الوسط" تنشر على حلقات كتاب نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية اللبناني السابق . ايلي سالم يتذكر : قصة الأيام الأخيرة في عهد الجميل وكيف تم تعيين عون رئيساً للحكومة (19الأخيرة)
يروي الدكتور ايلي سالم نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية اللبناني السابق في هذه الحلقة التاسعة عشرة والأخيرة من مذكراته التي تنشرها "الوسط"، قصة الأيام الأخيرة من عهد الرئيس أمين الجميل وكيف تم تعيين العماد ميشال عون رئيساً للحكومة.
وقد شغل ايلي سالم منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية اللبناني في عهد الرئيس الجميل وكان مستشاره للشؤون السياسية والاتصالات العربية والدولية. وشارك سالم طوال عهد الجميل من ايلول - سبتمبر - 1982 الى ايلول - سبتمبر - 1988 في صنع القرارات السياسية التي اتخذت خلال هذه الفترة، وفي الاتصالات المختلفة اللبنانية - العربية واللبنانية - الدولية، واطلع على مجموعة كبيرة من الأسرار المتعلقة باسرائيل ومخططاتها في لبنان، وبسورية، وبالولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى، وبالفلسطينيين، وبالايرانيين، وبدول عربية أخرى لعبت أدواراً مختلفة في الساحة اللبنانية. من هنا أهمية مذكراته هذه التي تكشف أسراراً ومعلومات جديدة ليس فقط عن لبنان وصراعات القوى المختلفة فيه، بل أيضاً عن منطقة الشرق الأوسط. وقد حصلت "الوسط" من الدكتور ايلي سالم على حقوق نشر مذكراته هذه، على حلقات، في المجلة. وفي ما يأتي الحلقة الأخيرة من هذه المذكرات:
في الثاني من ايلول سبتمبر 1988 بعث الدكتور سليم الحص رئيس الحكومة برسالة رسمية الى الرئيس أمين الجميل يبلغه فيها سحب قرار استقالة الحكومة. وقد فعل الحص ذلك ليضمن بقاء الحكومة وتسلم مهام رئيس الجمهورية في حال عدم اجراء انتخاب لاختيار الرئيس الجديد. ولدى تسلم الرسالة أصدر الجميل بياناً جاء فيه أن استقالة الحكومة قائمة ولا يمكن سحبها، مؤكداً حقه الدستوري الذي ينوي ممارسته كرئيس للجمهورية. لهذا أخذ الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الحص يكتسي طابع المعركة القضائية - السياسية. واستمر هذا الخلاف الى ما بعد الثاني والعشرين من ذلك الشهر. وحين لم يبحث الرئيس الجميل معي رغبته في العمل على تمديد فترة رئاسته خشيت أن يكون بحث ذلك مع مستشارين آخرين. ولكي أكون على بيّنة واضحة دخلت ذات صباح عليه في مكتبه وذكرت له أنني أسمع اشاعات تتردد هنا وهناك عن تمديد فترة رئاسته. وقلت له إن ذلك أمر خطير بالنسبة الى البلاد واليه شخصياً. وقلت له ايضاً ان عليه الالتزام بأحكام الدستور التي لا تسمح بتجديد فترة الرئاسة ولا بتمديدها. وأشرت عليه ان يحصر جهوده كلها في العمل على اجراء انتخاب لاختيار خلفه