جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور“ اللقاء الاول
أطلق ملتقى التأثير المدني اليوم اللقاء الأول من مسار “الحوارات الصباحية” الشهرية قبل ظهر اليوم في فندق الجفينور – روتانا الحمرا في حضور نخبة من أركان القانون والدستور والثقافة والفكر والإعلام، وفاعليّاتٍ أكاديميّة، وناشطاتٍ وناشطين في المجتمع المدني.
اللّقاء الاول أتى تحت عنوان “جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور” بهدف الإضاءة على التطورات المستجدة على الساحة اللبنانية في هذه المرحلة بالذات، ولا سيما تلك المتصلة بالاستحقاقات الدستورية والسياسية التي تفرض إعادة الاعتبار للدستور نصًّا وروحا من أجل بناء دولة المواطنة الحرة والسيدة والعادلة والمستقلّة. في بداية اللقاء الذي نقل مباشرة على منصّات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصّ بالملتقى، كان النشيد الوطني اللبناني وبعده وثائقي : “ملتقى التأثير المدني : عشر سنوات/ القضيّة لبنان والإنسان”.
كلمة الخليل
بعدها ألقى رئيس “ملتقى التأثير المدني” فيصل الخليل كلمة ترحيبيّة أشار فيها إلى أن “الأوجاع التي تعاظمت على كُلّ المستويات الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والاستشفائيّة، والتربويّة. فرضت على الملتقى بان يكون معنيا بمُقاربة مسبِّبات هذه الأوجاع حيثُ يستمرّ الانقِلاب على الدُّستور، واستِباحة السّيادة، وتعميم الفساد، والانقِضاض على العدالة”، وأضاف الخليل “لم نَزَل نُعاني المحاصصة والزبائنيّة، وتحالُف المافيا والميليشيا الذي حوّل لبنان من نموذجٍ حضاريّ إلى دولة فاشِلة، تعرَّضّ فيها الشعب اللّبناني لجريمة منظّمة قتلت كلّ القطاعات واغتالت العدالة الاجتماعيّة والازدهار الاقتصادي، وكان أبشع تعبير عن هذه الجريمة المنظّمة تفجير بيروت في 4 آب “2020”. وختم الخليل: “نحنُ وإيّاكُم معنيُّون بمُقاربة هذه المُسبّبات لِنَبْحَث سويًّا كُلٌّ من موقِعه في كيف نُنقِذ لبنان من هذا المستنقع الجهنّمي، ونحمي هويّته الحضاريّة، وهذا يتطلّب تصويب المفاهيم، لبناء سياساتٍ عامّة تطبقّها الحوكمة الرَّشيدة، وهذا يقع في صُلْبِ هدف ورسالة ملتقى التأثير المدني. إنّه زمن إعادة تكوين السُّلطة واسترداد الدّولة. فمسار “الحوارات الصّباحيّة” نُريدُه انطِلاق فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعْل تغييريّ إصلاحيّ، المُهمّة شاقّة لكنّها لَيسَت مستحيلة.”
كلمة قانصوه
أمّا “ميسِّر الحوار” الأستاذ الجامعي والباحث الدكتور وجيه قانصوه فأشار في تقديمه لإشكاليّة إلغاء الطائفيّة كما ورد في اتّفاق الطائف إلى موجب “العبور من مستنقع الاصطفافات والتوترات التي لا تتوقف، إلى فضاء الاستقرار والحياة السعيدة والمنتجة.وكلما جاء استحقاق هذه المهمة، نتهيب منها ونرتعب ونخاف، وتتذرع بحجج كثيرة، فلا نجد سبيلا سوى إرجائه، لنرجىء معه الوطن المعاف والدولة القادرة، حيث تبين أن هذا التأجيل لإلغاء الطائفية هو تأجيل للدولة، وإرجاء للديمقراطية، وتعطيل للحياة”. واعتبر قانصوه أنّه “لإلغاء الطائفية أكثر من بعد أوّلهما: تدبيري وتنظيمي، وهو ما يتصل بـ “النص الدستوري حوله، وحول الآليات التشريعية والقانونية والتنظيمية داخل مؤسسات الدولة، لترسيخ إلغاء الطائفية شكلاً نهائياً وجذرياً ناظماً للحياة العامة. وهو ما يفرض مجموعة من الأسئلة عن دور المجتمع، في قواه المدنية والثقافية في عملية إلغاء الطائفية، فلا يقتصر دور الهيئة التي ستشكل لهذه الغاية على تحويل إدراج إلغاء الطائفية إلى نص مباشر وصريح، وإنما يستتبع ذلك جملة آليات ومواد ضرورية، والتي منها القانون الانتخابي، قانون الأحزاب السياسية، لاطائفية الرئاسات الثلاث، مناصب الدولة، كما يطال قانون الأحوال الشخصية، علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية.” وأضاف قانصو “هذا يعني أن إلغاء الطائفية تتطلب عملية دقيقة وحساسة، وتتطلب رؤية كاملة واستراتيجية فعالة لإحداث هذا الانتقال بطريقة تحول دون تحول إلغاء الطائفية إلى وسيلة غلبة طائفية على طائفة، أو أتباع دين على أتباع دين آخر. بحكم الخلل في الديمغرافيا اللبنانية من جهة، وبحكم المؤثرات الخارجية التي توفر لجهة أو مذهب إمكانات غلبة وهيمنة لا تتوفر في المذاهب الأخرى”. أما
البعد الثاني، فهو ثقافي اجتماعي، ما يعني أن إلغاء الطائفية هو تحول في المزاج والسلوك والذهنية وأطر العلاقات ونمط التوزع السكاني. وإعادة هيكلة عمل الدولة والعمل السياسي على مرتكزات غير طائفية”. وختم قانصوه “أنّ إلغاء الطائفية خطوة جرئية وخطرة، لكنها باتت ضرورة لإنقاذ الوطن والمواطن، فهي عمليّة تحول لا تحصل دفعة واحدة، ولا تحصل بقرار سياسي ونصّ تشريعيّ، بل هي تحوّل مجتمعي يتحقق على يد المجتمع نفسه. فكما أنه لا ديمقراطية من دون ديمقراطيين، كذلك لا معنى للاطائفية من دون لاطائفيين”.
كلمة يونس
ثمّ قدم الدّكتور نزار يونس ورقة العمل الخاصة باللقاء تحت عنوان “جوهر وثيقة الوفاق الوطني المادّة 95 من الدّستور”: واستفاض فيها بالإشارة إلى “وقوف لبنان عند مفترق مفصلي تتطاحن وتتصارع فيه المجموعات العصبية من دون جدوى”. وقال يونس: “علينا في البداية أن نعترف بأن الأزمات التي نعاني وطأتها، ليست قدَراً لا نفاذ منه، فهي النتيجة الحتميّة لنظام سياسيّ يؤدّي بحكم تكوينه وديناميّة عمله إلى كلّ ما نعاني من فساد وترهّل في بنية الدولة. لكن وعلى الرغم من إجماعنا في مؤتمر الوفاق الوطني في الطائف على أن التخلي عن هذا النظام هو السبيل الوحيد لقيام الدولة الزمنية الديمقراطية، عدنا الى كنفه مهرولين كما لو أن الميثاق لم يعد مرجعيتنا، وكما لو أن المادة 95 من الدستور وضِعت لتبقى حبراً على ورق.”
وبعدما لفت يونس الى “أن الإكتفاء بالشجار حول إلغاء الطائفية السياسية يثير حساسيات وهواجس”، إعتبر أنّ “تجاهل النص الدستوري الذي قضى بأن يُعهد إلى الهيئة الوطنية للحوار مهمة إقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية يطرح تساؤلات حول نزاهة أدعياء الدفاع عن الإتفاق”. وتساءل يونس عن “البديل عن تطبيق المادة 95 من الدستور؟ بعد ما أكّدت المؤسسة السياسية الطائفية عجزها عن المضي في المماطلة والتسويف للالتفاف حول الميثاق وتعطيل الدستور” متخوّفاً من “فتنة جديدة تقود الى مؤتمر وفاق جديد أو الى كارثة أكثر تدميراً”.
