اللامركزية الإدارية في لبنان: بين تحدّيات الإقرار وآليات التطبيق قراءة نقدية في الواقع والمأمول

النوع: 

اللامركزية الإدارية في لبنان: بين تحدّيات الإقرار وآليات التطبيق قراءة نقدية في الواقع والمأمول

زياد بارود

 

" ليس للاّمركزية قيمة إدارية فقط، بل لها مدى مواطني على اعتبار أنها تضاعف فرص اهتمام المواطنين بالأمور العامة." (أ. دو توكفيل)

مدخل

لقد دخلت اللامركزية الإدارية في لبنان حيّز الخيارات الكبرى، فانضمّت حيناً إلى قافلة البنود الإصلاحية المؤجّلة، وحلّت، أحياناً، ضيفةً على التعابير المستهلكة في لغة الوعود الخشبية. منذ وثيقة الوفاق الوطني ("إتفاق الطائف")[1]، خرجت اللامركزية من الحيّز المطلبي "الفئوي" إلى حيّز الإقرار، فباتت واحدة من "الإصلاحات الأخرى" التي توافق اللبنانيون عليها في ذاك الاتفاق، كوسيلة – ربما- لإدارة شؤون تنوّعهم ضمن وحدتهم ووحدة دولتهم. وكان واضحا للغاية، في هذا السياق، "حرص اتفاق الطائف على وضع حدّ للجدل القائم حول شكل اللامركزية المطلوبة، وإزالة كل التباس أو تفسير لمضمون اللامركزية بوصفها "اللامركزية الإدارية". وبذلك أقفل الباب نهائيا في وجه كل مناقشة تتناول شكل الدولة أو تنظيمها السياسي والإداري، ووضع الإصلاح المطلوب في ما يتعلّق بتنظيم مرافق الدولة وهيكليتها، على المستوى الإداري وليس السياسي[2]".

وبذلك، أصبح ممكنا، في ظلّ ضمانات وحدة الدولة وضمن حدودها، البحث الصريح والمباشر في حكم محليّ ما، يؤمّن، بدرجة ما، مشاركةً وتنميةً وينطوي على تفعيل للمؤسسات "الأقرب للمواطنين"[3]، دونما عُقَد أو محرّمات. فالطابع الميثاقي والمحوري لاتفاق الطائف إنسحب على اللامركزية التي قال بها، فخرجت إلى العلن بعدما كان يُدفع بها همساً، وأصبحت جزءا من الخطاب السياسي والدستوري والإداري والتنموي والإصلاحي... في آنٍ معاً.

وعلى الرغم من ذلك، فإن اللامركزية الإدارية مرشّحة، في لبنان، لأن تكون من المواضيع الأكثر إثارةً للجدل، إن على مستوى مبدأ إقرارها أو على مستوى آليات تطبيقاتها.

فعلى المستوى المبدئي، ثمّة "انزعاج" غير معلن من الطروحات الإصلاحية التي تتقاطع وتتداخل مع هيكلية النظام التمثيلي وأُسُسِه. فخيارات اللامركزية تلقي بظلّها على قانون الانتخاب وعلى تقسيم الدوائر، وإنما أيضاً على التنظيم الإداري وتقسيم المناطق الإدارية وأوجه اللاحصرية. وهذه كلّها عناوين إشكالية حتى اللحظة، وتحتاج مقاربتها إلى قرار سياسي- تشريعي حاسم، يبدو أن ظروفه لم تتوفّر منذ 1989 وحتى اليوم، بدليل المحاولات السابقة (لنا عودة إليها لاحقاً) التي لم تقترن بأية نتيجة حاسمة[4]، وفي ظلّ اعتقاد البعض أن المركزية تحصّن هيبة الدولة وموقعها[5]. وقد تكون الفقرة المخصصة في اتفاق الطائف للاّمركزية الإدارية قد فاقمت الالتباس القائم بين اللاحصرية واللامركزية عندما قالت بتوسيع دائرتهما معاً، في الوقت ذاته، وعبّرت أيضاً عن رغبةً ما في استمرار السلطة المركزية ممسكة بالسلطات المحلية المنتخبة من خلال ترؤّس القائمقام (المعيّن) مجلس القضاء (المنتخب)!

أمّا على المستوى التطبيقي، فإن اللامركزية الإدارية قد تطرح إشكالياتٍ أخرى على مستويين على الأقل: فمن جهة أولى، ثمّة ضرورة لمقاربة الواقع الإداري برمّته، في شكلٍ يتيح تقاطعاً مَرِناً بين مركزية الدولة وأجهزتها اللاحصرية وبين السلطات المحلية اللامركزية، على تنوّعها، بحيث لا ينتهي الإصلاح المأمول إلى تعقيدات إدارية وتضارب وتشابك صلاحيات. ومن جهةٍ ثانية، لا بدّ من التوقّف أيضاً، وبقوة، عند النواحي المالية – التمويلية المرتبطة باللامركزية الإدارية، باعتبارها العصب الأساسي الذي من دونه لا أمل في إنجاح أي اتجاه لامركزي. ففعالية اللامركزية تبقى رهن القدرات المالية التي ينبغي أن ترافقها حتى تتمكّن من تلبية الحاجات. وبالتالي، فإن توسيع دائرة صلاحيات السلطات المحلية اللامركزية قد يكون من دون جدوى، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذا هو لم يترافق مع موارد كافية، محلية كانت أم مركزية –"محوّلة". حتى أن باحثين يذهبون إلى حد استبعاد أي إصلاح لا يترافق مع "القدرة على التنفيذ المرتبط بالامكانيات البشرية والمادية للوحدات اللامركزية[6]".

وبذلك، تبدو اللامركزية الإدارية في لبنان أمام خيارات استراتيجية لا بدّ للمشترع اللبناني أن يقرّها قبل الدخول في تقنيات التشريع (Légistique) والبحث في التفاصيل. خيارات تنطلق من وثيقة الوفاق الوطني وتقارب الواقع القائم على مستوى البلديات واتحادات البلديات، وهي الشكل الوحيد المعتمد اليوم على مستوى اللامركزية الإدارية، ثم تذهب في اتجاه سؤال محوري أساسي: هل إن لبنان في حاجة فعلا إلى استحداث سلطات محلية جديدة؟ وكيف "نزاوج" بين السلطات اللاحصرية وتلك اللامركزية، وكلاهما تمارسان على رقعةٍ جغرافيةٍ محصورة نسبياً وبموارد متواضعة؟ (القسم الأول). وفي حال أقرّت هيكلية متكاملة للإدارة، بوجهيها المركزي اللاحصري واللامركزي المنتخب، ما هي التحديات التي قد تواجه السلطات المحلية على مستوى التمويل؟ وكيف السبيل إلى تجنّب سقوط التجربة اللامركزية في مطبّات انعدام الموارد أو عدم كفايتها؟ (القسم الثاني).

القسم الأول:

خيارات اللامركزية الإدارية: بين الطائف والواقع وما بعدهما

على الرغم من أن اللامركزية الإدارية كانت دخلت دائرة التداول قبل اتفاق الطائف، إلاّ أن النقاش حولها اليوم بات مرتبطاً بما نصّ عليه ذاك الاتفاق[7]. فقد جاء في وثيقة الوفاق الوطني، تحت عنوان "الإصلاحات الأخرى" ما حرفيته:

" أ- اللامركزية الإدارية:

الدولة اللبنانية دولة واحدة، موحّدة، ذات سلطة مركزية قوية.

توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين وتمثيل جميع إدارات الدولة في المناطق الإدارية على أعلى مستوى ممكن، تسهيلاً لخدمة المواطنين وتلبيةً لحاجاتهم محلياً.

إعادة النظر في التقسيم الإداري بما يؤمّن الانصهار الوطني وضمن الحفاظ على العيش المشترك ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات.

إعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرئسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحلية.

إعتماد خطة إنمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها إقتصادياً واجتماعياً، وتعزيز موارد البلديات والبلديات الموحّدة والاتحادات البلدية بالإمكانات المالية اللازمة.

إن ما ورد ضمن هذه الفقرة من اتفاق الطائف يشكّل، في الواقع، مزيجاً من اللاحصرية واللامركزية الموسّعتين. وثمّة خلط كبير وواضح (حتى في مشاريع القوانين المتداولة، كما سنرى) بين هذين المفهومين، ممّا يستدعي التوقّف، ولو بشكل موجز، عند الفوارق الأساسية بينهما (المقطع الأول)، تمهيدا لقراءة وصفيّة لحال اللامركزية وواقعها راهناً في ظل البلديات واتحادات البلديات (المقطع الثاني)، وصولاً إلى محاولة رسم ملامح المرحلة اللامركزية المأمولة، من خلال أسئلة ومقاربات تدخل في عمق استراتيجية التشريع وخياراته ومآله (المقطع الثالث).

المقطع الأول:

بين اللاحصرية واللامركزية: وحدة الأهداف وتنوّع الوسائل؟

تعبّر الفقرة المخصّصة للاّمركزية الإدارية في اتفاق الطائف عن محاولة واضحة للسير في اتجاهَي اللاحصرية واللامركزية معاً وفي شكلٍ موازٍ، فلا تمنع الواحدة الأخرى أو تحلّ محلّها. وإذا كان "التزاوج" بين المنهجين ممكناً في مبدئه، وربما هو يعبّر عن الواقع القائم راهنا، إلاّ أن توسيع دائرتهما معاً يفترض رؤية واضحة لصلاحيات كلّ منهما، فلا ينتهي التوسيع إلى تضاربٍ في الصلاحيات أو تجاذبٍ على النفوذ. فاللاحصرية، كما اللامركزية، تهدف إلى تأمين الخدمات في المناطق عبر قرب الإدارة من المستفيدين من تلك الخدمات. لكنّها، على عكس اللامركزية، تستند في أداء هذا الدور إلى موظّفي السلطة المركزية المنتدبين من قبل الأخيرة في المناطق. وبالفعل:

1- لا تخرج اللاحصرية (déconcentration) عن مفهوم التنظيم المركزي النسبي، وإنما هي جزء أساسي منه ومرتبطة به عضوياً[8]. وهي تعني تكليف السلطة المركزية لممثّلين لها في المناطق، معيّنين من قبلها ويعملون تحت إشرافها، بمهامٍ وصلاحياتٍ محدّدة يمارسها هؤلاء تحت رقابة السلطة المركزية وفي إطار التسلسل الإداري. وهذا يعني أن السلطات اللاحصرية المتواجدة في المناطق والملحقات، ما هي في الواقع سوى امتداد للسلطة المركزية نفسها، وهي من هذه الزاوية، لا تتمتّع بالشخصية المعنوية (باعتبارها من تفرّعات الدولة التي تتمتع هي بالشخصية المعنوية) ولا بالاستقلال المالي (باعتبار أن وارداتها ومصارفاتها تدخل في موازنة الدولة في باب موازنة وزارة الداخلية والبلديات)، مع استقلال إداري خجول بفعل الرقابة التسلسلية.

والواقع أن لاحصرية الإدارة في لبنان يعبرّ عنها بشكلٍ أساسي من خلال المحافظات والأقضية (التي تتبع وزارة الداخلية والبلديات)، وتترجم أيضاً، وإن بشكلٍ محدودٍ جداً، من خلال بعض الوزارات التي تتواجد في المناطق من خلال مكاتبٍ لها أو ممثلين عنها (كوزارة الصحة أو وزارة التربية). ولا يزال التنظيم الإداري المرعي في لبنان حتى اليوم يخضع لأحكام المرسوم الاشتراعي رقم 116 تاريخ 12/6/1959 الذي قسّم لبنان إلى 5 محافظات (أضيفت إليها محافظة سادسة هي محافظة النبطية عام 1975، وسابعة وثامنة عام 2003 هما محافظتي بعلبك-الهرمل والنبطية[9]) وتشمل كل محافظة عدداً من الأقضية. وتشكّل المحافظة[10] الوحدة الإدارية الأساسية في تركيبة الدولة. وعلى الرغم من كون المحافظة تابعة لوزارة الداخلية والبلديات هيكلياً، إلاّ أن القانون أعطى المحافظ صلاحية تمثيل سائر وزارات الدولة إقليمياً (térrirorialement) ضمن نطاق المحافظة، باستثناء وزارتي العدل والدفاع الوطني.