لا أن يعين حكومة برئاسة أحد الموارنة، فحكومة من هذا القبيل تعرض وحدة لبنان للخطر وتدخله في نفق مظلم، ويكفينا ما دخلنا فيه من أنفاق مظلمة. وذكّرته بأن انتخاب رئيس، حتى لو كان الرئيس السابق سليمان فرنجية الذي يعترض على ترشيحه، افضل من ترك منصب الرئيس شاغراً. وقاطعني الجميل مؤكداً أنه يتفق معي في الرأي تماماً وان علي ان أعمل من هذا المنطلق. ومن هذا المنطلق أبلغت الأطراف المعنية جميعاً بمن فيهم السفراء الأجانب بموقف الرئيس ليضموه الى سجلاتهم. وعبَّر السفير الأميركي كيلي عن سروره لتبلغه هذا الموقف في شكل رسمي وقاطع ومني شخصياً، لأن واشنطن كانت تحفل بالاشاعات عن نية الرئيس الجميل البقاء في منصبه. وأكد لي كيلي ان الولايات المتحدة تبذل قصارى جهدها كي تتم عملية انتخاب الرئيس الجديد. وانتقد الزعماء الآخرين في لبنان لتحركهم الفاتر على هذا الصعيد. وكان انتقاده أكبر للدول الأوروبية التي كانت تجعجع ولا تطحن. وأبدى كيلي رغبة في توجيه الجهود كلها، بما في ذلك الوساطة الشخصية لرجال مرموقين نحو دمشق. وكان رأيه أنه لا ينبغي دراسة أسوأ الاحتمالات، أي تعيين حكومة جديدة، إلا بعد العشرين من أيلول سبتمبر. وأعرب عن تأييده للحق الدستوري لرئيس الجمهورية في قبول استقالة الحكومة القائمة وتعيين حكومة جديدة بدلاً منها، مفضلاً أن تكون برئاسة شخصية معتدلة، لا مارونية. وأجرى البطريرك صفير اتصالات من جانبه مع السفراء الأجانب في بيروت ليعلمهم أن الحكومة الانتقالية التي قد تشكل في حال عدم اجراء انتخاب، يجب أن تكون برئاسة أحد الموارنة. وأعرب البطريرك صفير عن تشاؤمه الشديد من الأحداث وشعوره بالعجز القاتل. وقال لي: "ماذا استطيع ان أفعل أكثر من هذا؟ لقد كتبت الى الرئيس ريغان والرئيس ميتران والبابا، ولم أتلق ردوداً. إذا أرادوا أن يتركونا وشأننا، فليكن ذلك. لقد صمدنا في الماضي في الوديان والجبال وبقينا، ولسوف نبقى". وجاء الوسطاء من بيروت الغربية ليبحثوا معي مسألة بقاء حكومة الحص وتوسيعها. وكنت شخصياً مع هذا الاقتراح، لكن الجميل أصر على أن يكون رئيس الحكومة من الموارنة!
وكان سمير جعجع يلاحق الرئيس ليبحث معه مسألة الحكومة الجديدة. وكان يريد ان تكون التشكيلة جاهزة حتى يُعلن عنها حالما ندرك أن من المستحيل اجراء الانتخاب بحلول الثاني والعشرين من ايلول سبتمبر. وكان جعجع يرغب في شغل منصب في تلك الحكومة لأنه يمثل "قوى على الأرض". ولم يشأ الجميل أن يلتزم بشيء قائلاً ان تعيين الوزراء في يد الرئيس ورئيس الوزراء المعين. وكان جعجع يتململ كلما أطنب الجميل في الشرح، لأنه كان يعلم كل العلم ان في وسع الرئيس من خلال هذا الاجراء الدستوري الأخير أن يعين في المناصب من يشاء. وقد انفجر ذلك التململ خلال الأيام اللاحقة في شكل عداء مكشوف.
