عصام نعمان لـ «النهار»: «الطائف» لا يحتاج إلى ترميم بل إلى تنفيذ
في الذكرى العشرين لتوقيع اتفاق «الطائف» عام 1989 في المملكة العربية السعودية، الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان، أكد النائب اللبناني السابق الخبير الدستوري الدكتور عصام نعمان أن «الطائف» لا يحتاج، بصورة عامة، الى «ترميم» بل الى «تنفيذ»، ولا حاجة أيضاً الى صوغ اتفاق آخر يكون وسطياً بين اتفاقي «الطائف» والدوحة لأن الأخير جرى تنفيذ بنوده الثلاثة (انتخاب رئيس للجمهورية، تشكيل حكومة وحدة وطنية، وضع قانون للانتخابات).
وقال نعمان في حديث خاص لـ «النهار» ان «الشبكة» الحاكمة، وقادة الأجهزة الأمنية يتحملون مسؤولية عدم تنفيذ بعض بنود اتفاق «الطائف»، بل واساءة تطبيق بعضها الآخر، ذلك أن لا مصلحة لأركان هذه الشبكة الحاكمة في تطبيقه بما يؤدي الى بناء دولة مدنية ديموقراطية في لبنان، مؤكدا ان الشبكة الحاكمة تريد أن يبقى لبنان كما هو، مجرد نظام لا دولة أي آلية لتقاسم السلطة والمصالح والنفوذ والمغانم.
وأشار نعمان الى أن السوريين ليسوا مسؤولين عن تطبيق اتفاق «الطائف» انما اللبنانيون، غير أن بعض ضباط الاستخبارات السورية العاملين في لبنان أساؤوا الى تطبيقه بمشاركتهم بعض الساسة اللبنانيين أعمال الفساد والافساد، واضاف أن «الطائف» أحيا الوجود السوري في لبنان، ومدَ المقاومة بأسباب القوة، لكنه لم يؤدِ الى تجديد النظام، لماذا؟ لأن سورية أخفقت في دعم تنفيذ اتفاق «الطائف» لا سيما البنود المتعلقة بالاصلاحات السياسية، واعادة نشر القوات السورية في منطقتي البقاع الغربي والأوسط.
وختم نعمان حديثه بالتأكيد أن الظروف دائماً متغيرة، خصوصاً في المجتمعات ذات الطابع التعددي كلبنان، لذلك لا يمكن القول أن ظروف اتفاق «الطائف» ما زالت قائمة بعد 20 عاماً على اقراره، غير أن تغير الظروف لا يعني بالضرورة زوال العوامل، والمشاكل التي تسببت في اندلاع الاضطرابات الأمنية، والصراعات السياسية التي أدت الى اقرار الاتفاق، مضيفاً، في هذا الخصوص، أن الطائفية والمذهبية والخطر الصهيوني والتدخلات الخارجية والصراع المرير على السلطة ما زالت قائمة وناشطة، وهي تستدعي معالجة جذرية، ومواجهة حاسمة قد لا تفي بنود «الطائف» وآلياته كل متطلباتهما الأساسية... وفي ما يلي نص الحوار:
بعد مضي 20 عاماً على اتفاق « الطائف» الذي أنهى الحرب الاهلية، الى أي مدى يمكن القول ان هذا الاتفاق كان «حبل الخلاص» بالنسبة للبنانيين؟
نعم، كان اتفاق الطائف، في حينه، «حبل الخلاص» للبنانيين من الناحية الأمنية. فقد عانى اللبنانيون كثيرا الى جانب الحرب الاسرائيلية العدوانية الاولى على لبنان عام 1982، من حرب أهلية سبقت الاجتياح وأعقبته، ولعل اعنف جولاتها واكثرها ضرراً القتال الذي نشب بين ميليشيا «القوات اللبنانية» بقيادة سمير جعجع والجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون الذي كان قد عُيّن، بمرسوم أصدره رئيس الجمهورية أمين الجميل قبل ساعة واحدة من انتهاء ولايته عام 1988، رئيساً لحكومة انتقالية سداسية من كبار الضباط. صحيح أن الوزراء المسلمين الثلاثة استقالوا فور اعلان مرسوم تأليف الحكومة، الأمر الذي عزز شرعية حكومة الرئيس سليم الحص، الذي بقي متمتعاً باعتراف غالبية دول العالم، لكن مجرد تعيين قائد الجيش رئيساً للحكومة حسم الصراع داخل الصف المسيحي لمصلحة السلطة الشرعية، وأسهم لاحقاً في اطفاء نيران الحرب الأهلية والاضطرابات الأمنية. أما على الصعيد السياسي، فقد استمر الصراع متأججاً، وكان على اللبنانيين ان ينتظروا نحو ثلاث سنوات، عقب اعلان اتفاق الطائف، وانتخاب الياس الهراوي رئيساً للجمهورية عام 1989، ليشاركوا في اول انتخابات نيابية بعد عشرين سنة من الاضطرابات الأمنية والحروب الاهلية والصراعات السياسية.