وإذا كان المرسوم الاشتراعي رقم 116/1959 قد أولى المحافظ صلاحيات واسعة[11]، إلاّ أن هذه الصلاحيات بقيت رهنا بإشارة السلطة المركزية، بحيث اقتصر "استقلاله" الإداري النسبي على الأمور الإدارية اليومية. وما يصحّ في المحافظ يصح في القائمقام أيضا وبدرجة أكبر، وهو يرأس الوحدة الإدارية الثانية بعد المحافظة من حيث الحجم والصلاحيات، وهي القائمقامية.

2- أما اللامركزية الإدارية، ومهما يكن الشكل الذي تتخذه، فتتميّز بقيام كيانات قانونية منتخبة على المستوى المحلي، تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي والإداري، وإنما تخضع لرقابة السلطة المركزية –المحدودة في المبدأ- رغم استقلالها عنها إدارياً.

في لبنان، اليوم، لا تزال اللامركزية الإدارية تقوم على مستوى واحد، بدرجتين: البلديات واتحادات البلديات. وفي ما عدا ذلك، فإن جميع أشكال تفويض الصلاحيات  ما هي إلاّ من قبيل اللاحصرية. فالمختار، مثلا، على الرغم كونه منتخباً، إلاّ أنه يبقى خاضعاً للسلطة التسلسلية بإشراف القائمقام. ولذا، يعتبر المختار تابعاً لجهاز الدولة المركزي[12]، إذا ما عدنا إلى المعايير المعتمدة في الفقه والمبدأ للقول بوجود حالة لامركزية، وهي:

 قيام سلطة عامة محلية منتخبة، تستمد شرعيتها من القانون الذي يحدّد صلاحياتها.

 تمتّع هذه السلطة بالشخصية المعنوية المستقلة عن شخصية الدولة التي هي جزء منها.

 تمتّع هذه السلطة باستقلال مالي، أي بموازنة مستقلة عن الموازنة العامة، وبمصادر واردات خاصة بها، وبإمكانية إنفاق من ضمن الموازنة. هذا الاستقلال ليس مطلقاً، باعتبار أن السلطة المركزية تحتفظ لنفسها بحق الرقابة، نظراً إلى كون هذه الأموال أموالاً عامة، يقتضي فرض الرقابة على سبل جمعها وإدارتها وإنفاقها، وإنما حصراً ضمن حدود القانون.

 تمتّع السلطة اللامركزية بالاستقلال الإداري، أي بإمكانية إدارة أموالها وشؤونها دون الرجوع إلى السلطة المركزية إلاّ استثناءً. وهو يكون متحققاً بقدر ما الاستقلال المالي يكون متحققاً. ويخضع هذا الاستقلال الاداري أيضاً لضوابط الرقابة من قبل السلطة المركزية.

المقطع الثاني:

قراءة وصفية لحال اللامركزية وواقعها راهناً: البلديات واتحاداتها

قياساً على المعايير أعلاه، يغدو واضحاً أن النظام الإداري اللبناني لم يعرف منذ بداياته أي شكلٍ من أشكال اللامركزية الإدارية إلاّ من خلال البلديات والعمل البلدي[13].

تاريخياً، يبدو أن أوّل تشريع بلدي طبّق في لبنان هو القانون العثماني الصادر في 5/10/1877، ولكنّ التجربة البلدية الأولى في لبنان كانت سبقت هذا التشريع، حيث أنشئ أول مجلس بلدي في دير القمر بموجب فرمان (firman) 31 آب 1864 الذي ورد في حيثياته أن إنشاء هذا المجلس يهدف إلى "اتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق الإصلاح والنظافة في بلدة دير القمر." هذا التشريع العثماني، اعتمدته السلطة الفرنسية المنتدبة على لبنان لفترة انتقالية حتى 22 آذار 1922 حيث أصدر حاكم لبنان الكبير القرار 1208، وهو كان منسوخاً عن قانون البلديات الفرنسي لعام 1884. ويعتبر فقهاء القانون الإداري[14] أن هذا القرار (الذي كان له قيمة تشريعية)  يشكّل أساس تشريعاتنا البلدية التي تعاقبت منذ 1943[15]، وكان آخرها المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977 تاريخ 30/6/1977 الذي عدّلت بعض أحكامه (الأساسية) بالقانون 665/1997 عشيّة الانتخابات البلدية[16].

ولقد مرّت التجربة البلدية ولا تزال تمرّ "بمطبّاتٍ" تعلو أو تنخفض تبعاً لقوة مركزية القرار ورغبة المركز في استقطاب مجمل الصلاحيات. هذا ما جعل المشترع يعمد، مثلاً، عام 1954[17]، إلى فرض المصادقة على جميع قرارات المجلس البلدي حتى تصبح نافذة. ولم يكن قانون 1963 أكثر ليبرالية، إذ أبقى على هذه الرقابة المشدّدة، بل إنه لحظ إمكانية حلول سلطة الوصاية محل السلطة البلدية في بعض الحالات، وهذا أمر حدا بأحد الباحثين[18] إلى التساؤل –عام 1965- عمّا إذا كان هناك فعلاً "سلطة بلدية" في لبنان.

في أي حال، الجواب على هذا التساؤل بالنفي في ظل قانون 1963، يقابله جواب بالايجاب في ظل القانون الحالي (المرسوم الاشتراعي رقم 118 تاريخ 30/6/1977)، باعتبار أن التشريع الجديد لم يكتف بإعطاء البلديات الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وإنما أرسى قواعد أساسية هي في صلب اللامركزية الحقيقية، نختصرها بالآتي:

- لقد أعطى المرسوم الاشتراعي 118/1977 البلديات صلاحيات واسعة جدّاً، أكان بالنسبة للمجلس البلدي (الذي يتولى السلطة التقريرية) أم بالنسبة لرئيس البلدية (الذي يتولى السلطة التنفيذية).

فقد نصّت المادة 47 على أن "كل عمل ذي طابع أو منفعة عامة، في النطاق البلدي، من اختصاص المجلس البلدي". وهذا يعني أن حدود صلاحيات المجالس البلدية تتوقف عند حدود مخيّلة أعضائها! وتأكيدا على هذه "الشمولية" في الصلاحيات في النطاق البلدي، فقد حرص المشترع في المادة 49 التي تحدّد ما يتولاّه المجلس البلدي من مهام، على ذكر عبارات: "دون أن يكون ذلك على سبيل الحصر"، أي أن ما ذكر في القانون من صلاحيات إنما هي من قبيل المثال.

 كما أعطى القانون للمجلس البلدي، ضمن منطقته، صلاحية أن ينشئ أو يدير، بالذات أو بواسطة الغير، عدداً من الأعمال أو المشاريع، أو يسهم أو يساعد في تنفيذها، كالمتاحف والمدارس والمستشفيات العمومية والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والأسواق العامة… (المادة 50). وفي هذا الإطار تندرج إمكانيات التعاون والتواصل والتكامل بين البلديات من جهة وعناصر المجتمع المدني من جهة أخرى[19]، من جمعيات وأندية وجامعات وتجمعات مهنية.

وقد حرص المشترع عام 1977 على عدم قيام أي مشروع أساسي في البلدة ما لم يقترن بموافقة المجلس البلدي، وإن كان المجلس غير معني بتنفيذه، كمشاريع تقويم الطرق ورخص استثمار المحلات المصنفة والتصميم التوجيهي العام للبلدة (المادة 51). وما يصح في المجلس البلدي يصح أيضاً في رئيس البلدية، حيث وردت صلاحياته (المادة 74) أيضاً على سبيل التعداد وليس الحصر، كما جاءت المادة 76 تعطيه إمكانية أن "يصدر أنظمة بلدية في المسائل الداخلة ضمن اختصاصه ويكون لهذه الأنظمة ضمن النطاق البلدي صفة الإلزام التي هي لشرائع الدولة وأنظمتها".

- وإلى جانب هذه الصلاحيات الواسعة، أرسى المرسوم الاشتراعي 118 مبدأ نفاذ القرارات بذاتها، معتبراً الرقابة الإدارية بمثابة الاستثناء. وبالفعل، وخلافاً لما كان الحال عليه في ظل القوانين السابقة، فقد حرص قانون البلديات الجديد على الإشارة الصريحة إلى أن "قرارات المجلس البلدي نافذة بحدّ ذاتها، باستثناء القرارات التي أخضعها هذا المرسوم الاشتراعي صراحةً لتصديق سلطة الرقابة الإدارية، فتصبح نافذة من تاريخ تصديقها" (المادة 54). أي أن قرارات المجلس البلدي تصبح قابلة للتنفيذ وتنتج مفاعيلها فور صدورها في المبدأ.

وإذ اعتبر القانون أن الرقابة الإدارية (وليس الوصاية) على القرارات البلدية تمارس من قبل القائمقام والمحافظ ووزير الداخلية والبلديات[20]، فقد حدّد حصرياً القرارات التي تخضع لتصديق كل من هذه السلطات المركزية (المواد 60 إلى 62). وهذا المنحى يراعي إلى حدّ كبير النموذج اللامركزي ويعطي البلديات، على الأقل في النص، ترجمة فعلية للاستقلال المالي والإداري، رغم تحفّظات كبيرة حول ماهية القرارات التي يخضعها القانون للرقابة، حيث يرى البعض أن هذه الرقابة تؤدي إلى روتين إداري وتعرقل حسن سير المشاريع[21]. لكنّها تبقى ضرورية في حدّها الأدنى باعتبار أن البلديات تقوم بإدارة أموال وشؤون عامة، ممّا يحتّم وضع ضوابط رقابية لأدائها. ويبدو أن مشروع قانون البلديات الجديد[22] قد خطى في هذا الاتجاه، مخففا من حجم الرقابة الإدارية.

وتجدر الإشارة إلى أن "الأحكام الرقابية"، إذا صحّ التعبير، التي وردت في المرسوم الاشتراعي 118 قد جرى ربطها في النص بمبالغ محددة اعتمدت كمعيار لخضوع القرار للرقابة. ومعدّل هذه المبالغ يحدّد عملياً سقف حريّة المجالس البلدية في الإنفاق وعقد الصفقات. فرئيس البلدية يعقد، على سبيل المثال، نفقات اللوازم والأشغال بموجب بيان أو فاتورة ويأمر بصرفها عندما لا تتجاوز قيمتها ثلاثة ملايين ليرة، وإجازة صفقات اللوازم والأشغال والخدمات تحتاج لتصديق القائمقام عندما تزيد عن 30 مليون ليرة. هذه الأرقام تحدّدت عام 1999 بموجب قانون[23]، وهي كانت، حتى التعديل، بمعدّل 350 ألف ليرة بدلاً من 3 ملايين! وهذا يعني أن تحديد هذه المعدّلات ينطوي على توسيع أو تضييق إراديين لمساحة الرقابة الإدارية بقرار سياسي - تشريعي، بحيث يكفي، لإطلاق يد البلديات في عملها، أن يرفع سقف المعدّلات، أو يخفّض إذا كانت رغبة السلطة المركزية الحدّ من قدرة البلدية على العمل.

وبموازاة البلديات كسلطات لامركزية بالمعنى الكامل للكلمة، تبرز أيضاً الاتحادات البلدية كهيئاتٍ تتمتّع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي. وعلى الرغم من أن الدراسات والأبحاث المتوفرة لم تتطرق إلاّ لماماً إلى دور الاتحادات البلدية، إلاّ أن هذه الأخيرة تبقى من أدوات العمل اللامركزي الأساسية إذا ما جرى تفعليها. فهي تؤمّن التنسيق بين البلديات المنضوية فيها وبإمكانها أن تنفّذ مشاريع إنمائية مهمة على مستوى المنطقة، خصوصاً وأن مواردها ليست بقليلة (10% من الحساب القطعي لكل بلدية منتسبة، إضافةً إلى مساهماتٍ أخرى). لكن عدم إلزامية الانتساب للاتحاد وتمنّع بعض البلديات عن تسديد المتوجب عليها، يؤديان عملياً إلى إضعاف فعالية الاتحادات البلدية وعدم اضطلاعها بالدور المرسوم لها.