التقسيم والفوضى
زار مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ريتشارد مورفي دمشق في الأسبوع الأخير من ايلول سبتمبر 1988 وكانت تلك آخر محاولة لانقاذ الموقف قبل الثاني والعشرين من الشهر وحلول الموعد النهائي لانتخاب الرئيس. وكان دان سيمبسون أصبح قائماً بأعمال السفارة الأميركية في بيروت اعتباراً من السادس عشر من ذلك الشهر إثر مغادرة كيلي لأسباب صحية. وبعثت الى مورفي عن طريق سيمبسون أذكّره بأن يحضر معه من دمشق قائمة بأسماء ثلاثة مرشحين يقترحهم الرئيس الأسد لنتفق مع مورفي على اختيار واحد منهم. ورد أنه سيعود الى بيروت في الثامن عشر من الشهر ذاته وانه يرغب في لقاء الحص أولاً وبعده السيد حسين الحسيني، ومن ثم يترك وقتاً كافياً للاجتماع الى الرئيس الجميل. واقترحت أن يطلعني أولاً، حين عودته، على نتائج مباحثاته في دمشق، ويمضي بعد ذلك في تنفيذ برنامجه الموضوع. وبهذا يتسنى لي اطلاع الرئيس الجميل بدوري على ذلك، فيما يكون مورفي يقوم بجولته المقترحة، وأكون أكثر استعداداً للقاء بينه وبين الجميل. وهكذا كان، وعندما رجع من دمشق اجتمع بي أولاً وقال: "عقدت سبعة اجتماعات في دمشق مع نائب الرئيس خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع واجتماعاً واحداً مع الرئيس الأسد. ولم تتمخض الساعات الأربع عشرة الأولى من الاجتماعات عن أي شيء مطلقاً، إذ لم يكن هناك شيء يزحزح السوريين عن موقفهم إزاء فرنجية. لقد كان خيارهم الوحيد للرئاسة. وكانوا يريدون من المسيحيين التوقف عن تعطيل انتخابه للمنصب، ويريدون تبني الاصلاحات قبل الانتخاب، ويريدون نقل السلطة التنفيذية على الفور الى مجلس الوزراء. ورفضت والكلام لا يزال لمورفي المواقف الثلاثة. فمقاطعة انتخاب فرنجية في السادس عشر من آب اغسطس تدل على أنه لا يحظى بدعم قوي. وليس هناك مجال لبحث مسألة الاصلاحات ولم يتبق على انتهاء فترة رئاسة الجميل سوى أربعة أيام. وستستأنف مناقشة الاصلاحات بعد انتخاب الرئيس الجديد. وشرعت أطرح أسماء مرشحين لنتدارسها، لكن السوريين لم يكونوا على استعداد للاستماع. فمرشحهم هو فرنجية. وبعد مداولات مطولة في القائمة التي قدمها وافق السوريون أخيراً على النظر فيها وقالوا ان هناك اسماً واحداً لا غير. ورددت ان الأفضل اختيار اسمين بدلاً من اسم واحد. لكنهم قالوا انهم سيختارون شخصاً واحداً هو النائب مخايل الضاهر، لا شخصين أو ثلاثة أو أربعة. وأضافوا ان فرنجية صديق الأسد وانه سيسحب اسمه من الترشيح مراعاة للمصلحة الوطنية. ووافقت على نقل ذلك اليكم، وهذا أفضل ما في وسعنا عمله، فنحن نريد أن يجري الانتخاب قبل 22 ايلول سبتمبر. ونرغب في أن يتم انتخاب الضاهر فهو رجل طيب. وإذا عُطلت عملية الانتخاب فسننتقد علناً أية جهة تعطلها مهما كانت. وإذا لم تقبلوا الضاهر وإذا مضيتم في تشكيل حكومة جديدة فسيتجه لبنان نحو التقسيم والفوضى. والخيار أمامكم واضح: فإما الضاهر وإما الفوضى". تسلمت الرسالة ولم أناقشها لأن مجال المناقشة أُقفل وإذا كان من مناقشة فستكون مع رئيس الجمهورية ومستشاريه، فشكرت مورفي على نقله الرسالة وتوجهت الى بكفيا حيث كان الرئيس الجميل ينتظرني مع مستشاريه. وذهل لكون الخيار السوري نهائياً على ذلك النحو، وانزعج كثيراً لوضعه أمام أمر واقع، اذ كان يريد مجالاً للتحرك وأن تكون له كلمة في مسار انتخاب الرئيس الجديد، أو بتعبير أدق، في عملية اختياره. ولم يكن للجميل أي شيء ضد الضاهر، وغالباً ما كان يتحدث عنه في الماضي كرئيس للجمهورية بعده. لكن حتمية اختياره وحيداً من دون سواه ألغت تلك الفكرة. وفيما كان مورفي يجري لقاءاته مع الرئيسين الحسيني والحص كان معاونوه يطلعون جعجع وعون والبطريرك صفير على نتائج زيارته لدمشق. واتصل العماد عون بالرئيس للتشاور في تلك "الأخبار السيئة". واتهم عون سورية بأنها تعيد قصة الاتفاق الثلاثي. ويعرف أن مخايل الضاهر من المؤيدين المتحمسين لـ "الاتفاق الثلاثي" الذي تم التوصل اليه عام 1985. لكن موقفه حياله تغيّر، ولم تكن آراؤه المتعلقة بالاصلاحات والعلاقات المميزة مع سورية تختلف كثيراً عن مواقفنا. بعد ذلك اتصل جعجع ليقول ان "القوات اللبنانية" تعارض اختيار الضاهر، وأعرب عن رغبته في التشاور لبحث الأسلوب المناسب لاحباط الاتفاق السوري - الأميركي. أما البطريرك صفير فتملكه الغضب وقال: "لم يعطونا خياراً، هذه أوامر".
