي بأن يأتي لكن الأخير رفض القيام بذلك لأسباب أمنية. وقال انه يجب ان يلتقي الجميل والحص في حال زار لبنان، لكن الحص موجود في منطقة لا يمكن ضمان سلامة مورفي فيها. وقلت لكيلي: "ان موقف مورفي غير مقبول، وقد يؤدي الى عرقلة العملية. واذا لم يستطع لقاء الحص لأسباب أمنية فليكن الأمر كذلك، ويمكنه ان يلتقي رئيس الجمهورية فقط". عندها قرر مورفي المجيء الى بيروت بعد زيارة دمشق، وقال انه سيخاطر ويذهب الى بيروت الغربية لرؤية الحص.
التقى مورفي نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام في دمشق لأن الأسد كان في زيارة رسمية لبلغاريا. كان خدام سلبياً جداً حيال الجميل والتعامل معه، لكنه وعد بأن يدرس ورقته ويرد عليها بشكل مباشر من خلال الأميركيين. وبعد أيام قليلة، اتصلت بكيلي كي استفهم عن الرد. وقال كيلي ان الرد سيكون "مثل طبق من الحساء الشفاف الذي يحتوي بضع حبوب رز يجب التفتيش عنها لايجادها". وبعد أيام اتصل بي الديبلوماسي الأميركي سمبسون وقال انه تلقى الرد السوري. وطلبت منه نقل الرد مباشرة الى رئيس الجمهورية. اتصلت بالرئيس بعد ساعات قليلة وسألته عن الرد، فقال لي: "ما زلت افتش عن حبوب الرز". وكان ذلك موقفاً سلبياً بشكل واضح. اذ طلب السوريون، في ردهم، الغاء الطائفية السياسية بعد اجراء الانتخابات النيابية بأربع سنوات. وهذا يضعف رئاسة الجمهورية كثيراً لأن الموارنة ضد الغاء الطائفية السياسية. وقبل تطبيق الاصلاحات، ودعا الرد السوري الى حل "القوات اللبنانية"، التي اتهمتها سورية بقتل كرامي، و"سحب أسلحة عن عناصرها ووضع زعمائها قيد التحقيق ومحاكمتهم".
شعر مورفي بأنه لم يحرز أي تقدم اطلاقاً، لكنه كان عازماً على سماع آراء المعارضة اللبنانية في شأن ورقة 13 حزيران يونيو. وأثار هذه المسألة مع الحص يوم الجمعة في 23 تشرين الأول اكتوبر 1987 فقال له الحص ان هذه الورقة تمثل تقدماً، وانه سيتشاور مع الحسيني ونبيه بري ووليد جنبلاط في شأنها ويرسل ردوداً كتابية الى دمشق في نهاية الاسبوع. وأعرب الحص عن رضاه حيال الاهتمام الأميركي الجديد بلبنان، وحث مورفي على الاستمرار بذلك. وقال مورفي ان ذلك سيستمر "اذا كان موقف المعارضة جيدا". وأضاف مورفي ان ورقة 13 حزيران يونيو جدية وان الأميركيين يتوقعون رداً جدياً عليها.