- أما على مستوى الممارسة الفعلية، وإضافةً إلى ما جرى ذكره أعلاه من عوائق قانونية- رقابية، فثمّة عوائق أخرى عملية تعترض قيام البلديات بمهامها الواسعة، نورد فيما يلي أبرزها[24]:

أ- عدم تمكّن البلدية من استقدام موظفين جدد، بسبب قرار مجلس الوزراء القاضي بمنع التوظيف في الإدارات العامة والبلديات. والحقيقة أن عدداً لا يستهان به من البلديات كان يعاني أصلاً نقصاً كبيراً في العنصر البشري[25]، وقد تفاقم هذا النقص بفعل التمديد للمجالس البلدية إعتباراً من 1967 وحتى 1998، وهو وصل اليوم بفعل منع التوظيف إلى حدّ اضطرار بعض أعضاء المجالس البلدية القيام بمهام الموظفين تأميناً لسير العمل. يضاف إلى ذلك عدم توفّر الكفاءات[26] بين السواد الأعظم من موظفي البلديات باعتبار أن مستوى الأجور فيها هو دون مستوى الأجور في القطاع العام.

ب- صعوبة جباية الرسوم والضرائب[27]، من جرّاء الوضع الاقتصادي العام، يضاف إليه الصعوبة المعنوية التي يواجهها رؤساء البلديات الصغرى في استعمال وسائل الإكراه لحمل المكلّفين على الدفع (إنذار، إشارة على صحيفة العقار، الخ.) بسبب الروابط العائلية أو المعارف الوثيقة بين أهالي هذه البلديات. أما في البلديات الكبرى، "وفي غياب مسح سكّاني وتجاري شامل، يصعب تحديد وتوسيع قاعدة المكلّفين، الأمر الذي يجعل عملية الجباية غير شاملة وبالتالي يؤثر سلباً في موارد البلدية"[28]. وقد أثار عدد من رؤساء البلديات عدم وضوح وعدم انتظام توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل، واقترح أحدهم إعادة العمل ببراءة الذمة البلدية في المعاملات العائدة للعقارات.

ج- الروتين الإداري، وهو ناتج بشكل أساسي عن العلاقة مع سلطات الرقابة الإدارية من جهة، وعن ضرورة المرور بدوائر حكومية محددة في معرض تنفيذ مشروع ما، كالتنظيم المدني أو وزارة الأشغال أو المراقب المالي أو أحياناً ديوان المحاسبة. وهذه كلّها إجراءات تثقل المعاملات الإدارية وتجعلها تستغرق وقتاً وجهداً كبيرين. ويضاف إلى ذلك التضارب في الصلاحيات الذي قد ينشأ بمناسبة معاملة ما، ممّا يؤدي إلى عرقلتها. هنا يبرز بشكلٍ خاص التقاطع بين السلطات المركزية والسلطة البلدية، فتجنح الرقابة عن الغاية التي من أجلها وضعت، وتصبح مرهقة لكلا الطرفين. ولذا، تبدو الرقابة اللاحقة أكثر ملاءمةً لواقع البلديات وأكثر مراعاةً لكونها سلطات مستقلة لامركزية.

المقطع الثالث:

ما بعد الطائف: أية خيارات لامركزية؟

منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني، يبدو عنوان اللامركزية الإدارية الموسّعة، عنواناً شيّقاً، عصرياً، و"على الموضة"، ولكنّه يحمل أيضاً في طيّاته تحديات إعادة النظر في التقسيم الإداري وفي اللاحصرية الإدارية. ولا ننسى أن اتفاق الطائف قد نصّ أيضاً على قانونٍ جديدٍ للانتخاب بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري.  ومن اللافت فعلاً ألاّ تكون "توصيات" الطائف قد اقترنت، بعد أكثر من 17 عاماً على إقرارها، بتطبيق تشريعي! وقد يكون مردّ ذلك إلى عاملين على الأقل:

العامل الأول: غياب إرادة سياسية واضحة في اتجاه إرساء حكمٍ محلّيٍ قادرٍ، تأخذ على عاتقها إدراج المشروع في أعلى قائمة الأولويات.

والعامل الثاني: غياب أطراف الديمقراطية المحلية (البلديات) عن الساحة حتى 1998، وبالتالي، انعدام المطالبة، انطلاقاً من القاعدة، على مدى السنوات التسع بين 1989 و1998.

وبالعودة إلى نصّ وثيقة الوفاق الوطني، وتحديداً إلى الفقرة التي تحمل عنوان "اللامركزية الإدارية" في باب "الإصلاحات الأخرى"، نلاحظ أنه من أصل بنودها الخمس، ثمّة بندٍ واحدٍ فقط، هو البند الرابع، يشير إلى "اعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرئسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحلّية". أما البنود الأخرى، فأوّلها يؤكّد وحدة الدولة، وثانيها يقول بتوسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين وتوسيع اللاحصرية، وثالثها يفرض إعادة النظر في التقسيم الإداري، وخامسها يقول باعتماد خطة إنمائية شاملة للبلاد وتعزيز موارد البلديات. وعلى الرغم من أن بنداً واحداً فقط من أصل خمسة تطرّق إلى اللامركزية، إلاّ أنه لا يمكن مقاربة هذا النص إلاّ ككلٍ متكاملٍ ببنوده الخمسة، للوقوف على بيّنة من نيّة المجتمعين في الطائف. ويبدو من الوضوح بمكان، أن صياغة الفقرة بالشكل الذي صيغت فيه إنّما فسح ويفسح المجال أمام سجال –علمي قانوني- حول المعاني التطبيقية للنص. ذلك أن هذه الصياغة تطرح مجموعة من الأسئلة نستعرضها، باختصار، كما يلي:

هل إن إعادة النظر في التقسيم الإداري ينبغي أن تتقدّم على غيرها من "التوصيات"؟ بمعنى آخر، هل يمكن توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين وانتخاب مجالس أقضية، في ظل التقسيم الإداري الحالي للمحافظات والأقضية، كما هو منذ 1959، وفي ظلّ استحداث محافظات "بالمفرّق"، كما حصل عام 2003، بدل أن يأتي التقسيم الجديد شاملاً لأراضي الجمهورية؟[29]

هل يمكن، في وقتٍ واحدٍ، توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين (أي توسيع صلاحيات السلطة المركزية بوجهها اللاحصري) وتوسيع اللامركزية الإدارية على مستوى القضاء؟ بمعنى آخر، هل إن هذا "التوسيع" هو توسيع للصلاحيات أم توسيع للحجم؟ وإذا كان يتناول الصلاحيات، ألا يخشى أن يؤدي ذلك إلى تضارب في الصلاحيات بين سلطة معيّنة وأخرى منتخبة، على مساحة جغرافيّة محدودة نسبياً؟

كيف يمكن أن يرأس موظّف معيّن (هو القائمقام) مجلساً منتخباً؟ وكيف ينتخب هذا المجلس؟ وهل للقضاء، بمفهوم اتفاق الطائف، شخصية معنوية واستقلال مالي وإداري؟ وما حدود هذا الاستقلال؟

ويبرز في هذا السياق سؤال محوري نابع من هدفيّة (finalité) اللامركزية التي يسعى اللبنانيون إليها، وقد عبّر عنه الدكتور عصام سليمان[30] عندما قال:

"أمّا بالنسبة إلى مستويات اللامركزية الإدارية، فهناك حالياً المجالس البلدية واتحاد البلديات، وستنشأ مجالس محلية على مستوى القضاء وما دون، بحسب ما جاء في وثيقة الوفاق الوطني، الأمر الذي يعني أن اللامركزية الإدارية ستصبح على ثلاث مستويات. وأعتقد أن هذا لا يتلاءم وأوضاع لبنان نظراً إلى الأمور التالية:

- صغر مساحة لبنان وعدد سكانه.

- ضعف الموارد المحليّة التي تتغذّى المجالس اللامركزية منها.

- التشابك في تأدية الوظائف".

في ظلّ هذه الأسئلة، برز عدد من مشاريع واقتراحات القوانين "الجديّة" التي طرحت وجرى التداول بها منذ 1990، بدءاً بأولى حكومات ما بعد الطائف (1991/1992)، مروراً باقتراح النائب أوغست باخوس (1995) واقتراح لجنة الإدارة والعدل (1997)، ومشروع حكومة الرئيس الحص (1999)، وصولاً إلى مشروع آخر أعدّته وزارة الداخلية والبلديات، بعد أن أعرب النوّاب عن رغبتهم بعدم مناقشة مشروع قانون البلديات[31] الذي كان رفعه وزير الداخلية والبلديات الياس المر إلى مجلس الوزراء ومنه إلى مجلس النواب، إلاّ في إطار مشروعٍ متكاملٍ للاّمركزية الإدارية[32] (2002)، وانتهاءً باقتراح أعدّه النائب روبير غانم، رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية (2007). كلّ هذه المشاريع تميل إلى اللاحصرية الموسّعة أكثر منها إلى اللامركزية الفعليّة والحقيقيّة، وتصبّ كلّها في خانة الخدمات المباشرة كبدل عن ضائع تمثّله الديمقراطية المباشرة.

 وفي ما يلي استعراض لأبرز تلك المشاريع والاقتراحات في قراءة نقدية موجزة:

2-1- إقتراح النائب السابق أوغست باخوس (1995)

 بتاريخ 20/6/1995، تقدّم النائب أوغست باخوس (رئيس لجنة الإدارة والعدل سابقاً) من المجلس النيابي باقتراح قانون يعطي القضاء الشخصية المعنوية، فيما يلغي المحافظة ويحوّل صلاحيات المحافظ إلى القائمقام الذي يصبح موظف فئة أولى[33]. وفي ذلك طبعاً تبسيط للمعاملات وممارسة أصحّ للاّحصرية.  أمّا تأليف مجلس القضاء، فعلى الشكل الآتي: نوّاب المنطقة هم أعضاء حكمييّن في المجلس، إضافةً إلى: عشرة رؤساء بلديّة منتخبين في ما بين رؤساء البلديات في القضاء، وممثل عن كلّ مجموعة من ذوي المهن الحرّة والفاعليات، ويرأس المجلس شخص منتخب. وقرارات المجلس تخضع، بحسب الاقتراح، لتصديق مجلس الوزراء.

هذا الاقتراح يحمل دون شك إيجابيّات واضحة تتعلق بتسهيل المعاملات الادارية وتخفف من وطأة التسلسل الإداري، لكنه يترك التضارب في الصلاحيات قائماً بين السلطة المعّينة والسلطة المنتخبة، إضافةً إلى أنّ تكوين مجلس القضاء يخرق مبدأ فصل السلطات ولا يمكن اعتباره مجلساً منتخباً بكل معنى الكلمة: فالنواب نوّاب الأمّة، بحسب الدستور، ولا يمكن حصر تمثيلهم بقضاء، ثم إن النواب يراقبون أعمال الحكومة ولا يجوز إخضاع قرارات يشاركون فيها لرقابة مجلس الوزراء. أمّا رؤساء البلديات، فهم منتخبون من قبل أعضاء المجلس البلدي وليس بالاقتراع المباشر، ممّا يضعف صفتهم التمثيلية[34].

 2-2- إقتراح قانون اللجنة الفرعية في لجنة الإدارة والعدل ولجنة تحديث القوانين (1996/1997).

جرى تداول هذا الاقتراح عام 1997، وهو حصيلة مداولات اللجنة الفرعية الخاصة المنبثقة عن لجنة الإدارة والعدل النيابية ولجنة تحديث القوانين في المجلس النيابي. بعكس اقتراح النائب باخوس، يعتمد هذا الاقتراح المحافظة ويلغي القضاء. يعيد الاقتراح تقسيم الدوائر الإدارية، فيعتمد تقسيماً من 24 محافظة بالإضافة إلى العاصمة بيروت. ويستحدث الاقتراح مجلساً للمحافظة يتمتّع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي والإداري، وهذا بحدّ ذاته أمر إيجابي. أمّا تأليف المجلس، فهو على الشكل التالي:

  المحافظ حكماً، رئيساً

 ثلاثة أضعاف عدد النوّاب المخصص لكل محافظة، ينتخب جزء منهم بالاقتراع السرّي المباشر من الناخبين في المحافظة، ويعيّن الجزء الآخر من قبل مجلس الوزراء من بين حملة الشهادات الجامعية في المحافظة.