ولم يضف مورفي حين التقى الرئيس أي شيء جديد. لذا أصبح الجميل بين خيارين اثنين أحلاهما مر: قبول ترشيح الضاهر وإثارة غضب عون وجعجع، أو تشكيل حكومة وترك الرئاسة مخلفاً وراءه حكومتين تتنافسان على ما تبقى من سلطة في بلد أنهكته الحرب. ولم تكن "القوات اللبنانية" تشكك في الضاهر لدوره في "الاتفاق الثلاثي" وحسب، بل كانت أيضاً تعتقد أنه حليف لإيلي حبيقة الذي هزمه جعجع أثناء الصراع على السلطة داخل "القوات" قبل ثلاث سنوات.
زيارة الجميل الأخيرة لدمشق
سأل الرئيس الحسيني في اجتماع عقده مع غسان تويني يوم العشرين من ايلول سبتمبر عما يمكن أن يجعل الرئيس الجميل والطائفة المارونية يقبلان بترشيح مخايل الضاهر. وأعرب تويني عن اعتقاده ان الاجماع على الضاهر مرهون بتلبية الشروط الآتية:
< اعتبار الوثيقة التي قدمها الضاهر الى نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام في شأن الاصلاحات غير ملزمة، بل مجرد وثيقة تُضم الى أحد الملفات التي تحتوي أوراقاً مماثلة.
< يجب ان تُمثل "القوات اللبنانية" برئاسة جعجع في الحكومة الأولى التي تُشكل في عهد الضاهر.
< عدم السماح لإيلي حبيقة وقواته بالعودة الى بيروت الشرقية.
< انتخاب الرئيس الجديد في قصر منصور، المكان الحيادي الذي يفضله النواب المسيحيون.
< اجتماع الجميل مع المرشح الضاهر في دمشق. وإذا وافق على موقفه السياسي، يصطحبه معه الى القصر الجمهوري ويجمعه بجعجع وباقي النواب المسيحيين، وإذا تمخضت هذه الاجتماعات عن نتائج ايجابية يتم الاجماع على ترشيحه. وإذا لم يحصل اتفاق في دمشق، يعيد الرئيس الجميل النائب الضاهر بمروحية عسكرية الى بلدته القبيات، في عكار.
ورأى الرئيس الحسيني ان في الامكان تلبية هذه الشروط، ولكنه أراد أن يعرف ما إذا كان الجميل سيقبل بها في تلك الحال، كي يؤمن موعداً للرئيس الجميل مع الرئيس الأسد يوم غد لتثبيت تلك الشروط وتأمين انتخاب الضاهر، وما إذا كان معارضو انتخابه سيقتنعون بأن هذا هو السبيل الأفضل المتوافر الآن أمام البلاد. واتصل بي تويني وأخذ ينقل الي ما سبق برموز صعبة. وكان ردي: "غسان، البلد على حافة الانهيار، وأمامنا بضع ساعات فقط للخروج بحل وأنت تتحدث إلي بالرموز. تحدث بصراحة، فالعالم كله يسمع على أية حال". عندها أخبرني بالشروط المذكورة اعلاه وطلب رأيي فقلت له لا رأي لي، وسأسأل الرئيس وأجيبك فوراً. وفعلت ذلك وكان موقف الجميل ايجابياً، وأراد ان يلتقي تويني بحضوري ذلك المساء لمتابعة الموضوع. وذلك المساء، وبحضور معظم مستشاري الرئيس، تمت الموافقة على توجه الرئيس الى دمشق. واتصل تويني بالحسيني وترتب موعد مع الرئيس الأسد في اليوم التالي، الحادي والعشرين من ايلول سبتمبر، وفي الواحدة بعد الظهر. وأكد الحسيني، الذي كان على اتصال مع خدام، لتويني أن الشروط الخمسة التي طرحها مقبولة لدى دمشق. واتفق على أن يجتمع الرئيس الجميل بعد لقائه الأسد بكل من الحص والحسيني وفرنجية والضاهر الذين سيحضرون الى دمشق لهذه الغاية.