وحدّد يونس بعض المبادئ الأساسية، متحدثا عن “مشروعية الوطن اللبناني وعلّة وجوده” واستطرادًا، قال: ” لبنان لم يكن يومًا ساحة صراع قبائل أو طوائف لكل منها عنصرية أو دينٌ قوميٌ، بل كان أرض تلاقٍ، ومستقراً للعائلات الروحية والإتنية التي نزحت إليه، واعتبرته من دون سواه في هذا الشرق، ملاذًا وواحة أمان وأرض كرامات. ففي أصعب الظروف عاش اللبنانيون معًا. ولم تثنِهم المؤامرات والفتن والنزاعات التي تعرّضوا فتصدّوا بشجاعة لمحاولة السلطنة تتريك العالم العربي وطمس ذاكرته”. وقال يونس”إنّ ديار الإسلام مترامية الأطراف، ولن يزيدها هذا الوطن الصغير اتّساعًا. كذلك فإن أرض المسيحية شاسعة، ولن يزيدها لبنان رحابة، وهو وطنهما معًا وليس وطنًا لدين دون الآخر. هذا ما أكدّه الإرشاد الرسولي في رجاء جديد للبنان، الذي جاء فيه إِنَّ للبنان دورًا أكبر من مساحته وعدد سكانه”. واعتبر يونس ” أنّ لبنان أكثر من
وطن، إنه رسالة. ورسالته، النابعة من تعددية الإيمان، تكمن في تعارف الإسلام والمسيحية، وفي محبة الآخر وقبوله مختلفًا”. وبعدما تحدث يونس عن توصيف الدولة في علم السياسة، وهي تعني “المؤسسة القانونية والسياسية والتنظيمية المولَجة إدارة كيان وطني في شتّى جوانب حياة مواطنيه”، إعتبر “انه من غير الجائز، الخلط بين الوطن والدولة كمفهوم سياسي واحد. ومن المعيب الاستمرار بالخلط بين الوطن والمؤسسة السياسية التي اغتصبت مقدرات الوطن وشعبه وتاريخه. لأنّ ذلك يقود حتمًا، الى التنكّر لحق أي فئة من الاجتماع اللبناني التعددي في الشراكة في الوطن على قدم المساواة مع أي جماعة أخرى مهما كبُر عددها أو اشتدّ ساعدها لفرض إرادتها على الآخرين. ولقد تنبّه الى ذلك سماحة الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فقد أوصى مريديه من الطائفة الشيعية ومن اللبنانيين عمومًا بـأنّ التنوّع اللبناني هو قدوة وطنية كبرى ونوافذ حضارية على العالم ورسالة حوار دائم في ذاته ومحيطه. إن المجتمع الأهلي في لبنان متنوّع. ويجب أن يظل متنوعًا في ما ينبغي أن يكون المجتمع السياسي موحّدًا”.
واعتبر يونس أنّ “الدستور كتاب أداء السلطة الناظمة للعيش معًا في الدولة، وهو معني بهندسة النظام السياسي، وتأمين ضبط إيقاعه.. وان “إرادة العيش معًا، جوهر استقرار الأوطان”. ثم عدّد بعض المحطات التي عاشها لبنان “في ظل نظام سياسي طائفي عُرِّف بالصيغة اللبنانية في الحقبة التي تلت تفكك السلطنة العثمانية وإعادة تشكيل الكيانات السياسية في ظل الانتداب الفرنسي والنفوذ البريطاني، على قاعدة الصراع على تقاسم السلطات في الدولة الناشئة بين إقطاعيات طائفية وأسرية. إلى أن جاءت الحرب التي أذِنت توازنات القوى الإقليمية والدولية بإنهائها في العام 1989، وأتاحت انعقاد مؤتمر للوفاق الوطني في الطائف. ورحَّب اللبنانيون، بوثيقة الوفاق الوطني بين جناحي الوطن لإنهاء الحرب وقيام الدولة التي تمّ إدراج مبادئها في مقدّمة الدستور، كحلّ نهائي تعاقدي للقضايا التي أدّى التشابك أو التنازع حولها في الماضي بين المواقع الطائفية إلى الحؤول دون قيام الدولة”. وتايع يونس: “لم يكن بالإمكان في تلك المرحلة الحرجة، التوسّع في تنفيذ كافة الإجراءات الدستورية والقانونية الضرورية للتخلّي عن النظام السياسي، فتقرّر إرجاء تنفيذ الإجراءات المواكبة لإلغاء الطائفية لإتاحة فرصة للحوار والتفاهم بين اللبنانيين أنفسهم، خلال المرحلة الانتقالية التي لحظها الميثاق. واعتبر ان بداية الطريق “مباشرة الحوار الوطني، بموجب المادة /95/ من الدستور تجسيدًا لمقتضيات الميثاق، بتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية و مَهَمَّتها دراسة الطرق الكفيلة لإلغاء الطائفيّة واقتراحها وتقديمها لمجلسي النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطّة المرحليّة. ورجّح يونس بـ “أنّ هذه الفقرة من الميثاق كانت الدافع الحاسم للانقلاب عليه وتشويه أهدافه وتعطيل تنفيذه، خوفًا من المضي في تحقيق الوفاق المرتكز على تلازم التخلّي عن التمثيل السياسي الطائفي في الدولة وعن الآفة الطائفية في الوطن”.
واعتبر يونس أنّ رئيس الجمهورية مسؤول عن “تنفيذ أحكام الدستور ومقتضيات المادة /95/ منه”. فهو رئيس هيئة الحوار الوطني المكلفة باقتراح الإجراءات والأنظمة الملازمة لقيام دولة مواطنة ديمقراطية لاطائفية. وقد ميَّز المؤتمرون في الطائف رئيس الجمهورية بـ مَهمة تاريخية جعلت منه المؤتمن على تحقيق الموجب الميثاقي الذي ينصّ على أنّ إلغاء الطائفية السياسية هدف وطنيّ يقتضي تحقيقه، على اعتباره الشأن الأهمّ لحاضر ولمستقبل اللبنانيين المسيحيين والمسلمين، على حد سواء.” وبعدما رفض يونس الرأي الشائع الذي يعتبر الدستور المعمول به حاليًا بكلّ مندرجاته “ميثاقًا لا يمكن تعديل أي من نصوصه يجانب الحقيقة”. معتبراً بـ “أن الهاجس الأكبر وهو وعي رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور، لدوره المستحدث، بعد اتفاق الطائف الذي يستدعي الكثير من الشجاعة وحذاقة الرأي والبصيرة والمسؤولية، لا كممثل لطائفة بل كحارس للميثاق ومسؤول عن احترام الدستور و تطويره وتعديله، عندما يقتضي الأمر، لا كمحاسب للحصص الطائفية”.
وحدّد يونس جملة العناوين الأساسية للحوار وهي من “القضايا التي شكّلت في الماضي أرضية الخلاف والتناقض بين الفئات اللبنانية على خلفية طائفية، والتي ما زالت تستدعي حوارًا وطنيًا نزيهًا وشجاعًا، وهي تقع من ضمن اربعة محاور أولها القيم الذاتية التأسيسية للجمهورية التي تتحدث عن أي وطن نريد، وثانيها ما يتعلق بـ الكيان والهوية الوطنية والهوية القومية، وثالثها فصل الدين عن الدولة. ورابعها كيفية تكوين السلطة”.
وعليه تحدث يونس عن دور “الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفيّة” وقال إنها “المعوّل عليها للحفاظ على خصوصية هذا الوطن ومستقبل أجياله، في حال تخلّينا عن الطائفية السياسية وتوزيع السلطة حصصًا بين الطوائف، وعلى قدم المساواة من دون هيمنة فريق على آخر؟ ورسم الآلية التي توفّر الديمومة لهذه الصيغة، وتحافظ على التوازن والسلم الأهلي وتكون صمّام الأمان في الأزمات الوطنية؟”
وختم يونس بالقول: “إذا قدّر للدولة أن تقوم، لنتحرر أولاً تجاه العالم الخارجي من وصمة التخلّف، حيث ستكون لنا دولة عصرية مثل سوانا من شعوب العالم، كبديل عن تجمع طوائف متناحرة، لا تليق بما ندّعيه من تقدم حضاري. وسيتحول الأفراد “من رعايا طوائف إلى مواطنين في دولة، لا حاجة لهم لوسيط أو شفيع معها. وسيعاد للموظف المحرر من الارتهان دوره في رعاية المواطنين وخدمة الشأن العام”.