إن هذا الاقتراح يشكّل هو أيضاً إصلاحاً لاحصرياً يحمل إيجابيات أكيدة، ولكنه لا يشكّل نموذجاً لامركزياً. فالمحافظ المعيّن يرأس المجلس، وبعض أعضاء المجلس يعيّنون[35]! وصلاحيات المجلس تتقاطع مع صلاحيات سلطات مركزية. كما أنّ النص لا يشير إلى إعادة النظر في التقسيم الإداري، ممّا يجعل الأقضية الحالية محافظات، وهو ما اعتبرته وزارة الإصلاح الإداري في دراسة لها أمراً مبالغاً فيه "لأن للبنان مساحة وعدد سكان لا يوازي مساحة محافظة بكثافة سكانها في بلدانٍ أخرى، وإنّ من شأن زيادة عدد المحافظات أن ينعكس على هيكلية الوزارات الممثلة في هذه المحافظات من حيث التضخّم الذي سيطرأ على إمكاناتها البشرية ويتناقض وتوجه الحكومة إلى سياسة عصر النفقات الإدارية".

2-3- مشروع قانون حكومة الرئيس سليم الحص (1999).

يلغي هذا المشروع تسميتي المحافظ والقائمقام ويستعيض عنهما بتسمية رئيس المنطقة الذي هو موظف معين من السلطة المركزية وجزء من التراتبية اللاحصرية ويأتمر بتوجيهات هذه السلطة وله صلاحيات واسعة، هي في الواقع الصلاحيات التي يمارسها المحافظ في النظام الحالي. وينشئ المشروع مجلسا للمنطقة يتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي والإداري، يرأسه رئيس المنطقة، ويتألف من:

رؤساء إتحاد البلديات المنتخبين في المنطقة.

خمسة من رؤساء بلديات أو نواب رؤساء بلديات يتم انتخابهم من قبل هيئة ناخبة مكونة من رؤساء ونواب رؤساء البلديات المنتخبين في المنطقة.

ج- ثلاثة مختارين يتم انتخابهم من قبل هيئة ناخبة مكونة من المختارين المنتخبين في المنطقة.

د- عشرة من حملة الشهادات الجامعية أو من ممثلي قطاعات أساسية في المنطقة يتم انتخابهم من قبل هيئة ناخبة مؤلفة من جميع رؤساء ونواب رؤساء البلديات ومن المختارين المنتخبين في المنطقة.

ويتكوّن المجلس من سلطتين: تقريرية وتنفيذية.

تتألف السلطة التقريرية من رئيس المنطقة رئيسا ومن جميع أعضاء المجلس.

أما السلطة التنفيذية، فيترأّسها رئيس المنطقة أيضا وتتألف معه من ثلاثة أعضاء ينتخبهم المجلس بالأغلبية المطلقة، ومن رؤساء إتحادات البلديات في المنطقة.

أمّا على مستوى صلاحيات المجلس، فتقتصر على دراسة المشاريع والإشراف على تنفيذها وإبداء الرأي في موازنة الصندوق البلدي المستقل، ووضع خطة للمشاريع الأساسية في المنطقة. ومن مراجعة قانون البلديات (الذي لا يلغيه مشروع القانون)، يتبيّن أن هذه الصلاحيات الممنوحة للمجلس –وجلّها إستشاري- إنما تتقاطع بشكل واضح مع بعض صلاحيات البلديات، وإنما أيضا وبوضوح أكبر، مع صلاحيات إتحادات البلديات التي يبقي عليها المشروع. وهذا يعني أن السير في الاتجاه المرسوم في مشروع حكومة الرئيس الحص قد يؤدي إلى المشهد التالي:

إنتخابات نيابية لا علاقة لتقسيم الدوائر الانتخابية فيها بالتقسيم الإداري.

 ومناطق إدارية مع مجالس محافظات تنتهي ولايتها مع انتهاء المجالس البلدية، ومكوّنة من أعضاء منتخبين، وإنما من قبل هيئات ناخبة هي منتخبة بدورها وباقتراع غير مباشر[36].

 واتحادات بلدية تتنازع صلاحيات أصبحت ضمن إطار أوسع وأكثر قدرة ماليا.

 ومجالس بلديات تكتفي بمشاريع إنمائية متواضعة وخجولة.

هذا ويلحظ المشروع إمكانية حلّ المجلس بمرسوم في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية "إذا ارتكب مخالفات هامة متكررة أدت إلى إلحاق الضرر الأكيد بمصالح المنطقة" (المادة 40 من المشروع).

 وهذا كلّه لا يعبّر عن منحى لامركزي وإنما فيه خلط واضح والتباس أكيد بين اللاحصرية واللامركزية، ويعبّر عن رغبة لدى السلطة السياسية بالاحتفاظ لنفسها بقدرة التوجيه على المستوى المحلّي، وهو ما يظهر خصوصا من خلال ترئيس موظف إداري تابع للحكومة، مجلسا من المفترض أن يكون سلطة مستقلة في إدارة شؤونها مباشرة. إن مشروع حكومة الرئيس الحص "يعزّز [في الظاهر] اللاحصرية تحت شعار اللامركزية الإدارية وفي الباطن ينتزع العديد من الصلاحيات من مؤسسات عدة ويضعها في أيدي وزير الداخلية"[37]، وهذه الملاحظة تصح في المشاريع الثلاثة التي لم تصل إلى ترسيم حدود واضحة بين السلطة المركزية وتعابيرها اللاحصرية من جهة وبين السلطة اللامركزية كسلطة منتخبة مستقلة فاعلة، من جهة أخرى.

 2-4- إقتراح قانون النائب روبير غانم (2007)

هو أحدث الاقتراحات والمشاريع حتى تاريخه، وهو حصيلة مناقشات أدارها النائب روبير غانم بحكم ترؤّسه لجنة الإدارة والعدل النيابية التي عكفت على عقد جلسات عدة للتداول في موضوع اللامركزية بموازاة اجتماعات عقدتها لجنة الدفاع والبلديات النيابية للغاية عينها[38].

يدمج الاقتراح التنظيم الإداري (واللاحصرية المرتبطة به) واللامركزية الإدارية، في تشريع واحد شامل للإثنين معا، مع جدول ملحق (غير منشور) يتضمّن المحافظات والأقضية ومناطقها. ويفهم من ذلك أن ثمّة تقسيما إداريا جديدا يأتي به هذا الاقتراح.

يُبقي الاقتراح على المحافظات والأقضية معا، فتستمرّ الأولى على ما هي عليه، عموما، وفقا للنظام الحالي[39]، في حين يعطي القضاء الشخصية المعنوية والاستقلالين الإداري والمالي (مع "موازنة مستقلة في إعدادها وإقرارها وتصديقها وتنفيذها ومراقبة تنفيذها"). وبذلك، تبدو مجالس المحافظات، بالنظر إلى الصلاحيات الموكلة إلى مجالس الأقضية، هيئات غير مجدية يكاد يقتصر دورها على إبداء الرأي والاستشارة. أما المحافظ، فيبدو حالة موروثة من النظام السابق لا شيء يحول دون دمج صلاحياته بصلاحيات القائمقام الذي أبقى الاقتراح على وجوده. فإمّا محافظ وإما قائمقام على مستوى اللاحصرية التي لا تستوجب درجتين من الموظفين في المناطق.

بحسب الاقتراح، يتألف مجلس القضاء من 6 رؤساء بلديات في القضاء ومختارين اثنين و7 أعضاء من ممثلي النقابات والقطاعات الاقتصادية وفقا لتوزيع معيّن. أما انتخاب الأعضاء، فيتم على درجتين (وأحيانا ثلاثة)، باعتبار أن رؤساء البلديات، مثلا، ينتخبون أعضاء في المجلس البلدي، ثم ينتخبون من بين أعضاء المجلس للرئاسة، ثم ينتخبون من بينهم ستة لعضوية مجلس القضاء! ولا يميّز الاقتراح في عدد الأعضاء تبعا لحجم القضاء (لربما كان الجدول الملحق وغير المنشور يلحظ أقضية بأحجام متقاربة، وإلاّ وجب إعادة النظر في عدد أعضاء المجلس تبعا لحجم القضاء). ويتخطّى الاقتراح ما نصّ عليه اتفاق الطائف لجهة ترؤّس القائمقام لمجلس القضاء. وهذا أمرٌ مرحّب به، إذ لا يجوز أن يترأّس موظّف معيّن من السلطة المركزية مجلسا محليا منتخبا.

تذكّر الصلاحيات التي يمنحها اقتراح النائب غانم للقضاء ولرئيس مجلس القضاء، بتلك التي منحها قانون البلديات لكل من المجلس البلدي ورئيس البلدية. فقد أتت هنا أيضا على سبيل التعداد لا الحصر وتناولت مواضيع مترامية الاتجاهات. لكنّها قد تؤشّر إلى تشابك في الصلاحيات بين مجلس القضاء ورئيسه (المادتان 54 و58)، من جهة، والبلديات (المرسوم الاشتراعي 118/1977)، من جهة أخرى، خصوصا أن الاقتراح يبقي على ما نصّت عليه المادة 47 من قانون البلديات الحالي من أن "كل عمل ذو طابع عام أو منفعة عامة، في النطاق البلدي، هو من اختصاص المجلس البلدي" (المادة 125 من اقتراح القانون). ويبقي الاقتراح على جميع البلديات القائمة حاليا (وعددها يتجاوز التسعماية، وهو عدد مرتفع نسبةً لقدرة البلديات الصغرى على الاكتفاء من مواردها)، كما أنه يبقي على انتخاب رئيس البلدية من بين أعضاء المجلس البلدي، في حين كان من الأجدى أن ينتخب الرئيس بالاقتراع المباشر، تأمينا للديمقراطية المباشرة، ونظرا لاستقلال صلاحياته ومهامه عن صلاحيات ومهام المجلس البلدي.

وإذ يلغي اقتراح النائب روبير غانم إمكانية إنشاء إتحادات بلدية جديدة (مبقيا على القائمة حتى تصفية مشاريعها المنشأة أصلا)، فإنه يستحدث شكلا آخراً من البلديات المجموعة ضمن القضاء الواحد تحت تسمية جديدة هي "التجمعات البلدية"، وهي تميل إلى ما كان يرغب المشترع في إرسائه عام 1977 من خلال اتحادات البلديات، فإذا بها تتحوّل إلى إتحادات بلديات القضاء برمته. الاقترح يشترط ألاّ يتجاوز عدد أعضاء التجمّع البلدي ستة بلديات وأن تكون تلك البلديات متجاورة. وبذلك، بلغي الاقتراح إمكان التضارب في الصلاحيات بين مجلس القضاء والتجمّع البلدي، علما بأن الأخير ينشأ، بحسب الاقتراح، بقرار من مجلس القضاء.

وفي المحصّلة، يبدو اقتراح النائب روبير غانم كلاّ متكاملا يجمع اللاحصرية واللامركزية، مرورا بالتقسيم الإداري، في نصّ واحد. وينطوي الاقتراح على فصل شبه كامل بين اللاحصرية واللامركزية، مفهوما وتطبيقا. لكنّه يحتاج ربما إلى:

مقاربة الخيارات السياسية بصورة أوضح، خصوصا لجهة الإبقاء على درجة واحدة من التمثيل اللاحصري للسلطة المركزية في المناطق (المحافظ أو القائمقام)، مثلا، ولجهة الجدول الملحق المتضمّن تقسيم المحافظات والأقضية.

البحث في تجنيب البلديات ومجالس الأقضية أي شكل من احتمالات التجاذب في الصلاحيات.

مقاربة مسألة التمويل لتغذية صندوق مجلس القضاء (المستقل ماليا وموازنةً) بصورة تضمن استقلاله الإداري وتطبيق مقرراته بشكل أفعل.