هل تعتقد ان 20 عاما كانت كافية لاختبار صيغة اتفاق الطائف ومدى ملاءمتها للتوازنات الداخلية والخارجية؟
لبنان «مختبر سياسي دائم» يجري فيه اختبار مختلف الصيغ والمخططات والسياسات، غير ان عمليات الاختبار لا تنتهي، غالباً، الى نهايات حاسمة، ذلك ان تعددية المجتمع السياسي اللبناني من جهة، والتدخلات الخارجية من جهة اخرى، تُبقي الصراعات، وبالتالي الاختبارات الجارية فيه مفتوحة، وقابلة للتجدد وعصيّة على الحسم.فالعوامل والأسباب التي فجرت الصراعات السياسية قبل اتفاق الطائف والتدخلات الخارجية التي رافقتها ظلت قائمة وناشطة ولم يحسمها اعلان اتفاق الطائف ولا مباشرة تطبيقه الجزئي لاحقاً. باختصار، لبنان مختبر سياسي دائم لتفاعلات سياسية واجتماعية وثقافية متعددة ومتجددة، وهو بالتالي في بحث دائم عن توازنات سياسية واجتماعية متشعبة لدعم استقراره الهش.
هل الظروف التي واكبت اقرار اتفاق الطائف ما زالت هي نفسها بحيث تساعد على تنفيذه في الوقت الحاضر؟
الظروف دائما متغيرة، خصوصاً في المجتمعات ذات الطابع التعددي كلبنان، لذلك لا يمكن القول ان ظروف اتفاق الطائف عام 1989 ما زالت قائمة بعد 20 عاماً على اقراره، غير ان تغيّر الظروف لا يعني بالضرورة زوال العوامل والمشاكل التي تسببت في اندلاع الاضطرابات الأمنية، والصراعات السياسية التي ادت الى اقرار اتفاق الطائف. الطائفية والمذهبية والخطر الصهيوني والتدخلات الخارجية والصراع المرير على السلطة والفساد ما زالت قائمة وناشطة، وهي تستدعي معالجة جذرية، ومواجهة حاسمة قد لا تفي بنود اتفاق الطائف وآلياته كل متطلباتهما الاساسية.
ما البنود التي طبقت من اتفاق الطائف والبنود التي لم تطبق؟ واين العدالة الشاملة والانماء المتوازن والغاء الطائفية ومجلس الشيوخ...؟
يتألف اتفـاق الطائف من مبادىء عامة، واصلاحات سياسية وادارية، وقضائية وتربوية، وتدابير أمنية، ومقاربة قومية للعلاقات اللبنانية السورية. يمكن القول ان الجوانب الأمنية فيه قد جرى تطبيق معظمها فيما ظلّت الجوانب السياسية، ولاسيما الاصلاحات الاساسية، غير مطبقة. على صعيد الأحكام الأساسية، ظلّت مبادىء «الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها»، و«الانماء المتوازن للمناطق»، و«العدالة الاجتماعية الشاملة «، و«لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك» غير محترمة، وغير مطبقة. على صعيد السلطة التشريعية، جرى تجاهل المبدأ الاصلاحي القاضي بانتخاب مجلــس نواب على اساس وطني لاطائفي على ان يستحدث بالتزامن معه مجلس للشيوخ تتمثل فيه الطوائف، وتنحصر صلاحياته بالقضايا المصيرية. كما جرى تجاهل المبدأ الاصلاحي الداعي الى سن قانون انتخاب جديد «يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك، وتؤمّن صحة التمثيل الشعبي لشتى فئات الشعب واجياله». على صعيد السلطة التنفيذية، جرى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، واناطـة بعضها بمجلس الوزراء على نحو بات الوزير معها أقوى من رئيس الجمهورية من حيث حقه في التصويت وامتناع ذلك عن الرئيس، وحقه في عدم التقيد بمهلة محددة لتوقيع المراسيم التي يقرّها مجلس الوزراء، في حين يكون الرئيس ملزماً بتوقيعها خلال مهلة محددة تحت طائلة اعتبارها نافذة بعد انقضاء المهلة! على صعيد السلطة القضائية، جرى تجاهل البند الداعي الى تدعيم استقلال القضاء عن طريق انتخاب عدد معين من اعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل الجسم القضائي. على صعيد الاصلاح الاداري، كما جرى تجاهل البند الداعي الى اعتماد اللامركزية الادارية الموسعة على مستوى الوحدات الادارية الصغرى (القضاء وما دون) وذلك بانتخاب مجلس لكل قضاء تأميناً للمشاركة المحلية.
على صعيد الغاء الطائفية السياسية، جرى تجاهل البند الداعي الى قيام مجلس النواب بتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، مهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وفق خطة مرحلية.على صعيد التربية والتعليم، جرى تجاهل البند المتعلق بجعل التعليم الزاميا في المرحلة الابتدائية، كما جرى اغفال البند المتعلق باعادة النظر في المناهج وتطويرها بما يعزز الانتماء والانصهار الوطنيين، وتوحيد الكتاب في مادتي التاريخ والتربية الوطنية.