كلمة رئيس ملتقى التأثير المدني فيصل الخليل
السيّدات والسّادة،
كم يطيبُ لنا أن نلتقي بعد غيابٍ فرَضَتْه أزماتٌ مع جائِحة كورونا. نعُودُ وإيّاكُم في "ملتقى التأثير المدني" نُطْلِقُ مسار "الحوارات الصّباحيّة" وكُنّا قد بدأنا بها منذ سنوات في مساراتٍ متعدّدة مع كُلّ القِوى المجتمعيّة الحيّة، نستكمل خيارنا في العَوْدة إلى الدُّستور نصًّا وروحًا كي نبني سويًّا دولة المواطنة الحُرّة السيّدة العادلة المستقلّة، دولة العيش معًا.
نَعْلَم بالعُمْقِ أنّ أوجاعنا تتعاظم على كُلّ المستويات الماليّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والاستشفائيّة، والتربويّة، وحتّى الأخلاقيّة، لكنّنا معنيّون أيضًا بمُقاربة مسبِّبات هذه الأوجاع حيثُ يستمرّ الانقِلاب على الدُّستور، واستِباحة السّيادة، وتعميم الفساد، والانقِضاض على العدالة. لم نَزَل نُعاني المحاصصة والزبائنيّة، وتحالُف المافيا والميليشيا الذي حوّل لبنان من نموذجٍ حضاريّ إلى دولة فاشِلة، تعرَّضّ فيها الشعب اللّبناني لجريمة منظّمة قتلت كلّ القطاعات واغتالت العدالة الاجتماعيّة والازدهار الاقتصادي، وكان أبشع تعبير عن هذه الجريمة المنظّمة تفجير بيروت في 4 آب 2020. نحنُ وإيّاكُم معنيُّون بمُقاربة هذه المُسبّبات لِنَبْحَث سويًّا كُلٌّ من موقِعه في كيف نُنقِذ لبنان من هذا المستنقع الجهنّمي، ونحمي هويّته الحضاريّة، وهذا يتطلّب تصويب المفاهيم، وتصويب المسارات، لبناء سياساتٍ عامّة تطبقّها الحوكمة الرَّشيدة، وهذا يقع في صُلْبِ هدف ورسالة "ملتقى التأثير المدني" إنّه زمن إعادة تكوين السُّلطة واسترداد الدّولة.
السيّدات والسّادة،
مسار "الحوارات الصّباحيّة" نُريدُه انطِلاق فِكرٍ تغييريّ إصلاحيّ لِفعْل تغييريّ إصلاحيّ. المُهمّة شاقّة لكنّها لَيسَت مستحيلة. ولُبنان يستأهِلُ منّا مُقيمين ومغتربين إستِمرار النّضال.
إنّنا إذ نتطلّع إلى استدامة تعاوننا في خدمة القضيّة اللّبنانيّة والإنسان، نأملُ أن نُنَجِّح معًا هذا المسار، فتعود العقلانيّة والحكمة والصّلابة والنّزاهة رأس حربة لِقِيام دولة المواطنة، دولة الحقّ والعدل. هذا عهدٌ علينا ووعد.
عُشتم وعاش لبنان
كلمة الدكتور وجيه قانصوه / ميّسر الحوار
إلغاء الطائفية السياسية، مطلب بديهي، نقر جميعا بضرورته للعبور من مستنقع الاصطفافات والتوترات التي لا تتوقف، إلى فضاء الاستقرار والحياة السعيدة والمنتجة. رغم ذلك، وكلما جاء استحقاق هذه المهمة، نتهيب منها ونرتعب ونخاف، نشعر بثقلها وعبئها ومخاطرها. نتفحص حولنا بنظرة سريعة لنجد أننا غير جاهزين، أو أن الظروف غير مؤاتية، ونتذرع بحجج كثيرة، لغرض رفع هذا العبء عن الأكتاف، ولنتنصل من خطورة وجسارة حمله، فلا نجد سبيلا سوى تأجيله، دفعه إلى الأمام، إرجاءه ، لنرجيء معه الوطن المعافي والدولة القادرة، حيث تبين بعد كل هذه السنين، أن تأجيل إلغاء الطائفية هو تأجيل للدولة، إرجاء للديمقراطية، تعطيل للحياة، ترك الوطن أسير شبكة المصالح والقوى الطائفية التي باتت في تشعباتها وامتداداتها كالاخطبوط، الذي يوزع سلطته وينشر نفوذه وتأثيره وتحكمه في كافة أرجاء الحياة العامة والخاصة.
تعود مسألة إلغاء الطائفية إلى الواجهة، بعد الحراك المجتمعي الكثيف الرافض لها، المتطلع إلى غد أفضل، ووطن رحب يتسع للجميع. لكن دون ذلك عوائق وعقبات. فإلغاء الطائفية ليس قفزة في الهواء، وليس قانونا تشريعياً فحسب، بل هو عملية تحول بطيء ومعقد وشامل، لا تطال الحياة السياسية وصناعة القرار السياسي فحسب، بل تطال المسلكيات والعلاقات والذهنيات ونمط الحياة. ما يعني أن إلغاء الطائفية السياسية هو تحول للذات اللبنانية نفسها، في نظرتها إلى نفسها وغيرها والعالم.
لإلغاء الطائفية السياسية بعدان:
البعد الأول تدبيري وتنظيمي، وهذا يتصل بالنص الدستوري حوله، وحول الآليات التشريعية والقانونية والتنظيمية داخل مؤسسات الدولة، لترسيخ إلغاء الطائفية شكلاً نهائياً وجذرياً ناظماً للحياة العامة.
وإزاء هذه البعد تتولد عدة أسئلة لا بد من التباحث حولها:
أ. حول الجهة الذي تقوم بابتكار الآليات والميكانزمات لتحقيق الإنتقال من الحال الطائفي إلى الحال اللاطائفي. فالمحذور هنا هو الوقوع في الحلقة المفرغة. إذ إن الهيئة الوطنية المقترحة لإلغاء الطائفية السياسية ستكون مؤلفة من الجسم السياسي والهيئات التثميلية ذات الطبيعة الطائفية. مما يعني إيكال المهمة إلى غير أهلها من جهة، وإلى مسعى هذه القوى إلى إماتة الفكرة وإفراغها من حقيقتها ومضمونها الفعلي، مثلما حدث في قانون النسبية الانتخابي الأخير.
ب. ما هو دور المجتمع، في قواه المدنية والثقافية في عملية إلغاء الطائفية، ومن يختار الشخصيات الثقافية والوجوه الاجتماعية داخل الهيئة الوطنية.
ت. لا يقتصر دور الهيئة على تحويل إدراج إلغاء الطائفية إلى نص مباشر وصريح، وإنما يستتبع ذلك جملة آليات ومواد ضرورية، والتي منها القانون الانتخابي، قانون الأحزاب السياسية، لاطائفية الرئاسات الثلاث، مناصب الدولة، قانون الأحوال الشخصية، علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية.. ما يعني أن إلغاء الطائفية تتطلب عملية دقيقة وحساسة وتتطلب رؤية كاملة واستراتيجية فعالة لإحداث هذا الانتقال.
ث. ما هي الضمانات التي تحول دون تجول إلغاء الطائفية إلى وسيلة غلبة طائفية على طائفة، أو أتباع دين على أتباع دين آخر. بحكم الخلل في الديمغرافيا اللبنانية من جهة، وبحكم المؤثرات الخارجية التي توفر لجهة أو مذهب إمكانات غلبة وهيمنة لا تتوفر في المذاهب الأخرى. بالتالي كيف يتم التوفيق بين عمومية العمل السياسي الخالي من اللون الطائفي وتفريغ المناصب والمراكز من لونها الطائفي من جهة، وحفظ التوازن والخصوصيات والتعددية التي هي سمة المجتمع اللبناني وحقيقته الحضارية.
أما البعد الثاني، فهو ثقافي اجتماعي، ما يعني أن إلغاء الطائفية هو تحول في المزاج والسلوك والذهنية وأطر العلاقات ونمط التوزع السكاني. إذ إضافة إلى إعادة هيكلة عمل الدولة والعمل السياسي على مرتكزات غير طائفية، لا بد من إزالة كل مظاهر السلوك والتفكير ولغة الطائفية والولاءات الاجتماعية.