إذا، في المشهد المقترح في وثيقة الوفاق الوطني:

مجموعة مجالس بلدية منتخبة ورئيسها منتخب

ومجلس إتحاد بلديات منتخب ورئيسه منتخب[40]

ومجلس قضاء منتخب ورئيسه موظف رسمي

وكلّها على مساحة جغرافية محدودة، تتجاذب كلّ منها صلاحيات الأخرى، في ذهول كلّي عن الغاية التي من أجلها تعتمد اللامركزية على المستوى الإقليمي في الدول. فإذا كانت صلاحيات الاتحادات البلدية، مثلا، منفصلة عن صلاحيات البلديات قانونا، إلاّ أن صلاحيات تلك الاتحادات سوف تتشابك، لا محالة، مع ما قد يُعطى للمجالس المحلية من دور واختصاص. فكلاهما سلطة محلية، وينشطان معا على نفس المساحة الجغرافية (المحدودة نسبيا)، حيث يمارسان معا أدوار:

التنسيق مع البلديات

والقيام بالمشاريع الإنشائية المشتركة فيما بينها

وإدارة المنطقة إنمائيا

وربّما (وهو ما لا بدّ من ذكره) المساهمة في التمثيل السياسي

 ولا ننسى أن عوائق التمويل المتزايدة مع اضطراد نسبة الدين العام والوضع الاقتصادي الصعب سوف تجعل من الصعب فعلا، إن لم يكن من المستحيل، إستحداث مصادر تمويل جديدة لمجالس جديدة، كما سنرى في القسم الثاني أدناه.

وبموازاة كل ذلك، ورغم ما يُحاك من مجالس لامركزية من المفترض أن تزاحم الاتحادات البلدية، تجدر الإشارة والملاحظة إلى أن سبعة اتحادات بلدية من أصل 21، (أي ثلث عددها الإجمالي) قد أُنشئت، فقط في أقل من سنة ونصف السنة، ممّا يدلّ على رغبة حقيقية لدى المعنيين الحقيقيين والفعليين بالاستفادة ممّا يتيحه القانون الحالي على مستوى اتحاد البلديات، من غير أن ينتظروا أشكالا موعودة من المجالس المحلية غير الواضحة المعالم. وقد يكون السبب الأساسي في ذلك تمرّسهم في العمل البلدي وتلمّسهم لجدوى التنسيق بين البلديات. وبالتالي، فإن "الازدهار" الذي تعرفه مؤسسة اتحاد البلديات مؤخرا يذكّر بالانطلاقة التي كانت عرفتها عقب صدور قانون البلديات عام 1977 والتي لم يكتب لها أن تبرز للعلن بسبب الحرب وتراجع العمل البلدي وتعاقب قوانين التمديد للمجالس البلدية.

وممّا لا شك فيه أن الاتحادات البلدية اللبنانية تشكّل نموذجا ديمقراطيا لافتا على المستوى المحلّي (يكاد يكون فريدا في العالم العربي)، باعتبار أن هذه الاتحادات، بشكلها وبآلية تكوينها، تعبّر عن رغبة لدى الجماعات المحلية المنتخبة (أي البلديات) بأن تتكتّل وتتشكّل ضمن مجموعة محلية غير مفروضة عليهم لا بحكم القانون ولا بتدبير إداري ولا بحكم الواقع. إن قرار إنشاء اتحاد، وكذلك الإنضمام أو عدم الانضمام إلى اتحاد قائم، يبقى قراراً مستقلاً وفعل اختيار، بعيدا عن حكمية الأمور، بل في شبه "تعاقد" مختار على تعاون، فاتحاد!

 وعلى ذلك، فإن ما ستؤول إليه حالة اللامركزية الإدارية في لبنان يبقى مرتبطا بخيارات تشريعية واضحة، بإمكانها أن:

تفصل بشكل واضح بين اللاحصرية واللامركزية،

وترسي تناغما (واجبا) بين التقسيم الإداري وقانون البلديات واللامركزية الإدارية، وربما أيضا، بحدود معينة، قانون الانتخاب[41]،

وتلغي أي احتمال لنشوء مجلسين محليين ضمن المنطقة الواحدة يتضاربان في الصلاحيات والأدوار، خصوصا في ظل صعوبة تأمين موارد مالية محلية لمجلس واحد، فكم بالحري لمجلسين،

وتعي واقع الأمور فنيا وماليا، إنطلاقا من تجربة البلديات الواسعة الصلاحيات ونصّا، لا تطبيقا، فيأتي الخيار متناسبا مع هذا الواقع.

 إن كل ما سبق بيانه يشير من دون أي شك إلى استحالة قيام سلطتين لامركزيتين على مستوى القضاء أو حتى على مستوى "القضاء وما دون". وهذا يعني احتمال أن يختار صانعو القوانين (lawmakers) إلغاء اتحادات البلديات لصالح مجالس الأقضية. وقد يكون في هذا المنحى، ربما، في حال إقراره والسير به، إجهاض مؤسف لتجربة نجحت إلى حدّ كبير وشكّلت بإمكانيات محدودة ترجمة فعلية للامركزية "طبيعية" غير مصطنعة. خصوصا أن ما يطرح في المقابل لا يحمل على التفاؤل بنتائج إيجابية وحاسمة من شأنها الانتقال بالممارسة اللامركزية إلى مراتب لا تؤمنها اتحادات البلديات. أللهمّ إلاّ إذا قدّم للنقاش العام مشروع متكامل متناغم يجيب على الهواجس المشروعة، ولا يطرح بمثابة اختبار وإنما يكون من قبيل الاختيار الواعي والمدرك لتفاصيل الأمور وارتداداتها جميعها.

وعلى ذلك، فإن ثمة أسئلة لا تزال منذ 1989، وربما قبل ذلك أيضا، برسم أجوبة من المشترع. ولعلّ في طرح تلك الأسئلة بدايات لرسم استراتيجية تشريعية تقارب اللامركزية على أنها أداة تطوير وإصلاح شبه محسومة النتائج، لا أداة تجميل ظاهري غير واضحة المعالم.

وبالفعل:

كيف يمكن تجنّب التشابك في الصلاحيات بين السلطة المركزية اللاحصرية والسلطات اللامركزية المستحدثة، أو بين هذه الأخيرة والبلديات؟

 هل يمكن اعتبار إتحادات البلديات، بما هي سلطات محلية، منتخبة، تتمتع بالشخصية المعنوية، شكلا من أشكال اللامركزية على مستوى "القضاء وما دون" كما نصّ عليه اتفاق الطائف؟

 هل يمكن الاكتفاء بوضع قانون بلديات جديد، يؤكّد على لامركزية هذه السلطات المحلية ويحدّ من الرقابة الإدارية عليها، ويوسّع مهام إتحادات البلديات، فتكون هي مجالس أقضية؟

 وفي كل هذه الطروحات، ما هي كلفة استحداث نظام جديد على الخزينة وعلى السلطات المحلية؟

 إن كل هذه الأسئلة – وأسئلة أخرى كثيرة - تحتاج إلى أجوبة علمية وقانونية تأخذ بالاعتبار واقع البلد وحاجاته. وإن أي تشريع لا يجيب مسبقا على هذه التساؤلات يكون معرّضا للقصور عن غايته الأساسية. وقد يحتاج الجواب على تلك الأسئلة أيضا إلى مقاربة سياسية صريحة، تحدّد خيارات التشريع على المستوى السياسي، ضمن حدود وحدة الدولة. وقد يكون من المفيد فعلا، في هذا السياق، الانتقال إلى حيّز الجمع بين التقسيم الإداري، بشقّيه اللاحصري واللامركزي، وبين التقسيم الانتخابي، خصوصا أن الفقرة "ج" من وثيقة الوفاق الوطني ربطت صراحةً بين الإثنين.

 القسم الثاني:

 الاعتبارات المالية والتمويلية والضريبية في اللامركزية الإدارية:

حوافز التفعيل وعوامل الإخفاق.

 من اللافت فعلا أن يكون 63 بلدا ناميا من أصل 75 قد اتخذ خطوات عملية هامة في اتجاه إرساء اللامركزية الإدارية في شكل جدي وشامل[42]. لكن درجة اللامركزية الإدارية في تلك البلدان، ومنها البلدان العربية تحديدا، لا تزال مرهونة بدرجة الاستقلال الإداري، طبعا، وإنما المالي أيضا، الممنوح للسلطات المحلية. فقد أدّى نقل مسؤولية تقديم الخدمات إلى المستويات المحلية إلى ظهور حاجات جديدة لمصادر دخل محلية، الأمر غير المتحقق في غالب الأحيان، فباتت الصلاحيات واسعة في النص، وضيّقة في التطبيق، بسبب العامل المالي- التمويلي، تحديدا.

ولعلّ أكثر ما يعبّر عن ضرورة الموازنة بين الصلاحيات الممنوحة، من جهة، والتمويل الواجب لممارستها، من جهة أخرى، هو القول الفرنسي المأثور: "A transfert de compétences, transfert d’impôts"، بمعنى أن يترافق انتقال الصلاحيات مع انتقال استيفاء الضرائب. فاللامركزية الإدارية، بأشكالها المتنوعة وبمستوياتها المختلفة، تبقى قاصرة عن تحقيق الأهداف المرسومة لها إذا لم يتأمّن لها التمويل المناسب والكافي.

وفعالية اللامركزية هي، في شكل بديهي، رهن بالقدرات المالية التي يجب أن ترافقها حتى تتمكّن من تلبية الحاجات. وبالتالي، فإن توسيع دائرة صلاحيات السلطات المحلية قد يكون من دون جدوى، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يترافق هذا التوسيع مع موارد كافية، محلية كانت أم مركزية "محوّلة". حتى أن البعض يذهب إلى حد استبعاد أي إصلاح إذا هو لم يترافق مع "القدرة على التنفيذ المرتبط بالامكانيات البشرية والمادية للوحدات اللامركزية"[43].

ويُلاحَظ، في هذا السياق، أن "عدم الإفراج" عن الموارد لصالح السلطات المحلية اللامركزية، إنما عبّر على الدوام، ولا يزال يعبّر حتى اليوم في أكثر الأنظمة تقدّما، عن تجاذب واضح بين المركزي واللامركزي، في صراع غير معلن على السلطة. فالمال هو العصب الذي من دونه يستحيل التوظيف وتغيب المشاريع وتغدو الصلاحيات، على وسعها، مجرّدة من أية قدرة على تحويلها من نصّ جامد إلى واقع قائم. ولذا، يتبيّن من مراجعة نصوص تشريعية عديدة تقرّ اللامركزية، أن المشترع كان يحاول، في السواد الأعظم من الحالات، أن يستردّ بيد ما كان يعطيه بيد. وعلى الرغم من ذلك، نجحت السلطات اللامركزية، في بلدان عدة، في الانتقال من نسب متدنية من مجموع الإنفاق العام إلى نسب مقبولة، وإن غير كافية. هكذا، مثلا، ارتفعت نسبة الإنفاق بواسطة السلطات المحلية في 14 بلدا من بلدان أميركا اللاتينية، في عشر سنوات، من 15.6% عام 1985 إلى 19.3% عام 1995، في حين بلغت هذه النسبة 16% في المغرب، وهي لم تتجاوز 6% في لبنان[44]. أما في فرنسا، فكان الفارق في عشر سنوات أقل من نقطتين (51.8% عام 1989، بمقابل 53% عام 1998)[45]، بما يشير إلى استقرار بلغته فرنسا بعد أقل من سبع سنوات على اعتمادها اللامركزية الحديثة عام 1982، وهي، على الرغم من ذلك، أعادت النظر، ولا تزال، في أسس نظامها اللامركزي، ولاسيما فيما يتعلق بالشق المالي-الضريبي، تحديدا[46].

إنطلاقا من هذه الأرقام، يسأل الباحث عن جدوى اعتماد لامركزية مالية فعّالة، وعن المبرّرات والفوائد التي من شأنها أن تقنع السلطات المركزية بالتنازل، ليس فقط عن صلاحيات، وإنما أيضا وخصوصا عن موارد تدخل أصلا الخزينة المركزية وتغذّيها (المقطع الأول). وفي حال إقرار المبدأ، ثمة سؤال آخر يطرح ويتعلق بماهية التمويل وأولوياته وآلياته (المقطع الثاني) بالاستناد إلى تجارب عبر العالم.