في المقابل، جرى التركيز على تنفيذ البنود الأمنية، لاسيما المتعلق منها ببسط سلطة الدولـة على كامل الاراضي اللبنانية، وتوفير الأمن والسلامة العامة للمواطنين والمجتمع. غير ان تثبيت الأمن والاستقرار رافقهُ توسيع لمهام أجهزة الاستخبارات التي مارس قادتها وضباطها، اللبنانيون والسوريون، ضغوطاً وتدخلات عطلت الحريات العامة، وأسهمت في استشراء الفساد في الادارات العامة، كما في القطاع الخاص.
من برأيك يتحمل المسؤولية عن البنود التي لم تطبق؟
تتحمل الشبكة الحاكمة القابضة التي يتوزع أفرادها في طوائف، ورجال اعمال واموال، وآمرو الأجهزة الأمنية مسؤولية عدم تنفيذ بعض بنود اتفاق الطائف، بل واساءة تطبيق بعضها الآخر. ذلك ان لا مصلحة لاركان هذه الشبكة الحاكمة في تطبيقه بما يؤدي الى بناء دولة مدنية ديموقراطية في لبنان، تدريجياً وعلى مـراحل.. الحقيقة أن الشبكة الحاكمة تريد للبنان أن يبقى كما هو : مجرد نظام، لا دولة، أي آلية او «ميكانيزم» لتقاسم السلطة، والمصالح، والنفوذ والمغانم بين اركان الشبكة نفسها. وما كان اركان الشبكة الحاكمة لينجحوا في تعطيل اتفاق الطائف لولا المساعدة التي حصلوا عليها من بعض ضباط الاستخبارات السورية العاملين في لبنان الذين شاركوهم، بقليل او كثير، فسادهم وافسادهم وتسلطهم على مرافق البلد وموارده.
هل يمكن ترميم اتفاق الطائف؟ ام ان الاجدى صوغ اتفاق آخر يكون وسطياً بين اتفاق الطائف واتفاق الدوحة؟
لا يحتاج اتفاق الطائف، بصورة عامة، الى ترميم بل الى تنفيذ، بمعنى تنفيذ بنوده الاصلاحية الاساسية التي لم تنفذ لغاية الوقت الحاضر، لذلك لا حاجة ايضا الى صوغ اتفاق آخر يكون وسطياً بين اتفاقي الطائف والدوحة لأن الأخير جرى تنفيذ بنوده الثلاثة : انتخاب رئيس للجمهورية، تشكيل حكومة وحدة وطنية، ووضع قانون للانتخابات واجراؤها في موعدها. صحيح ان قانون الانتخاب، الذي جرى وضعه، اثبت فشله، لكن وضع قانون جديد على اساس التمثيل النسبي لا يستلزم وضع اتفاق اضافي لأن اتفاق الطائف ينص على وضع قانون انتخاب جديد لتمثيل جميع فئات الشعب واجياله ولتأمين صحة التمثيل الشعبي وعدالته.
هل لسورية دور في عدم تطبيق اتفاق الطائف؟
السوريون ليسوا مسؤولين عن تطبيق اتفاق الطائف انما اللبنانيون هم المسؤولون عن تطبيقه او بالأحرى عن عدم تطبيقه. غير ان بعض ضباط الاستخبارات السورية العاملين في لبنان اساؤوا تطبيق الطائف بمشاركتهم بعض الساسة اللبنانيين اعمال الفساد والافساد.الواقـع ان اتفاق الطائف أحيا الوجود السوري في لبنـان ومدَّ المقاومة التي أصبحت معقودة اللواء لـ»حزب الله»، بأسباب القوة والمبادرة، لكنه لم يؤدِ الى تجديد النظام. لماذا؟ لأن سورية، بحسب مراجعـة نقدية لافتة للرئيس بشار الأسد، أخفقت في دعم تنفيذ اتفاق الطائف، لاسيما البنود المتعلقة بالاصلاحات السياسية، وباعادة نشر القوات السورية في منطقة البقـاع الغربي والأوسط. ففـي السنوات العشر التي أعقبت اتفاق الطائف شهد لبنان حال ازدواجية لافتة : تآكل تدريجي في بنية النظام نتيجة استشراء الفساد والطائفية والتبعية، وصعود مضطرد في قدرات المقاومة أدى الى اكراه اسرائيل على سحب قواتها المرهَقة والمحبطة من معظم جنوب لبنان في 2000/5/25. غير ان انتصار المقاومة لم يرق لاسرائيل ولا لدول الغرب الأطلسي، لذلك سارعت الى وضع مخطط متكامل لمنع المقاومة والقوى المتحالفة معها من ترجمة انتصارها الميداني الـى دور سياسي اكبر حجما، واكثر فعاليـة. في هذ السياق، قامت اسرائيل، بضوء اخضر اميركي، بشن الحرب على المقاومة ولبنان صيفَ عام 2006، لكن حربها العدوانية أخفقت في تحقيق اغراضها، ومع ذلك ما زال لبنان يدفع اثمانا سياسية لتلك الحرب التي تخطـط اسرائيل لشنها مجدداً في محاولة لتدمير المقاومة وتغيير موازين القوى الداخلية في لبنان، ولكن هيهات.