وسهرنا مع الرئيس الجميل حتى الثالثة صباحاً ونحن عاكفون على وضع تفاصيل الاجتماع مع الرئيس الأسد بعد ظهر ذلك اليوم. وحين عدت الى القصر الجمهوري في الحادية عشرة صباحاً وجدت الرئيس وتويني في حال وجوم. وأبلغني الجميل أن الخطة برمتها انهارت! فجعجع لم يقبل ترشيح الضاهر للرئاسة ولهذا أصبح الذهاب الى دمشق غير مجد. لكنه قرر التوجه الى العاصمة السورية بعد مشاورات مكثفة، لا سيما أن الرئيس الأسد والوزراء السوريين والسفراء الأجانب المعتمدين في دمشق جميعاً سيكونون في المطار خلال لحظات لاستقبال الوفد اللبناني برئاسة الجميل، ولم يكن لدينا وقت لنضيعه.
لم تكن العلاقات بين الجميل والأسد في تلك الفترة على أحسن ما يرام. ولم يكن في وسع الجميل أن يظهر استخفافاً بالأسد ويلغي موعداً مرتباً معه في آخر لحظة. ووجد بعض المستشارين، الذين كانوا يتلهفون للذهاب مع الرئيس الى دمشق للمشاركة في ما كان يعتقد أنها مهمة ناجحة، أعذاراً بعد رفض جعجع ترشيح الضاهر. وتردد الرئيس في السفر كي ينسحبوا. ولم يبق غيري مع تويني لمرافقة الجميل الذي كان يحس بالعزلة والاكتئاب. وسألنا عما إذا كنا لا نزال على استعداد للذهاب. ورددنا بالايجاب ونحن نعلم مسبقاً أنها لن تكون سوى زيارة لحفظ ماء الوجه وتقليل الأضرار الى الحد الأدنى وأنها لن تتمخض عن حل المأزق.
ما يتميز به الرئيس الأسد أنه قد يقاطع الجميل لعام أو عامين، لكنه حين يستقبله فإنه يحيط استقباله بحفاوة وأبهة متميزتين. وكلما زاد استبشار الأسد زادت كآبة الجميل لأنه كان يعرف ما كان يجهله الأسد بأنه لم يستطع ضمان الإجماع على ترشيح الضاهر، وهو الأمر الذي ظن ان في وسعه التوصل اليه عندما وافق على الشروط الخمسة المذكورة سابقاً. وتوجهنا مباشرة الى مكتب الرئيس الأسد من المطار لأننا وصلنا متأخرين ساعة واحدة، وكان معه رئيس الوزراء السوري محمود الزعبي. وبعد تبادل المجاملات المعتادة اقترح تويني ان ينسحب معي كي نترك للرئيسين فرصة التباحث على انفراد. حينها طلب الاسد من الزعبي الانسحاب معنا، واستغرق اجتماع الرئيسين ثلاث ساعات، كان مساعدو الرئيس السوري خلالها يوافونه بمعلومات عن اجتماعات جعجع وعون وداني شمعون الذين كانوا يعارضون زيارة الجميل. وساور الاسد شعور بأن نوعاً من الانقلاب العسكري يدبر في بيروت وان الجميل عاجز عن السيطرة على الامور، لا سيما ان فترة رئاسته تنتهي في منتصف ليل اليوم التالي.