المقطع الأول:

في الأسباب الموجبة للاّمركزية المالية

لقد ركّزت برامج الإصلاح (ولاسيما الاقتصادية منها) التي تناولت البلدان النامية في الثمانينات، على الدور المتصاعد للأسواق والبيئة التي تتفاعل ضمنها. وقد ترافقت هذه البرامج مع محاولات واسعة النطاق تهدف إلى إعادة تحديد دور القطاع العام في البلدان النامية وتطوير أدائه. وكانت اللامركزية في هذا السياق من أبرز العناصر التي بلورتها برامج الإصلاح. وباتت اللامركزية المالية، في التسعينات، وتبعا لذلك، من الاتجاهات الأكثر تعميما على صعيد التنمية[47].

 أما الأسباب الكامنة وراء هذا الاتجاه الإداري-المالي، فهي مجموعة من الاعتبارات، تختلف تبعا لاختلاف الشخص المعني بها وموقعه، ويمكن تلخيصها وفقا للآتي، بين اعتبارات مؤيّدة وأخرى رافضة:

الاعتبارات المؤيّدة:

الشخص/ المرجع

الملاحظات

الشعب وممثلوه المنتخبون

اللامركزية عموما تؤمن مشاركة مباشرة في السياسات الإنمائية و"المواطن المحلي" يشعر بارتياح أكبر تجاه السلطة المحلية التي هو على تماس معها.

المحاسبة والمساءلة أسهل على المستوى المحلّي منها على المستوى الوطني العام.

المطالب المحلية أقرب إلى التحقيق عندما توجّه إلى السلطة المحلية وآليات الضغط عليها أفعل.

البرلمان / السلطة الاشتراعية / المجالس التمثيلية على المستوى الوطني

اللامركزية مطلب "شعبي" يحلو التماهي معه.

تطبيق اللامركزية لا ينتقص من صلاحيات البرلمان والمجالس التمثيلية التي تقتصر اللامركزية بالنسبة لها على توزيع للأدوار (والأموال!) بين السلطة التنفيذية ذاتها.

اللامركزية قد تعطي الأقليات المحلية (سياسية أكانت أم إثنية أم دينية) فرصة للتعبير عن نفسها ضمن وحدة الدولة.

السلطات المحلية

 "أعطونا المال، وخذوا ما يدهشكم"، السلطات المحلية المنتخبة تريد أن تطوّر محيطها لتؤمن إعادة انتخابها ولتنفّذ برنامجها.

الهيئات المانحة (دول، منظمات...)

تفضّل أن تتعامل مع سلطة محلية مستقلة لأنها بذلك تضمن شفافية أكبر وتتجنب بيروقراطية الدولة المركزية، وتطال المستفيد النهائي مباشرة (end user)

الاعتبارات الرافضة:

الشخص/المرجع

الملاحظات

السلطة التنفيذية/ مجلس الوزراء/ الإدارات العامة المركزية

تخشى أن تفقد إمساكها بزمام الأمور، خصوصا عندما تفقد حصرية المال.

تعتبر أن سلطاتها اللاحصرية في المناطق بإمكانها أن تلبّي الاحتياجات.

تعتقد أن السلطات المحلية سوف تنفق أكثر من إمكانياتها على الإنفاق، مما سيضطرها إلى التدخل لتعويمها.

تخشى أن تتضاءل الثقة بها لصالح السلطات المحلية.

تفضّل أن توحّد بين أيديها المعايير والسياسات المالية والاستثمارية.

وزارة المال

تفضّل أن تتحكم بالأدوات الضريبية والمالية لإرساء سياسة الحكومة المالية واستقرارها

ولكن مهما يكن من تجاذب بين مؤيّد للاّمركزية المالية ومتحفّظ حيالها، فإن ثمة فوائد للامركزية المالية لا يمكن تجاهلها، ويمكن تلخيص أهمها بالآتي:

تؤمّن اللامركزية في حال اعتمادها توازنا ضروريا بين "الوطنيات" و"المحليات"، بحيث تستطيع السلطة المركزية أن تتفرّغ بفعالية أكبر للمسائل المرتبطة بسلطانها على المستوى الوطني، كالأمن والدفاع والسياسة الصحية والتربوية... في حين تأخذ السلطات المحلية على عاتقها الاعتناء بالمسائل التي تختلف من حيث الأولوية ومن حيث سبل المعالجة، بين منطقة وأخرى.

إن مسألة "الإنماء المتوازن"[48] تبقى مسألة إشكالية بامتياز، على الرغم من محاولات السلطات المركزية العدل بين "الرعية". والسبب في ذلك مردّه إلى عدم قدرة السلطة المركزية، حتى من خلال موظفيها وعملائها في المناطق، أن تقف على بيّنة من الحاجات الحقيقية ومقدارها، على خلاف السلطة المحلية التي تعرف تماما ماهية تلك الحاجات وما تتطلبه من أموال ومعالجات مختلفة.

إن ثقة "المواطن المحلّي" تجاه السطة المحلية هي أكبر من ثقته بالسلطة المركزية أو ممثليها في الأقاليم والمناطق، لأن المواطن يعتبر أن الأولى منتخبة منه أولا، وأنها أقرب إليه، ثانيا، وتسهل عليه مساءلتها، ثالثا، إما عبر الاستحقاق الانتخابي اللاحق وإما من خلال نزع الثقة عنها، في حال وجود الآلية، وإما من خلال الضغط الشعبي المباشر، علما بأن شفافية مالية السلطات المحلية هي أقرب إلى التحقيق، نظرا لحجمها المتواضع إجمالا ولصعوبة إخفاء معالمها وراء تدابير وإجراءات بيروقراطية تسهم في ضبابيتها.

وبمقابل هذه الحجج والفوائد، تحاول السلطة المركزية إجمالا الإمساك –بإحكام- بتمويل السلطات المحلية (وفقا لآليات سوف نستعرضها في المقطع الثاني، أدناه)، وهي تستند في ذلك إلى الذرائع الآتية:

تعتبر السلطة المركزية إجمالا أن السلطات المحلية غير قادرة بشريا وتقنيا على إدارة شؤونها المالية، مما يستدعي تدخلها لكون الأموال أمولا عامة، ولدرء خطر تخطّي السلطة المحلية الخط الأحمر للإنفاق، فتضطر للتدخل، مرغمة (؟!)، بهدف التعويم.

تعتبر السلطة المركزية أن "من واجبها" أن تنظّم حركة الأموال المحلية التي تتقاطع من حيث مصدرها بين عدة سلطات محلية، وأنها وحدها القادرة على توزيع "الثروات" بين المناطق، تأمينا للإنماء المتوازن.

غالبا ما تستفيد السلطة المركزية من مجموعة من "الخطوط الحمر" التشريعية والإدارية والإجرائية، كمبدأ وحدة الموازنة ومبدأ شرعية الضريبة، لتستغلّ غموض النص فتفرض قيودا على السلطة المحلية تحول دون تمتعها بالكامل بحرية التحرك لاستيفاء الضريب

المقطع الثاني:

في ماهية التمويل ومصادره وآلياته

لا شك أن مقدار التمويل المحلّي للسلطات اللامركزية يعبّر فعلا عن مدى استقلالية تلك السلطات، ويشكّل من هذه الزاوية عاملا مؤثرا في قياس درجة الاستقلال المعلن[49]. ولكنه ليس معيارا مطلقا ولا هو كاف. فماهية التمويل ترتبط -إذا صح التعبير- "بالمسار التاريخي" للاّمركزية في بلد معيّن، وترتبط بتراكم التجارب أو غيابها على الصعيد المحلي: فالتمويل في اللامركزية رهن بما هو قائم أصلا (أو غير قائم)، ويتأثر حكما بالواقع التشريعي والضريبي النافذ.

وبالتالي، فإن تمويل السلطات المحلية قد لا يكون محليا بالضرورة، كما أنه لا يجوز أن يكون وطنيا بحتا.

 فمن حيث المبدأ، لا تقوم سلطة لامركزية، تعريفا، إلاّ إذا توفّر لها شرطان على الأقل: 1/أن تكون منتخبة، و2/ أن تتمتع باستقلال إداري ومالي. وهذا الاستقلال، ولئن كان لا يعني بالضرورة موارد خاصة من مصادر ذاتية، إلاّ أنه يستوجب، لا محالة، وبالحد الأدنى، موازنة خاصة مستقلة، ولو اختلفت أيضا مصادر تغذيتها بين دولة وأخرى.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق، وقبل تفصيل مصادره، إلى أن التمويل المحلّي يقتصر على نوع محدد من الخدمات التي يغطيها، بحيث تحتفظ السلطة المركزية لنفسها بعدد من الأنشطة التي تديرها وتموّلها، بمشاركة خجولة من قبل السلطات المحلية. ويكفي مراجعة الأرقام التالية (العائدة لـ22 دولة متطورة نسبيا) للوقوف على بيّنة من ذلك:

الموضوع

الحكومة المركزية

السلطة المحلية

النفقات الحكومية العامة

70.6%

22.35%

الخدمات العامة

70.5%

23.5%

الدفاع

98.7%

0.9%

الأمن العام والحماية

62.5%

26.6%

التربية

43.8%

43%

الصحة

62.5%

28.3%

الضمان الاجتماعي

85.8%

10.3%

المصدر: إحصائيات صندوق النقد الدولي، 1997.

أما من حيث مصادر التمويل، ولأن الأخير يرتبط بتأمين العائدات الضرورية له، فثمة احتمالات ثلاثة:

الأول، أن يقتصر التمويل على المصادر الحكومية المركزية من مالية خزينة الدولة مباشرة، وهو أمر غير رائج في اللامركزية لأنه يضرب أساساتها ولأنه يجعل السلطة المحلية مجرّد سلطة لاحصرية.

أما الاحتمال الثاني، فيقضي بأن يقتصر التمويل على المصادر المحلية من جباية ضرائب ورسوم وعائدات من النطاق المحلّي حصرا. وهذا منحى إستقلالي لا يأتلف مع واقع الحال ومع ضرورة مساهمة السلطة المركزية في مالية المحلّي، خصوصا أن الأخير، أي المحلّي، يبقى مرتبطا من جهته ماليا وضرائبيا بالسلطة المركزية مهما بلغ به الاستقلال الإداري والمالي، أي حتى في حال قيام حالة من الفدرالية المالية، حيث تبقى المساهمات الإقليمية قائمة لصالح الخزينة الفدرالية.

يبقى الاحتمال الثالث الذي يقضي بأن يتكوّن التمويل اللامركزي من مزيج من العائدات المحلية، من جهة، وما يعرف بالتحويلات الحكومية، من جهة أخرى. وهو النظام الأكثر رواجا في الأنظمة التي اعتمدت اللامركزية المالية، وله تبريراته التي يمكن اختصارها بالآتي:

إن السلطات اللامركزية المحلية لا تستطيع أن تؤمّن مداخيل كافية إلاّ في حالات إستثنائية فعلا، كأن تكون مناطق صناعية بامتياز أو سياحية بامتياز أو لديها مردود خاص ناشئ عن وضع خاص.

إن مبدأ الإنماء المتوازن يقتضي بأن تساهم السلطة المركزية في "دعم" السلطات المحلية غير القادرة بمداخيلها الذاتية أن تضطلع بدورها وتؤمن الخدمات بحدها الأدنى، لتأمين التوازن بين المناطق تبعا للحاجات.

إن الإفراط في الاستقلال المالي يخيف السلطة المركزية التي ترغب إجمالا في المحافظة على قدر من التعاطي المالي مع السلطات المحلية، إما من خلال مساهمات معينة ("التحويلات") وإما من خلال سلطة الوصاية والرقابة، بما يتيح لها التدخل حيث تدعو الحاجة.

على المستوى العملي، يمكن تصنيف مصادر الواردات، منهجيا، كالآتي:

المصادر المحلية

تجدر الإشارة، بداية، إلى أن جميع الموارد، أكانت محلية صرفة أم مركزية محوّلة، تبقى ناشئة عن تفويض تشريعي واضح، عملا بمبدأ شرعية الضريبة. وبالتالي، فإن دور المشترع والسلطة التشريعية يبقى دورا أساسيا ناظما وضابطا للمبادئ الأساسية التي تضمن وحدة الدولة وتنظّم تفويض الصلاحيات. وهذه ضمانة أساسية للمواطن الذي لا يمكن أن تفرض عليه ضريبة أو رسم إلاّ بنص تشريعي.