هذا يستدعي جملة نقاط:
أ. تأسيس نظام تربوي ينسجم مع مبدأ اللاطائفية، وينشيء الأجيال على وعي لاطائفي. بالتالي ما هي الاستراتيجية التربوية التي ترسخ مبدأ اللاطائفية في الوعي والسلوك المجتمعي؟
ب. ما علاقة إلغاء الطائفية بمبدأ العلمانية؟ هل يتقاطعان أم يتطابقان؟
ت. كيف تتم إعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية، لإزالة كل أوجه الخطاب الطائفي المتغلغل بشدة في المؤسسات الاعلامية. أي إعادة إنتاج الخطاب الإعلامي على أسس غير طائفية؟
ث. مساحة وحدود نشاط المؤسسات الدينية، بخاصة في المجال التربوي والوعظي؟
ج. ضرورة إعادة النظر بالفرز السكاني على قاعدة طائفية، والسبيل إلى توسيع دائرة الهوية والشخصية اللبنانييتين، على جساب الهوية والشخصية الطائفية.
ح. كيف نفعل قوى المجتمع، من منابر ثقافية وقوى مدنية وبيئية وعلمية، للإسهام في عملية التحول المجتمعي نحو اللاطائفية.
بالمحصلة، الطائفية خطوة جرئية وخطرة، لكنها باتت ضرورة لإنقاذ الوطن والمواطن، هي عملية تحول لا تحصل دفعة واحدة، بل عملية عابرة للأجيال، بحكم أنها تحول في نمط الحياة وتغير في معنى الحياة وقيمتها. هي عملية لا تحصل بقرار سياسي ونص تشريعي، بل هي تحول مجتمعي تتحقق على يد المجتمع نفسه. فكما أنه لا ديمقراطية من دون ديمقراطيين، كذلك لا معنى للاطائفية من دون لاطائفيين.
ورقة عمل الدّكتور نزار يونس
مقدمة
يقف لبنان اليوم عند مفترق مفصلي تتطاحن وتتصارع فيه المجموعات العصبية من دون جدوى. كل يبحث عما يعتبره حقاً مرصوداً له، على أن أي حق يخرج عن إطار الدولة الجامعة والضامنة والمتحررة من قيود الطائفية والتحاصص، لن يستقيم ولن يسهم إلا في تهديم الأمل بوطن سوي وبمواطن سعيد وعزيز في هذا الوطن.
لا يكفي أن نلعن القدَر ونقف عاجزين عن مواجهة أقدارنا المأساوية، لنصطفّ مذاهب وقبائل وأتباعاً، نتبادل الاتهامات ونندب حظنا التعيس، فنكيل الشتائم للسياسيين ولبعضنا البعض وفي النهاية نراوح مكاننا.
علينا في البداية أن نعترف بأن الأزمات التي نعاني وطأتها، ليست قدَراً لا نفاذ منه، فهي النتيجة الحتميّة لنظام سياسيّ يؤدّي بحكم تكوينه وديناميّة عمله إلى كلّ ما نعاني من فساد وترهّل في بنية الدولة. لكن وعلى الرغم من إجماعنا في مؤتمر الوفاق الوطني في الطائف على أن التخلي عن هذا النظام هو السبيل الوحيد لقيام الدولة الزمنية الديمقراطية، عدنا الى كنفه مهرولين كما لو أن الميثاق لم يعد مرجعيتنا، وكما لو أن المادة 95 من الدستور وضِعت لتبقى حبراً على ورق.
في الأوضاع الحرجة التي تمر بها بلادنا اليوم، لم يعد من الجائز قبول هذا الانفصام الملفت بين الخطاب السياسي والمآذارة، وبين القول والفعل. فكيف ندّعي التزاماً بإتفاق الطائف في الوقت الذي نرفض تطبيق البند الأهم فيه، والذي هو جوهر الإتفاق ذاته، أعني بذلك التخلي عن نظام المحاصصة الطائفي.
من الواضح أن الإكتفاء بالشجار حول إلغاء الطائفية السياسية يثير حساسيات وهواجس. لكن تجاهل النص الدستوري الذي قضى بأن يُعهد الى الهيئة الوطنية للحوار مهمة إقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية يطرح تساؤلات حول نزاهة أدعياء الدفاع عن الإتفاق. فما هو البديل عن تطبيق المادة 95 من الدستور؟ بعد ما أكّدت المؤسسة السياسية الطائفية عجزها عن المضي في المماطلة والتسويف للإلتفاف حول الميثاق ولتعطيل الدستور، بإنتظار ظروف قد تتيح لها التنكّر لموجباته، وانتظار فتنة جديدة على أمل أن تقودها الى مؤتمر وفاق جديد أو الى كارثة أكثر تدميراً؟
في مشروعية الوطن اللبناني وعلّة وجوده
إن اسم لبنان مرتبط بمعطيات جغرافية طبيعية ثابتة، وهو لم يشمل الجزء، وإنما الكلّ، فهو وحدة جغرافية، بقيت خلال العصور متماهية إلى حد كبير مع جغرافية لبنان المعاصر الذي أعطى اسمه للشعب الذي سكنه وليس العكس. واستطرادًا، يمكن القول أنّ معطيات البيئة اللبنانية طبعت الشعب اللبناني بطابعها الخاص وساهمت في تحديد هويته الحضارية ضمن حدود جغرافية طبيعية ثابتة توحدت منذ نيّف وخمسة قرون في كيان سياسي في حقبة الأمير فخر الدين الكبير. وقد شكل هذا الكيان العزيز والمقاوم المحاولة الأولى لتحرر شعوب هذا المشرق من ظلامية وجور السلطنة العثمانية.
ومنعًا للتمادي في ترويج الأضاليل من قبل من لا يضمر الخير لوطننا، لا بد من التأكيد ان لا علاقة إطلاقًا لحدود الدولة اللبنانية الحالية باتفاقية "سايكس بيكو"، خلافًا لحدود الكثير من الدول التي استحدثتها تلك الاتفاقية والتي رُسِمت خطوطًا مستقيمة في البوادي والأدغال. فمن غير الجائز أو اللائق مقارنة مشروعية الوطن اللبناني التاريخي بسواه من الأوطان الناشئة في جوارنا وفي العالم.
لبنان لم يكن يومًا ساحة صراع قبائل أو طوائف لكل منها عنصرية أو دينٌ قوميٌ، بل كان أرض تلاقٍ، ومستقــَـراً للعائلات الروحية والإتنية التي نزحت إليه، واعتبرته، من دون سواه في هذا الشرق، ملاذًا وواحة أمان وأرض كرامات. فقد كان هذا النزوح فعل ارادة واعية من الوافدين المسلمين والمسيحيين الذين تخلّوا عن السهول والواحات والأنهر، وارتضوا شظف العيش والكفاف ثمنًا للحرية في هذه الجبال الوعرة والعصيّة على الإذلال التي صنعت الشخصية اللبنانية، الغنية بخصائص مشتركة بين المسلمين والمسيحيين تتجاوز انتماءاتهم الدينية أو العرقية.
في خصوصية الوطن وفرادة شعبه ورسالته
في أصعب الظروف عاش اللبنانيون معًا، واجهوا ظروف الظلمة والقهر، وتقاسموا لقمة العيش في الأفراح والأتراح، عانوا من الشح والعوز لكنهم لم يتخلّوا أبدًا عن الولاء للأرض التي حضنتهم ولم يُفرّطوا بها، ولم يتنكّروا في أي ظرف للعرى الحياتية التي حبكها صمودهم ونضالهم الأسطوريان من أجل البقاء.
لم يواجه سكان الجبل، كلّ سكانه، عُقَدَ الأقليات، ولم يتعرّضوا أبدًا لغربة العيش في "الغيتوات" المنغلقة. فالشعب اللبناني، على رغم التنوّع الروحي والثقافي للجماعات التي تعيش على أرضه، وربما، بفضل هذا التنوّع بالذات، تمكّن من تظهير شخصية نمطية مميزة خاصة به. ففي العالم اليوم، كما في الأمس، عدد ضئيل من الشعوب التي يُعرّف عنها بهوّية خاصة ومميزة، كما يُعرّف عن الرواد اللبنانيين في المهاجر وفي دنيا العرب. لم تثنِهم المؤامرات والفتن والنزاعات التي تعرّضوا لها في القرن التاسع عشر، عمّا اختطّوه لأنفسهم من دور، يتجاوز جغرافيا بلادهم الضيّقة ووجودهم المادي. تصدّوا بشجاعة لمحاولة السلطنة تتريك العالم العربي وطمس ذاكرته ومحو حضارته ولغته. وعملوا على قيادة نهضة عظيمة لإعادة الروح إلى الحضارة العربية، واستعادة هويتهم القومية ودورهم التاريخي في تألق هذه الحضارة واستدامة روافدها.