في بكركي، كان النواب المسيحيون مجتمعين مع البطريرك صفير في انتظار نتائج لقاء القمة الاخير هذا بين الجميل والاسد. وطلب منهم تويني، الذي كان على اتصال دائم بهم هاتفياً من دمشق، ان يبقوا مجتمعين وأننا سنحط بطائرتنا المروحية في المقر البطريركي حين نعود وان الرئيس سيطلعهم على نتائج قمة دمشق. وفي طريق العودة، اراد تويني، وهو الصحافي الذي يسري حب الاطلاع في دمه، ان يعرف ما دار بين الرئيسين في خلوتهما. لكن صوت محرك المروحية الصاخب جعل التخاطب، لحسن حظ الجميل، مستحيلاً. كما ان تسارع وتيرة الاحداث آنذاك جعل من المستحيل بالنسبة الى تويني واليّ أن نعرف، وحتى الآن، ما دار في تلك الخلوة. ولست اعتقد انه دار فيها سوى العموميات لأن الاوضاع لم تكن تسمح بأكثر من ذلك.
وهبطنا في بكركي بعيد الغروب وأطلع الرئيس البطريرك والنواب على ما دار من مباحثات في دمشق. وقال انه سعى الى طرح اكثر من اسم مرشح واحد، لكنه فشل. وأضاف ان الوضع سيصبح حرجاً اذا لم يجر انتخاب في الغد، اذ سيكون في البلاد حكومتان وربما حدث التقسيم. ومضى يعلن انه يترك الامر بين ايديهم وانه تحت تصرفهم. وفي اللحظات الحرجة تخلى الجميل عن دوره القيادي وترك النواب في حيرة لا يعرفون وجهة يتجهون اليها. وتطلعوا الى البطريرك لتحمل اعباء الزعامة، لكنه هو الآخر بدت عليه الحيرة وظهر انه، كالرئيس، يفضل اتباع الارادة الجماعية لا قيادتها او توجيهها. لكن لم تبرز اية ارادة جماعية وانطلق كل نائب يتحدث عن عموميات سطحية او تفاصيل لا علاقة لها بالموضوع الساخن او يثير الاشاعات او يطرح اسئلة لا علاقة لها بجوهر الموضوع.
وغادرنا بكركي كالجنود المهزومين عائدين الى القصر الجمهوري. وفي الثامنة من مساء ذلك اليوم التقى وفد ثلاثي يضم رينيه معوض وحبيب كيروز وخاتشيك بابكيان الرئيس الجميل هناك. وأعربوا عن خشيتهم من البديل القاضي بوجود حكومتين في لبنان وعن استعدادهم لانتخاب الضاهر في اليوم التالي. وروى بابكيان قصصاً عن معاناة الارمن في الماضي وعن مخاوفه من ان يقضي وجود حكومتين في آن على منصب الرئاسة. وقال انه اذا قُضي على تقليد الرئاسة المسيحية في لبنان فستهاجر منه الطائفة الارمنية. وحض على انتخاب الضاهر رئيساً بشروط او من دون شروط. ورد الجميل انه يوافقهم الرأي، لكن المشكلة تكمن في رفض جعجع ترشيح الضاهر. وقرر الوفد ان يلتقي جعجع ومن ثم يتصل بالرئيس لاطلاعه على النتيجة. وعاد الثلاثة بجواب سلبي في الواحدة صباحاً. وبرفض "القوات اللبنانية" ترشيح مخايل الضاهر. عندها قرر النواب المسيحيون مقاطعة انتخابه وتركزت الجهود كلها حينذاك على تعيين حكومة تتولى تسيير الشؤون الى ان تنجلي الازمة. وغادرت القصر في الثالثة صباحاً عائداً الى دارنا في بعبدا. وفي الرابعة اطلق على بيتنا صاروخان من مسافة تقدر بخمسين متراً. وأدى صوت الانفجارين الشديد الى نشر الذعر لدى حرس المبنى الذين كما علمت فيما بعد انهم انطلقوا في كل اتجاه وهم يطلقون النار عشوائياً. ووضعت زوجتي، المقاتلة المتمرسة، خطة ليلية كانت تتبعها بدقة كل مرة نتعرض فيها للقصف بالصواريخ او المدفعية او نيران البنادق، وهي ان تنبطح تحت السرير. اما انا، فمن تعبي الشديد لا من الشجاعة، بقيت في الفراش ورحت ثانية اغط في نوم ارق وقد استسلمت للأقدار. وفي الصباح، وحين أدركت مدى آثار الهجوم وشاهدت المنشورات التي تندد بزيارة الجميل، ونحن معه في اليوم السابق الى دمشق، استدعيت "المشبوهين" جميعاً ووبختهم بشدة، وكل ما حصلت عليه منهم هو نفيهم اي اتهام او مسؤولية وتأكيدهم الوقوف الى جانبنا. وجرت العادة في لبنان ان تلقى التهمة على "شخص ثالث" حين لا يكتشف الفاعل وقلما يكتشف فاعل في لبنان الحرب.