وتلحظ التشريعات البلدية أو المناطقية إجمالا أبوابا خاصة بالواردات، أهمّها:

الرسوم التي تؤدّى لقاء خدمة تقدمها الإدارة للمكلّف

الضرائب المباشرة وغير المباشرة على أنواعها، وهي لا ترتبط بخدمة مقابلة

العائدات الناجمة عن إشغال الملك العام، مثلا، أو استغلال موقع عام

المساعدات والقروض (الوطنية والأجنبية)

الهبات والوصايا على أنواعها

الغرامات الناجمة عن مخالفة القوانين

ويجمع الباحثون على ضرورة أن تتمتع تلك الموارد المحلية بمواصفات تم اختصارها كالآتي[50]:

 من المفترض في الضرائب المحلية:

أن تكون ظاهرة ومعروفة من الناخبين وتغطيتها واسعة النطاق.

أن تكون ثابتة

ألاّ ترمي إلى العديد من الأهداف سوى زيادة المدخول

ألا توزّع على قواعد غير متساوية

وفي فرنسا، مثلا، يقوم نظام الواردات المحلية في شكل أساسي على ما يعرف بـ "العجائز الأربعة"[51]: الضريبة على الأملاك المبنية والضريبة على الأملاك غير المبنية، وضريبة السكن، والضريبة المهنية. ويشير تقرير مفصّل ومعمّق، اعتمدته الهيئة العامة لغرفة التجارة والصناعة في باريس عام 2003 على هامش قانون اللامركزية الإدارية الجديد، إلى انتقاد واسع للضرائب المحلية باعتبار أن أسسها قد تخطاها الزمن وباتت غير عادلة، ولأن آليتها غير واضحة للمكلف ولأن السلطات المحلية غير راضية، هي أيضا على ما يبدو، عن نتائجها[52].

التحويلات الحكومية

إن عدم كفاية الموارد الذاتية المحلية، بالإضافة إلى الاعتبارات التي سبق بيانها، تجعل التحويلات الحكومية العمود الفقري لاستمرار السلطات المحلية في أداء دورها، علما بأن هذه التحويلات تجد مبرراتها أيضا في أن تلك السلطات تشارك السلطة المركزية مسؤوليات عديدة تعود لها أصلا (كالدفاع والتكفّل الاجتماعي) وإنما يعبَّر عنها على الصعيد المحلي، مما يوجب على الأخيرة المساهمة.

وتظهر الأرقام أن نسبة التحويلات الحكومية لصالح السلطات المحلية تبلغ حوالي 38% في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) وتنخفض إلى ما دون 30% في جنوب ووسط أميركا. أما في الدول العربية، فتتفاوت بين 75%  في مصر و51% في المغرب وحوالي 27% في لبنان.

وتطرح مسألة التحويلات الحكومية مسألة الآلية، إذ إن دونها عقبات إجرائية تحول أحيانا دون بلوغها المستفيد النهائي. وقد اعتمدت الدول أنظمة متنوعة تتراوح بين التوزيع العشوائي للتحويلات دون معايير واضحة ومسبقة، وبين التوزيع الذي يعتمد مؤشّرات وقواعد محددة سلفا، مرورا بنظام يأخذ بمبدأ الأكلاف الفعلية فتسددها السلطة المركزية عن السلطة المحلية. ونعتقد أن نظام التوزيع الشفاف الذي يعتمد معايير واضحة موضوعة سلفا هو النظام الأقرب إلى اللامركزية الحقيقية.

لقد أخذ لبنان (كما المغرب، على سبيل المثال) بهذا النظام. وقد أقرّ قانون البلديات اللبناني تحويلات حكومية لصالح البلديات واتحادات البلديات، هي كناية عن رسوم وضرائب تقوم الدولة بجبايتها لصالح البلديات وتوزعها عليها في إطار ما يعرف بـ "الصندوق البلدي المستقل"، علما بأن البلديات –ولاسيما الصغرى منها- تعتمد إلى حد كبير على الأموال التي تحولها إليها الدولة[53].

تتكون واردات الصندوق المذكور (المعدّة للتوزيع على البلديات) من:

واردات تستوفيها الدولة لحساب جميع البلديات (العلاوة على ضريبة الأملاك المبنية، العلاوة على ضريبة الدخل، العلاوة على الرسوم الجمركية، العلاوة على رسم الانتقال، العلاوة على رسوم التسجيل العقارية، الرسم على الإعلانات...)

أردات تحصّلها المؤسسات العامة والخاصة لصالح الصندوق البلدي المستقل (الرسم على عقود التأمين، العلاوات على بدلات المياه والكهرباء والاتصالات...)

 

قبل توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل على البلديات، يصار في شكل أولي وبموجب القانون إلى اقتطاع مبالغ منه للدفاع المدني وللقرى والبلدات التي ليس فيها بلديات لإنعاشها، ولتعويضات ونفقات مختلفة نصّ عليها القانون.

أما التوزيع، فيخضع للأسس التالية:

تقسم كتلة المبالغ في الصندوق بعد الاقتطاع إلى قسمين:

25% من المبالغ على الأكثر، يوزّع على اتحادات البلديات

75% من المبالغ على الأقل، يوزع على البلديات

تقسم حصة البلديات بدورها إلى قسمين:

70% يخصص لدعم موازنة البلديات، ويوزع بدوره بنسبة 60% منه نسبيا بين البلديات على أساس عدد السكان المقيدين في سجلات الأحوال الشخصية، فيما يوزع الـ40% الباقي نسبيا بين البلديات على أساس الحاصل الفعلي لرسومها المباشرة خلال السنتين الأخيرتين (قطع الحساب).

30% يخصص لمشاريع التنمية في البلديات ولإنعاش المناطق ولاسيما الريفية منها.

وعلى الرغم من الوضوح الظاهري في الآلية، إلا أن توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل قد شكّل، في الواقع والممارسة، مادة دسمة للانتقاد وتميّز بشفافية مشكوك فيها ولم يؤدِّ، في النتيجة، إلى ما كان مرجوا من خلال إنشائه[54].

خلاصة القول، إن نجاح اللامركزية في ما رسم لها من أهداف يبقى مشروطا بمدى تزويد آلياتها التطبيقية "بالفيول" الذي يسمح لها بالتقدم. فالتمويل في اللامركزية هو كالوقود للمحرّك، والأخير يستهلك منه بقدر ما يعمل وبحسب حجمه وقوته. لكنه قد يذهب بركاب الآلية إلى مطارح كثيرة، متفاوتة الاتجاهات. وفي الطرقات التي يسلكها، يبقى الوقود وكمية استهلاكه مجرّد تفصيل إذا ما أضاع السائق وجهته. فبقدر ما أن تشغيل المحرك أساسي، فإن تحديد وجهة المركبة يبقى الأساس. وهكذا الحال في السلطات اللامركزية التي دون تمويلها شروط ترتبط بآليات الرقابة والمحاسبة والمساءلة والشفافية، من أجل سلامة الركاب وجودة الرحلة...

أبرز المراجع:

بالعربية:

قباني، خالد، اللامركزية الإدارية ومسألة تطبيقها في لبنان، منشورات بحر المتوسط ومنشورات عويدات، الطبعة الأولى، 1981.

سالم، بول وآخرون (عمل جماعي)، الللامركزيّة الإدارية في لبنان- الإشكالية و التطبيق، منشورات المركز اللبناني للدراسات، الطبعة الأولى، 1996.

أبي صعب، فارس وآخرون (عمل جماعي)، الإنتخابات البلدية في لبنان 1998- مخاض الديقراطية في بنى المجتمعات المحليّة، منشورات المركز اللبناني للدراسات، الطبعة الأولى، 1999.

نصر، سليم وآخرون (عمل جماعي)، تحدّيات اللامركزية والحكم المحلّي في العالم العربي، منشورات المركز اللبناني للدراسات، الطبعة الأولى، 2005.

سالم، إيلي وآخرون (عمل جماعي)، وثيقة الوفاق الوطني – مراجعة نقديّة وطنيّة، منشورات المركز اللبناني للدراسات، الطبعة الأولى، 2000.

اللامركزية الإدارية والتنمية المحلية - سلسلة نقاش في أربعة محاور تشرين الأول  تشرين الثاني 2003، UNDP، (ملخص تنفيذي لزيـاد بـارود).

نصر، سليم وآخرون (عمل جماعي)، العمل البلدي في لبنان - دراسة ميدانية وتقييم للتجربة، منشورات المركز اللبناني للدراسات، الطبعة الأولى، 2002.

الحجّار، حلمي، السلطة في الدستور اللبناني من الجمهورية الأولى إلى الجمهورية الثالثة (الجزء الأول - المشاركة في السلطة)، منشورات مؤسسة عبد الحفيظ البساط لتجليد وتصنيع الكتاب، الطبعة الأولى،  2004.

الجمهورية اليمنية - وزارة الإدارة المحلية، قانون السلطة المحلية ولائحته التنفيذية، منشورات وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، الطبعة الثانية، 2001.

الشامي، علي، التقسيمات الإدارية والإنتخابية النموذج الأفضل للبنان، منشورات شركة رشاد برس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،  2005.

أنطوان، رندة، وآخرون (عمل جماعي)، واقع البلديات في لبنان وعوائق المشاركة المحلية والتنمية المتوازنة، منشورات المركز اللبناني للدراسات، الطبعة الأولى، 1998.

الصاوى، علي، اللامركزية في إطار الديقراطية ملاحظات في النظم المحلية المعاصرة، 2002.

مسرّه، أنطوان، النظرية العامة في النظام الدستوري اللبناني أبحاث مقارنة في أنظمة المشاركة، منشورات المكتبة الشرقية، 2005.

الخطيب، أنور، الدولة والنظم السياسية، 1970.

رباط، إدمون، الوسيط في القانون الدستوري اللبناني، 1970.

بيلاني، بشير، الإدارة البلدية، ندوة المشكلات البلدية في لبنان،  1973.

حموية، فاضل، تنظيم الإدارة المحلية في لبنان - سلسلة دراسات وأبحاث المركز الوطني للتطوير البلدي، 1974.

عمل جماعي، تحدّيات اللامركزية والحكم المحلّي في العالم العربي، المركز اللبناني للدراسات، 2005.

عمل مشترك، وثيقة الوفاق الوطني، مراجعة نقدية وطنية، المركز اللبناني للدراسات، 2000.

 وبالفرنسية:

• Aubin Emannuel et Roche Catherine, Droit de la nouvelle décentralisation, Gualino éditeur, 2005.

• Auby Jean-Bernard, La décentralisation et le droit, LGDJ, 2006.

• Baguenard Jacques, La décentralisation, PUF, 1980.

 • Chaoul Joseph, Pouvoir Municipal et Pouvoir de Tutelle en Droit Libanais, thèse, 1965.

• Delbo Robert, La décentralisation depuis 1945, LGDJ, 2005.

• De Malberg Carré, Contribution à la théorie générale de l’Etat, 1920.

• De Tocqueville Alexis, La Démocratie en Amérique – Œuvres complètes.

• Mallat Hyam, L’Aménagement du territoire et de l’environnement au Liban, thèse, 1974.

• Rabbath Edmond, La décentralisation en question, L’Orient–Le Jour, 3 avril 1977.

 

 

 

• Rabbath Edmond, la formation historique du Liban Politique et Constitutionnel – Essai de synthèse, 1973.

• Turpin Dominique, Droit de la décentralisation, Gualino éditeur, 1998.

 [1]  أقرّ في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989 وأدخلت بعض مقرراته في الدستور بموجب القانون الدستوري الصادر في 20 أيلول/ سبتمبر 1990. لكنّ الفقرة المتعلّقة باللامركزية الإدارية التي وردت في اتفاق الطائف لم تدرج من ضمن التعديلات الدستورية، فبقيت من قبيل "الإصلاحات الأخرى" التي جاءت بها وثيقة الوفاق الوطني، تلك الوثيقة التي اعتبرت محكمة التمييز اللبنانية أن لها قيمة دستورية.