لبنان لم يكن يومًا أكبر وأنبل من يوم قُيّض له أن يكون وطن الثقافة وموطن الأحرار، يوم كانت بيروت حاضرة العالم المشرقي، وجامعته ودار نشره، ومركز انبعاث نهضته في الفكر والفن والشعر والغناء، ومنبر حرّية فيه لكل ملاحق من بلده بسبب أفكاره، وعندما كانت تخاطب العرب بلسان عربي فصيح وتحاور الغرب بلغاته وفكره. يومها أطلق السيد "رينيه ماهو" Maheu René رئيس منظّمة الأونيسكو صرخته المدوّية في جريدة "لو موند" الفرنسية في بداية الحرب الأهلية "بأن سِمات لبنان وشعب لبنان حاجة للعالم، وهي تُجسّد جوهر الحضارة نفسها، وهي غير شائعة لنقبل نضوب منابعها في المكان الأضمن لتوافرها بغزارة".
لم يأتِ كلام رئيس منظمة الأونيسكو من فراغ، فللوطن الصغير في الوجدان العالمي مكانة خاصة. وما زال الرهان قائمًا على دوره في ترويج ثقافة الحياة والتلاقي بين الحضارات وبين المسيحية والإسلام. وما زالت النُخب الثقافية المعنية بالحضارة والسلام ضنينة بشعب لبنان وحريصة على بقائه. ولا بدّ للعالم أن يهبّ لنجدته، وإلى إعادة الروح إلى الوطن، إذا قرر اللبنانيون الباقون فيه ألاّ يموت.
إن ديار الإسلام مترامية الأطراف، ولن يزيدها هذا الوطن الصغير اتّساعًا. كذلك فإن أرض المسيحية شاسعة، ولن يزيدها لبنان رحابة، وهو وطنهما معًا وليس وطنًا لدين دون الآخر. هذا ما أكدّه الإرشاد الرسولي في رجاء جديد للبنان، الذي جاء فيه" إِنَّ للبنان دورًا أكبر من مساحته وعدد سكانه". واعتبر " أن لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة. ورسالته، النابعة من تعددية الإيمان، تكمن في تعارف الإسلام والمسيحية، وفي محبة الآخر وقبوله مختلفًا".
الدولة في علم السياسة
الدولة، في علم السياسة، تعني المؤسسة القانونية والسياسية والتنظيمية المولَجة إدارة كيان وطني في شتّى جوانب حياة مواطنيه من اجل رغدهم وتحقيق تطلعاتهم. وعلى الدولة المنجزة أن تكون دولة حق وعدالة في مآذارتها للسلطة، ودولة عقلانية في تكوينها وبنيتها، وأن تؤدّي مهماتها كسلطة أحادية النصاب، تراتبية الهيكلية، وحيادية في إدارة المصالح الفردية والفئوية والقطاعية المتضاربة، حيث تؤدي دور الحَكَم النزيه والحكيم في النزاعات حول تناقض المصالح أو الرغبات لحلـِّها، وفقًا لدستورها، وقوانينها، وأنظمتها. فمن غير الجائز، الخلط بين الوطن والدولة كمفهوم سياسي واحد. إذ إنَّ الدولة هي الأداة الإجرائية لحماية الوطن والذراع التي ترعى حياة المواطنين وتصون أمنهم ورغدهم وحرياتهم. ومن المعيب الاستمرار بالخلط بين الوطن والمؤسسة السياسية التي اغتصبت مقدرات الوطن وشعبه وتاريخه، لأن ذلك يقود حتمًا، الى التنكّر لحق أي فئة من الاجتماع اللبناني التعددي في الشراكة في الوطن على قدم المساواة مع أي جماعة أخرى مهما كبُر عددها أو اشتدّ ساعدها لفرض إرادتها على الآخرين. كما يقود الى التشبّث بالشراكة المستحيلة في الدولة بين الطوائف المتصارعة تحت لواء بدعة "الديمقراطية التوافقية" المناقضة كليًّا للوفاق وللميثاق وللحس السليم. لقد تنبّه الى ذلك سماحة الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، فقد أوصى مريديه من الطائفة الشيعية ومن اللبنانيين عمومًا ب " أن التنوّع اللبناني هو قدوة وطنية كبرى ونوافذ حضارية على العالم ورسالة حوار دائم في ذاته ومحيطه. إن المجتمع الأهلي في لبنان متنوّع. ويجب أن يظل متنوعًا في ما ينبغي أن يكون المجتمع السياسي موحّدًا"، هذا الكلام المضيء الذي يميّز ما بين الوطن التعددي والدولة الأحادية ما زال مفتاح الولوج إلى عمق تفكير هذه الشخصية الوطنية الاستثنائية.
الدستور "كتاب" أداء السلطة الناظمة للعيش معًا في الدولة
والدستور، كما وصفه الحقوقي الفرنسي Robert Badinter، هو أداة سياسية وهندسة قانونية ولحظة تاريخية وصياغة أدبية، يندرج في حقبة تاريخية من حياة الدول، وتستند شرعيته إلى مراعاته أحكام ميثاق العيش معًا والنظام العام، أي العقد الاجتماعي بين المواطنين، وبينهم وبين الدولة. فلا يمكن، تاليًا، استعارة الدستور من المخيـّــلة ولا عزله عن الواقع، حيث يرتبط نجاح السلطة بكفاءة الدستور الناظم بأن يكون مرجعًا يُحتكَـم إليه للفصل في تناقض المصالح والرغبات الخاصة، وفي مراعاة المبادئ الديمقراطية التأسيسية لضمان وحدة المجتمع الأهلي وتماسكه وانفتاحه على التطوّر والتقدّم. فالدستور معني بهندسة النظام السياسي، وتأمين ضبط إيقاعه، يُمارَس وفق ديناميات تحدِّد كفاءة أدائه وتفاعله مع سواه. فباستثناء بنود الميثاق، المكوِّن الأول لنشوء الأوطان Existant Premier الذي يرفد الدستور بثوابته، فإن سائر النصوص الدستورية تأتي نتاج تطور مفاهيم الحكم وتجربته التاريخية، فمن الراهن أن الخلط بين الدستور والميثاق يؤدي الى تعطيلهما معًا.
إرادة العيش معًا، جوهر استقرار الأوطان
الأوطان ليست حقيقة أولية، قائمة بذاتها. فهي تصوّر ذهني مجرّد يجسـِّـد إرادة جماعات في العيش معًا، يؤكّده الشعور بالانتماء إلى ذاكرة مشتركة والرغبة في الانضواء في صيرورة جامعة في كيان سياسي مؤهل لإدارة النهوض الاقتصادي والاجتماعي لهذه الجماعات. ومن المسلّم به، أن إرادة العيش معًا، هي اللَّبنة الأساس في قيام الأوطان واستقرارها، حيث إنها تكرّس أو تظهّر إرادة جماعات، ارتضت العيش معًا، في كيان جغرافي وسياسي محدّد، وجدت فيه المقوّمات الضرورية لتحقيق ذاتها وتطلّعاتها. إذا كانت إرادة العيش معًا هي الأساس في نشوء الأوطان وبقائها، فلا يكفي تأكيدها كشعار، حتى تقوم الدولة العصرية المستقرة والقادرة على التطور ومواجهة الأزمات الوطنية الكبرى، الناجمة عن شعور فئة بالغبن في مرحلة معينة، أو بالحرمان أو الإحباط في مرحلة أخرى. فكلّ جماعة ترى، ومن حقها ذلك، أن لها حقوقًا مكرّسة في الوطن، وأن شراكتها فيه مشروطة بصون حقوقها دون انتقاص أو تجزئة، وأهمها الحق في الحرية والمساواة السياسية الحقيقية وفي الوجود الآمن وتحقيق الذات. فإن كانت إرادة العيش المشترك، مسلّمة طبيعية في الكيانات الموحّدة، والمنصهرة اجتماعيًا وحضاريًا، فهي ليست كذلك في الأوطان ذات التعدّدية الدينية أو العرقية أو الثقافية، حيث تحتاج ديمومتها إلى التوافق بين أطرافها على الشروط والالتزامات المتبادلة للعيش معًا، التي من شأنها تنظيم إطار الضوابط والقواعد الضرورية لإدارة إشكاليات التباين في المصالح أو الرغبات، إذ لا يحق لأحد أن يحدّد حقوق الآخر على قاعدة الأكثرية والأقلية، كما لا يجوز أبدًا، بغية شدّ العصب الطائفي، المتاجرة بهواجس الإقصاء والإذلال أو الاعتداد بنوازع الهيمنة أو الاستحواذ أو الاستئثار.