اليوم الأخير
كان آخر يوم من فترة رئاسة الجميل الثاني والعشرين من ايلول سبتمبر 1988 أطول الأيام، وأعمّها فوضى وأكثرها حزناً. فمنذ الثامنة من صباح ذلك اليوم اخذ القصر الجمهوري يبدو وكأنه سوق شعبي، فقد جاء كل من يعتبر نفسه "شخصية ما" ليقدم مشورته او ليشرب القهوة مع الرئيس او يشارك في اللعبة اللبنانية الوطنية المألوفة لدى تشكيل حكومة جديدة. وكان من المبكرين في المجيء سمير جعجع ومساعده كريم بقرادوني، وكذلك داني شمعون ومساعده. وكان اعضاء مجلس النواب يدخلون ويخرجون حسب وتيرة التقدم في عملية تشكيل الحكومة. وكان الجميع هناك بعددهم وعديدهم من النواب السابقين الى اصدقاء الرئيس الى الوسطاء في الأزمات السابقة الى الوزراء السابقين والمرشحين الرئاسيين السابقين ايضاً. وحضر كذلك الرئيس السابق شارل حلو. وفي اليوم الذي كان ينبغي ترك الرئيس وحده ليفكر في مخرج من الازمة، غص القصر بالوافدين الذين كان عليه ان يستقبلهم. وفي حين كان ينبغي ايضاً ان يتخذ الرئيس قراراً ينبع من فكره هو، سمح لهذا القرار ان يصدر عن تلك الكتلة الهلامية من الزوار الذين احتشدوا حوله. واختار الرئيس الجميل النائب بيار الحلو ليكلفه تشكيل الحكومة الجديدة. وقبل حلو التكليف على مضض، فهو ميّال الى الاعتدال، لا الى المواجهة في حين ان الحكومة الجديدة مقبلة حتماً على مواجهة مع حكومة الحص على الأقل. وكان الحص اعلن انه سيستمر في منصبه وان اي حكومة يعينها الجميل لن تكون شرعية. وواجه حلو صعوبات في اقناع المسلمين بالانضمام الى حكومته، اذ لم يجرؤ اي من الشخصيات المسلمة على معارضة حكومة الحص التي كانت تحظى بدعم سورية. وكان بعض النواب المسلمين يجتمع بحلو في القصر الجمهوري ليتصلوا بي بعد دقائق ويبلغوني ان ليس في وسعهم قبول المشاركة في الحكومة. وزرع مبعوث من اصدقاء بيار حلو مخافة الله في قلبه حين ابلغه ان المفتي سيصدر فتوى يمنع فيها اي مسلم من الانضمام الى حكومته. وهنا قال لي حلو: "يا الهي، هل سمعت ذلك؟ ارجوك اخبر الرئيس انني لا أستطيع ان اقوم بالمهمة. انا رجل سلام لا رجل حرب". وتراجع بيار حلو عن تشكيل الحكومة مقترحاً العماد ميشال عون ليقوم بالمهمة. وكان رأيه ان وضع المواجهة يتطلب وجود قائد عسكري لا سياسي.