 [2]  د. خالد قبّاني، مؤشّرات ودرجة المركزية واللامركزية، منشور في: اللامركزية الإدارية في لبنان: الإشكالية والتطبيق، المركز اللبناني للدراسات، الطبعة الأولى، 1996، ص 125.

 [3]  على ما ورد في المادة الرابعة من الميثاق الأوروبي للحكم الذاتي المحلّي الذي اعتمده المجلس الأوروبي عام 1985.

 [4]  يُذكر، مثلا، أن اعتراضا قاسيا قام في مجلس النواب لدى مناقشة مشروع قانون اللامركزية الذي أعدّته حكومة الرئيس سليم الحص عام 1999، على خلفية ما ورد في أسبابه الموجبة لجهة "الاعتراف بالمصالح الخاصة لجماعات محلية".

 [5]  أنظر، في هذا السياق، مداخلة د. فريد الخازن في ورش عمل مجلس النواب (تشرين الأول- تشرين الثاني 2003) حول "اللامركزية الإدارية والتنمية المحلية"، منشورات مجلس النواب وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ص 39.

 [6]  د. سليم نصر، اللامركزية الإدارية والتنمية المحلية، منشورات مجلس النواب وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2003، ص 163.

 [7]  علما بأن طرحَي كل من الحركة الوطنية في الستينات والقوات اللبنانية في الثمانينات جديران بالذكر.

 [8] "اللاحصرية ما هي سوى ترتيب للمركزية حيث كل شيء يستمر في الإنطلاق من المركز والعودة إليه، وإنما بطريقة مختلفة" (د. جوزف شاوول، السلطة البلدية وسلطة الوصاية في القانون اللبناني، أطروحة، بيروت، 1965، ص 17).

 [9]  يراجع حول الموضوع: زياد بارود، ملاحظات موجزة حول إقتراح إنشاء المحافظات، "النهار" – 1/7/2003.

 [10] مع الإشارة إلى وجود "مجلس للمحافظة" ملحق بالمحافظ ولكن دون أي دور تقريري أو تنفيذي بل استشاري شكلي.

 [11] تراجع المادتان 9 و10 من المرسوم الاشتراعي 116/1959.

 [12] يراجع: فاضل حموية، تنظيم الإدارة المحلية في لبنان، سلسلة دراسات وأبحاث المركز الوطني للتطوير البلدي، المكتبة البلدية، بيروت، 1974، ص12.

 [13] باستثناء حالات اللامركزية المرفقية، طبعاً.

 [14] يراجع: جوزف شاوول، المرجع السابق، ص 28.

 [15] قوانين البلديات التي تعاقبت: قانون 27/11/1947، المرسوم الاشتراعي رقم 5 تاريخ 10/12/1954 المعدّل بالمرسوم الاشتراعي رقم 21 تاريخ 15/1/1955، القانون رقم 29 تاريخ 29/5/1963، والمرسوم الاشتراعي رقم 118 تاريخ 30/6/1977 المعدّل بالقانون رقم 665 تاريخ 29/12/1997.

 [16] للتذكير: أجريت الانتخابات البلدية في أيار 1998 لأول مرّة بعد تعطيل الديموقراطية المحلية على مدى أكثر من ثلاثة عقود منذ انتخابات 1963. علماً أنه بموجب قانون 1963، كانت ولاية المجالس البلدية 4 سنوات، وكان من المفترض، تالياً، أن تجري الانتخابات البلدية عام 1967، ولكنها بقيت تؤجّل بموجب قوانين تمديد في مجلس النواب حتى 1997، حيث أدّى الطعن بقانون التمديد إلى إبطاله بقرارٍ من المجلس الدستوري (قرار رقم2، تاريخ 12/9/1997، الجريدة الرسمية، العدد 44، ص 3202 وما يليها).

 

 

 

[17] المرسوم الاشتراعي رقم 5 تاريخ 10/12/1954، وتحديداً المواد 65 وما يليها منه.

 [18] د. جوزف شاوول، المرجع السابق، ص 34.

 [19] حول هذا الموضوع، أنظر: زياد بارود، البلديات ومؤسسات المجتمع المدني: إمكانات التعاون والتكامل، في: العمل البلدي في لبنان (عمل مشترك)، المركز اللبناني للدراسات، 2002، ص117.

 [20] باستثناء بلدية بيروت التي تخضع فقط لرقابة الوزير.

 [21] تكرّرت الشكوى من الرقابة الإدارية المبالغ فيها لدى جميع البلديات التي جرى مقابلة رؤسائها لأغراض هذه الدراسة.

 [22] منشور في جريدة النهار، 1/11/2001، ص15.

 [23] القانون الصادر في 25/4/1999، الجريدة الرسمية، العدد 28، ص 1702.

 [24] جمعت هذه المعلومات من خلال مقابلات مع رؤساء أو أعضاء مجالس بلديات: طرابلس، البترون، جعيتا، والغبيري.

 [25] في منتصف الستينات، قامت مصلحة الأنشطة الإقليمية في وزارة التصميم بدراسة تناولت 570 بلدية، وقد بيّنت أن نحو 90% من البلديات ليس لديها دوائر إدارية بالمعنى الصحيح، وأن 93 بلدية ليس لديها موظفون على الإطلاق. كما أظهرت الدراسة أنه من أصل 2800 موظفاً تناولتهم الدراسة هناك 2018 موظفاً في المستوى الابتدائي.

 [26] قد يكون مركز التدريب البلدي المزمع إنشاؤه وسيلة فعّالة لإعداد الموظفين البلديين وتطوير أدائهم.

 [27] يراجع بشأنها بشكلٍ خاص: القانون رقم 60/88 تاريخ 12/8/1988.

 [28] العميد سمير شعراني (رئيس بلدية طرابلس)، مالية البلديات، في: البلديات والإدارة المحلية، Cermoc.

 [29] حول هذا الموضوع، يقول رئيس الحكومة السابق د. سليم الحص: "إن ما يؤخّر تطبيق مشروع اللامركزية الإدارية إلى اليوم هو التقسيم الإداري نظرا لصعوبة تقسيم المناطق في الفترة الحالية، لأن ذلك سينعكس مستقبلياً على القانون الانتخابي النيابي(…)". (جريدة الديار، 30/10/1998، ص5).

 [30] د. عصام سليمان، هل يبدأ الإصلاح من السلطة المركزية أم من المجالس المحلية، في: اللامركزية الإدارية في لبنان: الإشكالية والتطبيق، (إشراف د.بول سالم)، المركز اللبناني للدراسات، 1996، ص228.

 [31] نشر مشروع القانون في جريدة النهار في عددها الصادر في 1/11/2001، ص15.

 [32] جريدة النهار، 30/7/2002، ص 19.

 [33] وتنسحب نتائج إلغاء درجة من درجات التسلسل الإداري على البلديات والرقابة البيروقراطية التي تعاني منها.

 [34] حول هذا الموضوع، أنظر: زياد بارود، بين الأصل والتعديل، المسترئسون ينتخبون من بينهم رئيساً، في: مخاض الديمقراطية في بنى المجتمعات المحلية، المركز اللبناني للدراسات، 1999، ص 559.

 [35] « Dans la décentralisation, le pouvoir de nomination est une anomalie » (CHAOUL Joseph, Pouvoir municipal et pouvoir de tutelle en droit libanais, USJ, Beyrouth, 1965, p.18)

 [36] وبالفعل، فإن أعضاء المجلس ينتخبون من قبل هيئة ناخبة مشكّلة من رؤساء البلديات مثلا الذين ينتخبهم أعضاء المجلس البلدي، الذين ينتخبون بالاقتراع المباشر. وبالتالي، فإن اختيار العضو في مجلس المنطقة أصبح يتم على ثلاث درجات من الاقتراع، مما يضعف صفته التمثيلية، ولا يؤدّي فعليا إلى مشاركة محلية حقيقية ومعبّرة.

 [37] د. فاديا كيوان، اللامركزية الإدارية ودورها في تعزيز الديمقراطية والتنمية، في: وثيقة الوفاق الوطني، مراجعة نقدية وطنية، المركز اللبناني للدراسات، 2000، ص 172.

38 بمساهمة تقنية وعلمية من مشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مجلس النواب.

 [39]  بحسب المرسوم الاشتراعي رقم 116/1959

 [40]  مع الإشارة إلى أن قانون البلديات كان يلحظ انتخاب رئيس البلدية بالاقتراع المباشر، مما يعطي صفة تمثيلية أكبر لمجلس الاتحاد. ويبدو أن مشروع قانون البلديات الجديد يعود إلى نظام الاقتراع المباشر بعدما كان تعدّل عام 1997. يراجع حول الموضوع: زياد بارود، إنتخاب الرئيس مباشرة ...إلى ساحة النجمة، "النهار"، 5/11/2001.

 [41]  بهذا المعنى، لاحظ رئيس الحكومة الدكتور سليم الحص، عام 1998، "أن ما يؤخر تطبيق مشروع اللامركزية الإدارية إلى اليوم هو التقسيم الإداري نظرا لصعوبة تقسيم المناطق في الفترة الحالية لأن ذلك سينعكس مستقبليا على القانون الانتخابي" (جريدة الديار، عدد 30/10/1998، ص5).

[42]  OECD/DAC Expert Group on Aid Evaluation of Programs, Synthesis Report, 1997

 [43]  د. سليم نصر، اللامركزية الإدارية والتنمية المحلية، منشورات مجلس النواب اللبناني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2003، ص163.

 [44]  سامي عطالله، اللامركزية المالية في العالم العربي، منتدى الدول العربية للحكم المحلي، صنعاء، 2003، ص7.

 [45]  Jacques Baguenard, La decentralisation, PUF, 7e edition, 2004, p.63

 [46]  لقد عرفت فرنسا ورشة تعديلية واسعة في ما يتعلّق باللامركزية الإدارية المعتمدة منذ 1982، هذه أهمّ تعابيرها: القانون الدستوري الصادر في 28/3/2003، وقوانين: 1/8/2003 و29/7/2004 و13/8/2004.

 [47]  Paul Smoke, Fiscal Decentralization in Developing Countries: A Review of Current Concepts and Practice, UNRISD, 2001.

 [48]  ورد هذا التعبير في وثيقة الوفاق الوطني في لبنان (المعروفة باتفاق الطائف) تحت باب اللامركزية الإدارية، في الفصل المتعلق بالاصلاحات. وهو ذات مدلول سياسي أيضا، حيث شكّل مادة مطلبية لعقود في السابق، كما شكّل أيضا في لبنان محورا أساسيا في تقرير بعثة "إرفد" التي تولّت في بداية الستينات، وبتكليف من الحكومة اللبنانية، النظر في أولويات الإصلاح في لبنان وحاجاته.

 [49]  Marie-Jose Tulard, l’autonomie financiere des collectivites locales, in: Regards sur l’Actualite, n.286, p.41

 [50]  المصدر: Sami Atalla, How Well is Lebanon Fiscally Decentralized? MDF4, Amman, 2002, p.10

 [51]  Les quatre vieilles

 [52]  Quelle Fiscalite Locale pour la Nouvelle Decentralisation? Rapport adopte par l’Assemblee generale de la CCI de Paris le 10 avril 2003

[53]  يراجع: د.خالد قبّاني، اللامركزية الإدارية في لبنان، ص 105

 [54]  يعتمد النظام الفرنسي آلية شبيهة تعرف بـ potentiel fiscal، وهو موضع انتقاد أيضا، على ما جاء في تقرير "مجلس  الضرائب" لعام 1989.

 

الكاتب: 
زياد بارود
التاريخ: 
الاثنين, نوفمبر 26, 2007
ملخص: 
إن ما ورد ضمن هذه الفقرة من اتفاق الطائف يشكّل، في الواقع، مزيجاً من اللاحصرية واللامركزية الموسّعتين. وثمّة خلط كبير وواضح (حتى في مشاريع القوانين المتداولة، كما سنرى) بين هذين المفهومين، ممّا يستدعي التوقّف، ولو بشكل موجز، عند الفوارق الأساسية بينهما (ا