لماذا الميثاق؟
لدينا وطن رائع، كان مؤهّلًا ليغدو من أعظم أوطان الأرض. وكان لديه ولدى سكّانه كامل المقوّمات لبناء اقتصاد عملاق على أرض بهية، ولإنتاج ثقافة مرهفة لشعب ذكي وشجاع، لديه الجدارة والعزم على المساهمة في صيرورة الحضارة، كما يفعل، في كلّ يوم وتحت كلّ سماء، أرتال من الرجال والنساء اللبنانيين الذين رمتهم الأقدار في أمصار لم تلوّثها بعد أنانية من تولّوا أقدار الوطن الحزين، وتركوه عرضة للهوان والسقوط. تأسس النظام السياسي الطائفي الذي عُرِّف "بالصيغة" اللبنانية في الحقبة التي تلت تفكك السلطنة العثمانية وإعادة تشكيل الكيانات السياسية في ظل الانتداب الفرنسي والنفوذ البريطاني، على قاعدة الصراع على تقاسم السلطات في الدولة الناشئة بين إقطاعيات طائفية وأسرية. لقد خلّف هذا الصراع تناقضًا وهميًا بين هذه الإقطاعيات وجد مسوّغه في اصطناع هوية متخيلة خاصة لكل من جناحي الوطن، وقد اوغل الفريقان في سعيهما لإعطاء الوطن اللبناني وجهًا دينيًا أو عنصريًا يميّزه ليضمن من خلاله السيطرة ايديولوجيًا عليه. فقد أثارت هيمنة الطائفة المارونية على القرار السياسي حفيظة الآخرين وشعورهم بالغبن وبالحاجة للاستقواء بالمحيط مما قاد الى شعور فريق بالغبن والفريق الآخر بالخوف ودفع الفريقان الى المشاركة في حرب الآخرين على أرضهم. استمرت الحرب الأهلية طويلًا حتى أذِنت توازنات القوى الإقليمية والدولية بإنهائها في العام 1989، وأتاحت انعقاد مؤتمر للوفاق الوطني في الطائف، في المملكة العربية السعودية، بإشراف جامعة الدول العربية وبرعاية كريمة وشجاعة من اللجنة العربية العليا المشكّلة من المملكة العربية السعودية ومن المملكة المغربية، والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وقد كلّفت اللجنة مندوبها معالي الأخضر الإبراهيمي هندسة الوفاق الوطني بين اللبنانيين، وكان اختيارها حاذقًا وموفقًا. رحَّب اللبنانيون، بوثيقة الوفاق الوطني بين جناحي الوطن لإنهاء الحرب وقيام الدولة التي تمّ إدراج مبادئها في مقدّمة الدستور، كحلّ نهائي تعاقدي للقضايا التي أدّى التشابك أو التنازع حولها في الماضي بين المواقع الطائفية إلى الحؤول دون قيام الدولة. لم يكن بالإمكان في تلك المرحلة الحرجة، التوسّع في تنفيذ كافة الإجراءات الدستورية والقانونية الضرورية للتخلّي عن النظام السياسي، المتجذّر والراسخ في الأذهان وفي الجغرافيا السياسية والإدارية، فتقرّر إرجاء تنفيذ الإجراءات المواكبة لإلغاء الطائفية لإتاحة فرصة للحوار والتفاهم بين اللبنانيين أنفسهم، خلال المرحلة الانتقالية التي لحظها الميثاق.
وفي ما يلي بنود الميثاق التي أُدرِجت في مقدمة الدستور:
أ. لبنان وطن سيّد حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضًا وشعبًا ومؤسسات بحدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمُعترف بها دوليًا.
ب. لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظّمة الأمم المتحدة وملتزم ميثاقها والإعلان العالمي لحقوق الانسان. تجسّد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات من دون استثناء.
ج. لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، من دون تمايز أو تفضيل.
د. الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يآذارها عبر المؤسسات الدستورية.
ه. النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.
و. النظام الاقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة.
ز. الإنماء المتوازن للمناطق، ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام.
ح. إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه، وفق خطة مرحلية.
ط. أرض لبنان أرض واحدة لكلّ اللبنانيين. فلكلّ لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتّع به، في ظلّ سيادة القانون. فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين.
ي. لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
الالتزام بالميثاق: قاعدة الوفاق الوطني
لقد نصّت الفقرة (ي) من مبادئ الميثاق الوطني على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، وقد وظفت منظومة المحاصصة هذه الفقرة سلاحًا طائفيًا قاتلًا تستعمله أداة لتعطيل العيش المشترك بالذات، تحت غطاء ما أُطلق عليه زورًا تسمية الميثاقية. الميثاقية تعني الالتزام بميثاق العيش المشترك أي التقيّد الشجاع والنزيه بنصوص وثيقة الوفاق الوطني وما تمليه من موجبات وما ترسمه من خارطة طريق لتنفيذ أحكامها حيث إن التخلّي عن النظام الطائفي لإتاحة فرصة بناء الدولة هو الركن التأسيسي للوفاق من أجل العيش المشترك. أمّا الاعتداد بالحصص الطائفية المزعومة وبالتقنين والتخصيص فهو مناقض كلّيًا لروح وثيقة الوفاق الوطني وللعيش المشترك، وهو خيانة للشعب وللوطن وللعقل والإدراك السليم.
1. الوفاق يعني، بكلّ بساطة، الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني نصًا وروحًا، واعتبار هذه الوثيقة، عقدًا ملزمًا ومستدامًا غير قابل للتعديل أو للتجزئة أو الانتقاص، كما يعني أنَّ أي تحايل أو تشاطر يقود حتمًا الى الانتحار او الاندثار.
2. الوفاق يعني التوازن بين جناحَي الوطن الذي يحافظ على خصوصية لبنان ويعكس حقائق التاريخ ويجسّد المشروع الذي ناضل في سبيله روّاد النهضة في سعيهم لقيام دولة زمنية في أوطانهم وفصل الدين عن الدولة الزمنية التي تجد شرعية وجودها في القيم الذاتية للأوطان التعددية التي أرستها مفاهيم الحضارة وشرعة حقوق الإنسان.
الميثاق في مبادئه التأسيسية
جوهر الميثاق هو التخلّي عن نظام التمثيل الطائفي في الدولة القائم على مبدأ تقاسم السلطة بين المذاهب، واستبدال الشراكة الافتراضية المستحيلة بين المذاهب بشراكة حقيقية بين المواطنين في دولتهم، هذا من جهة. وفي المقابل أكّد الميثاق على الشراكة في الوطن التعددي الحريص على الحقوق المصانة لكل مكوّناته ومواطنيه، وخاصة الحق بالتنوّع والاختلاف. كرّس الميثاق مبادئ "وثيقة الاستقلال" التي أعلنها الرئيس رياض الصلح في البيان الوزاري لحكومة الاستقلال الأولى الصادر في 8/11/1943، التي تماهت مع "الميثاق الوطني" الذي دعى اليه يوسف السودا وتقي الدين الصلح في العام 1938، على اعتباره عهدًا بين اللبنانيين للحصول على الاستقلال وللتخلّي عن النظام الطائفي وعن الانحياز إلى الشرق أو إلى الغرب على قاعدة الكرامة الوطنية والمساواة التي تعني المشاركة في الحكم والقرار أي علمنة الدولة في الوطن التعددي.