وعلى مضض استدعى الرئيس الجميل العماد عون لينضم الى الحشود في القصر الجمهوري. وسأله عما اذا كان على استعداد للمشاركة في حكومة يرأسها مدني. ورفض عون، الذي كان يرغب في ترك الخيارات مفتوحة امامه. وكان يبدو انه بعيد عن الاحداث ولا يعبأ بها كما لو كان قرر تسلم السلطة على اي حال فور انتهاء فترة رئاسة الجميل. وكان عون زارني في مكتبي قبل اسبوع وكاشفني بأنه سيتسلم السلطة اذا لم ينتخب رئيس جديد لأنه لا يستطيع ان يعرض الجيش للفوضى التي ستسود من جرّاء ذلك. وحين سألته كيف سينفذ خطته قال: "سأستولي على القصر الجمهوري والمباني الحكومية جميعاً في بيروت الشرقية، وهذا مهم للمحافظة على وحدة الجيش وإبقاء الشرعية في أيدٍ أمينة". وسألته عما اذا كان يبلغني ذلك لأنقله الى الرئيس، فأجابني: "نعم، ان شئت". وحين أبلغت الجميل بدا أنه غير عابئ بهذا الكلام، وكان تعليقه: "لن يجرؤ عون على ذلك".
وكان داني شمعون، الذي وعده الحص باعطائه منصب وزير الخارجية في حكومته، مهتماً بتوسيعها. وكان على اتصال مستمر بالحص محاولاً اقناعه بتوسيع دائرة التمثيل المسيحي فيها بضم اشخاص كسمير جعجع اليها. لكن الحص لم يوافق على ذلك. فما كان من داني شمعون الا ان اعلن امام الجموع القلقة في القصر الجمهوري انه هو الذي سيشكل حكومة فقال له الرئيس: "يالله، ادخل قاعة المؤتمرات وحضّر قائمة بأسماء الوزراء المقترحين". ولم تمض نصف ساعة الا وخرج داني بقائمة حافلة بأسماء اشخاص يمينيين ميالين الى المواجهة. ونبّهه الجميل الى ان قائمته غير عملية وانها لا تشجع اي مسلم على الانضمام اليها. فاقترح داني شمعون في فورة غضب ان يشكل العماد عون الحكومة. هنا توجه الرئيس نحو عون، الذي كان الجميل عارض ترشيحه للرئاسة بل وكان يفكر في اقالته من منصبه كقائد للجيش، وسأله عما اذا كان على استعداد لتشكيل الحكومة. فأجاب عون انه مستعد لذلك وان حكومته ستتشكل من المجلس العسكري المؤلف من ستة ضباط كبار نصفهم من المسيحيين ونصفهم من المسلمين. وسأله الرئيس عن مصير هذه الحكومة اذا رفض الضباط المسلمون الاشتراك في عضويتها. فأجاب عون: "في هذه الحال اوسعها وأضم اشخاصاً مثل جعجع اليها".
وفي الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة من مساء الخميس الثاني والعشرين من ايلول سبتمبر 1988، وقبل خمس عشرة دقيقة فقط من انتهاء فترة رئاسته، اعلن الرئيس تشكيل حكومة عون. وثارت ثائرة سمير جعجع. وصرخ في وجه الرئيس: "قبل أيام كنتُ وإيلي سالم وسيمون قسيس نتعشى معك، وسألتك اذا كان عندك حكومة وقلت نعم وانها كانت في جيبك. لكن ظهر انه ما كان عندك شيء. ما هكذا تشكل الحكومات. عون صديقي وأدبر أموري معه، لكن مشكلتي معك انت". وخرج جعجع غاضباً وصفق الباب وراءه، وبدأت حربه ضد الجميل.
وبعيد منتصف الليل، خرج الرئيس الجميل منهكاً، مذهولاً وعلى حافة اليأس التام من القصر الجمهوري في بعبدا بعد ان صافح موظفي القصر وضباطه وحرسه الذين عملوا معه خلال فترة رئاسته مودعاً الجميع. وبعد أيام قلائل، وفيما كان يسعى الى دخول حياة رجل الدولة كرئيس سابق للجمهورية، قام جعجع بانقلاب ضده وجرّده من أية سلطة سياسية مجبراً اياه على التوجه الى المنفى.