اختزل الميثاق، المرتكزات الأساسية للوفاق، بحيث لا حقوق للمذاهب على حساب الدولة، ولا تخصيص ولا تقنين لأي موقع في السلطة لمذهب أو لعشيرة. الميثاق أخذ من الطوائف ما ليس لها وأعاده إلى المواطنين، وفي المقابل حدد الميثاق سِمات الوطن الذي نريده على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات بين كل مكوناته، على اعتبار أن لا سبيل إلى الوفاق الحقيقي في المجتمعات ذات التنوّع الديني أو العنصري من دون الإلتزام بالقِيَم الاجتماعية الأساسية التي لا تتناقض مع ما تعتبره الجماعات المكوّنة للوطن ماسًا بحريتها، والتي يُعتبَر احترامها وصونها أساسًا لشرعية الدولة والسلطات الحاكمة.
لقد اكّد الميثاق القيم التأسيسية لقيام دولة حديثة زمنية أهمها قِيَم الحرّية في الشأن العام والخاص وحرّية الفكر والمعتقد والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، والعدالة الاجتماعية والحقوق في الملكية الفردية وفي التعليم والصحة والإنماء. ومن أهم هذه القيم التي تختصر كلّ ما سواها، الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان والتزام الجمهورية تجسيد مبادئه في جميع الحقول والمجالات بدون استثناء في رحاب الوطن الذي تعاقدنا على العيش فيه.
السيادة الوطنية والاستقلال
أقرّ الميثاق نهائية الوطن اللبناني وهويته العربية وقضى بسيادة الدولة على كامل أراضيها واستقلال قرارها الوطني بدون وصاية او شراكة. ومن البدهي أن لا سبيل الى الوفاق الوطني الحقيقي إذا ما أجيزت لفريق داخلي أو خارجي حقوق تتعارض مع السيادة الوطنية ومع حق الدولة المطلق في الانفراد في امتلاك السلاح وفي الدفاع عن الوطن، وفي قرار السلم والحرب، أو فيما لو تصوّر أي فريق أن بإمكانه فرض إرادته على الآخرين تحت أي اعتبار.
المرحلة الانتقالية لتنفيذ الاتفاق
كان القصد من المرحلة الانتقالية لتنفيذ الاتفاق إعادة الاعتبار الى المجتمع المدني والسعي لمشاركة النُخب الوطنية والفكرية على امتداد الوطن في حوار بنّاء حول المبادئ والقيم والالتزامات التي تمّ إقرارها في الطائف خارج منطق الأعداد والتعداد وموازين القوى والولاءات. من الراهن أن لا سبيل لمواجهة التآمر والعقل الخرافي ما لم يؤدي الحوار الى حالة شعبية مُدركة ترفع الغطاء عن الفكر المنحرف ومروجي الأوهام والترهات، فلا بدّ من الحوار الوطني الصادق والشجاع لمعالجة رواسب الفكر الطائفي في المجتمع وفي القوانين والأنظمة وإقرار التدابير الآيلة إلى إلغاء الطائفية ومعالجة تداعيات الجرثومة اللعينة في الحياة الخاصة والعامة، في نطاق مبادئ الوفاق التي أقرّها الميثاق، لتفادي التناقضات والتباينات، على خلفية الانتماءات الفئوية أو مصالح أطراف المؤسسة السياسية الحاكمة ورغباتهم. تجدر الإشارة، إلى أنّ الميثاق لم يُجِز خلال هذه المرحلة الانتقالية تخصيص التمثيل الطائفي أو تقنينه لا في الرئاسات ولا في الوزارات، لا في الأعراف ولا في النصوص. فبدعة "الترويكا"، التي تمّ إرساؤها خلال ولاية الرئيس الهراوي والتي زيّنت لشرعية اقتسام السلطة بين "الرئاسات" الثلاث الطائفية خلال المرحلة الانتقالية، لا تتعدّى كونها واحدة من الألغام التي زرعها الوصيّ لتشابك المؤسسات الدستورية والاستعاضة عنها بفتاوى الوصاية وإملاءاتها.
بداية الطريق: مباشرة الحوار الوطني، بموجب المادة /95/ من الدستور
تجسيدًا لمقتضيات الميثاق، تمّ تعديل المادّة /95/ من الدستور، عملًا بأحكام الفقرة (ز) من بند الإصلاحات التي أقرّها الميثاق، التي تنص على ما يأتي:
"على مجلس النواب المُنتخب على أساس المناصفة بين اللبنانيين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفيّة السياسيّة وفق خطّة مرحليّة، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضمّ، بالإضافة إليه كلّ من رئيسي مجلس النواب والوزراء، وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مَهَمَّة الهيئة دراسة الطرق الكفيلة لإلغاء الطائفيّة واقتراحها وتقديمها لمجلسي النواب والوزراء، ومتابعة تنفيذ الخطّة المرحليّة".
من المرجّح أن هذه الفقرة من الميثاق، التي أُدرجت في المادة /95/ من الدستور، كانت الدافع الحاسم للانقلاب عليه وتشويه أهدافه وتعطيل تنفيذه، خوفًا من المضي في تحقيق الوفاق المرتكز على تلازم التخلّي عن التمثيل السياسي الطائفي في الدولة وعن الآفة الطائفية في الوطن، هذه المَهمة الدقيقة التي أنيطت بأول مجلس نواب تمثيلي يُنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وكانت الغاية من المناصفة إضفاء الشرعية الميثاقية على مجلس النواب المُنتخب على أساس المناصفة والتمثيل السليم لاستكمال تنفيذ الميثاق على اعتباره ممثلًا لجناحي الوطن، ومن شأن ذلك توافر الإطار الدستوري والقانوني للقضاء على رواسب العلّة الطائفية. وهذا الأمر لم يكن مُرحّبًا به أو مقبولًا من قِبَل سلطة الوصاية التي أصرّت على أنها الأدرى بما يريده اللبنانيون والأحرص على مستقبلهم. منعًا لأي التباس حول المادة /95/ المشار إليها التي تقضي بالتخلّي عن الطائفية من طريق الحوار بين اللبنانيين، لا بد من توضيح الآتي:
أولًا: الطائفيّة السياسيّة، تعني نظام التمثيل السياسي الطائفي في الدولة المستحيلة الذي هو أساس العلّة والمعطّل لقيام أي دولة.
ثانيًا: المقصود بإلغاء الطائفيّة السياسية، هو إلغاء التمثيل الطائفي وتحرير الحيّز العام المُغتصب أو المُصادر من المواقع النافذة في المنظومة السياسية.
ثالثًا: قضى الميثاق بتشكيل الهيئة الوطنيّة للحوار، لدراسة الطرق الكفيلة لإلغاء الطائفية التي يرأسها رئيس الجمهوريّة، من شخصيّات سياسيّة وفكريّة واجتماعيّة، فضلًا عن رئيسي مجلس النواب والوزراء. المقصود إذًا تشكيل الهيئة من شخصيّات وطنية مستقلّة عن الاصطفافات الطائفية والسياسية. قادرة على إدارة حوار وطني حول القضايا التي شكلت في الماضي المادة المُحفِزة للانقسامات وللحساسيات الطائفية، ومن الطبيعي ألّا يقتصر هذا الحوار على أعضاء الهيئة الوطنية وحسب، ولا بدّ ان يؤدي الى مشاركة نخب وفاعليات الاجتماع اللبناني في الوطن وبلاد الانتشار.
رابعًا: التنفيذ الدقيق والكامل للفقرة (ز) من الميثاق، موجب ميثاقي، من غير الجائز التغاضي عن تحقيقه أو التنكّر لأحكامه، حيث أنه المدخل الإلزامي إلى قيام الدولة والى تجاوز المرحلة الانتقالية التي لحظها الميثاق، حيث أسفر التأخير في تنفيذها، لأكثر من ثلاثة عقود، نتيجة الانقلاب الذي حصل غداة اندلاع حرب الخليج، الى الإخلال الخطير بالميثاق وبقواعد انتخاب مجلس نواب تمثيلي على أساس المناصفة بين جناحي الوطن، وحوّل السلطة القائمة، بكل مؤسساتها الى سلطة أمر واقع، وقاد شعبنا الى اليأس والهجرة.
رئيس الجمهورية مسؤول عن تنفيذ أحكام الدستور ومقتضيات المادة /95/ من الدستور.
لقد قضت وثيقة الوفاق الوطني بتولي رئيس الجمهورية رئاسة هيئة الحوار الوطني المكلفة باقتراح الإجراءات والأنظمة الملازمة لقيام دولة مواطنة ديمقراطية لاطائفية. لكنّ هذا الموجب غُيّب بعد اغتيال الرّئيس رينه معوض، إذ توجس من خلفوه في رئاسة الدولة من سلوك الطريق المحظّر. وقد أكّد اللجوء إلى الاغتيال الجبان، خوف القتلة من مناعة الشعب اللبناني ومن قدراته في بناء دولة عصرية، دولة حرية وكرامة محررة من التخلّف ومن سجون الطوائف مؤهلة أن تصبح مثالًا رادعًا لادعاءات الأنظمة العنصرية والديكتاتورية والقمعية التي لا تضمر الخير لوطننا.
التوازن بين جناحي الوطن يقتضي تحرّر رئاسة الجمهورية من ملكية الطوائف
قضت وثيقة الوفاق الوطنيّ، بأنّ لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، وبأنّ نظامها اللاطائفي قائمٌ على مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها. كما لحظت أن يكون رئيس الجمهورية، من أي طائفة كان، رئيسًا للدولة ورمزًا لوحدة الوطن، وأن يسهر على احترام الدستور، وعلى المحافظة على استقلال الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها.
لقد ميَّز المؤتمرون في الطائف رئيس الجمهورية بمَهمة تاريخية جعلت منه المؤتمن على تحقيق الموجب الميثاقي الذي ينصّ على أنّ إلغاء الطائفية السياسية هدف وطنيّ يقتضي تحقيقه، على اعتباره الشأن الأهمّ لحاضر ولمستقبل اللبنانيين المسيحيين والمسلمين، على حد سواء، والطريق الآمن للحفاظ على الوطن وعلى تطلعات شاباته وشبابه وأجياله الصاعدة.
إن حرمان الجمهوريّة من رئيس بالمطلق، ليس أشدّ ضررًا من حرمانها من رئيس يمتلك الشجاعة والحكمة، ونفاذ الرؤية، والقدرة على استعادة الوطن لجميع أبنائه. وهذا الحرمان ينسحب على جميع اللبنانيين المسيحيين والمسلمين والعلمانيين على حد سواء.
الحوار من أجل صياغة دستور للدولة الموعودة
من الواجب وضع حدّ للالتباس الشائع حيال الخلط بين ميثاق الطائف ودستور الجمهورية اللبنانية الذي سمّي، عن جهل أو عن قصد، "دستور الطائف"، وهو دستور العام 1926، الذي أُدخلت عليه تعديلات، كان آخرها التعديل الذي حصل في العام 1990، والذي تناول، بشكل مجتزأ، الإصلاحات السياسية والإجرائية التي أقرّها الميثاق، والذي تحوّل الى أداة للتشابك والاشتباك بين الرؤساء في الترويكا وأتباعهم ومريديهم.
إن الرأي الشائع الذي يعتبر الدستور المعمول به حاليًا بكلّ مندرجاته ميثاقًا لا يمكن تعديل أي من نصوصه، يجانب الحقيقة. وقد لا يكون مجرّدًا أو نزيهًا. على اعتباره يعطل إمكانية تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني وتعديل النصوص الدستورية الغامضة أو الملتبسة، حول صلاحيّات المؤسسات الدستورية، وفصل السلطات وتوازنها وتعاونها.
فالدستور، بحكم وظيفته، الكتاب الناظم لهندسة النظام السياسيّ وتأمين ضبط إيقاعه لاستدراك الثغرات في نصوصه أو التناقضات بين بنوده، وهو كأي كائن حيّ معني بمواكبة المتغيرات التي لا بدّ منها في حياة الأمم. وعلى السلطة التشريعية تصحيح أيّ نصّ دستوريّ لا يراعي موجبات الدولة الحديثة أو يتعارض مع النظام العامّ أو مع الميثاق. ومن الراهن ان كافة الدساتير بما في ذلك الدستور اللبناني، نصّت على آلية تعديلها عندما تدعو الحاجة لحسن أداء السلطات الدستورية، ومن المؤسف أن تقتصر التعديلات منذ الطائف وحتى هذا التاريخ على مخالفات الدستور في سبيل تمديد الرئاسات الملتبسة خلافًا للميثاق وللمبادئ الدستورية.
يبقى الهاجس الأكبر وهو وعي رئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور، لدوره المستحدث، بعد اتفاق الطائف الذي يستدعي الكثير من الشجاعة وحذاقة الرأي والبصيرة والمسؤولية، لا كممثل لطائفة بل كحارس للميثاق ومسؤول عن احترام الدستور وتطويره وتعديله، عندما يقتضي الأمر، لا كمحاسب للحصص الطائفية.
من غير الجائز الخلط بين رئاسة الدولة المعنية بإعادة السفينة الجانحة إلى مرفأ الأمان، وبين رئاسة إحدى الطوائف التي تجعل الرئيس شريكًا في تقاسم المناصب في السلطة والمؤسّسات، في ترويكا المحاصصة الطائفية التي روّج لها الوصيّ المنتدَب، بعد الانقلاب على الميثاق، لاستيلاد هذا الكائن المسخ الثلاثي الرؤوس والأبعاد. فمن غير المجدي انتخاب رئيس للجمهورية تعوزه القدرة أو الشجاعة لمواجهة التحديات التي تنتظر الوطن الذي لا وطن لنا سواه.
القضايا الجوهرية للحوار الوطني
لوطننا المعذّب مقومات موضوعية لبناء دولة زاهرة واقتصاد عملاق وثقافة متألّقة ودور عالمي في تطوّر حضارة الإنسان، وله خصوصيته الفريدة الناجمة عن تكوين مجتمعه، في التآلف والتعارف بين الأديان والشعوب، هذا الدور الذي غدا اليوم حاجة للعالم أكثر من أي وقت مضى.
من البديهيّ، أن لا مجال للنهوض الاقتصاديّ أو للإصلاح السياسي أو للتنمية البشرية أو للسلم الأهلي ما لم يتوافر للبنانيين دستور حديث لانتظام أداء السلطات ومؤسسات الدولة ويجسّد ثوابت ميثاق عيشهم المشترك، يتناول القضايا الجوهريّة التي أقرّها الميثاق، والتي لا تزال الفئات المكوّنة للمجتمع الوطني تعتبرها أساسية لتحقيق ذاتها في المساواة والكرامة، في جمهورية ديمقراطية برلمانية عصرية وفي وطن عزيز ومُصان.
تتناول الإصلاحات المعوّل عليها لتنفيذ الميثاق، تكريس الالتزامات الميثاقية المتبادلة بين اللبنانيين لقيام دولتهم اللاطائفية. وهي تشكل، في حال إقرارها، عقدًا اجتماعيًا يعبّر عن إرادة اللبنانيين في توضيح الأسس التي توافقوا عليها وإدراجها في الدستور "الكتاب" الناظم لعيشهم معًا وللعبور الى دولة المواطنة.
صيغة العقد الاجتماعي هذا لن تأتي من فراغ، إذ عليها أن تجسّد، بشجاعة وأمانة، مقتضيات الوفاق الوطني لمعالجة القضايا التي شكّلت في الماضي، ولا تزال تشكّل أساس الهواجس في الفكر الطائفي. وسيكون على هيئة الحوار وعلى المجتمع المدني تصوّر الصيغة التي توفّر للجماعات اللبنانية ترتيبات العيش معًا، التي لا بدّ أن تتناول التباين في وجهات النظر بين الجماعات على خلفية طائفية. قد لا يكون هذا التباين جوهريًا أو اساسيًا، ولكنَّ إغفال التوافق حوله، بنزاهة وشفافية، وتوثيقه في الدستور والقوانين والأنظمة، يترك الباب مشرّعًا لتجار الفكر الطائفي ولأعداء لبنان.
القضايا الأساسية للحوار
إنَّ القضايا الرئيسية التي شكّلت في الماضي أرضية الخلاف والتناقض بين الفئات اللبنانية على خلفية طائفية، والتي ما زالت تستدعي حوارًا وطنيًا نزيهًا وشجاعًا، هي:
المحور الأول: القيم الذاتية التأسيسية للجمهورية: أي وطن نريد
لا فرصة لقيام دولة حديثة ديمقراطية مستقرة محرَّرة من سجون الطوائف، ما لم يؤكّد اللبنانيون بشكل واضح ودقيق وغير ملتبس في دستور دولتهم الأحادية النصاب شراكتهم في الوطن على قاعدة المساواة والتزامهم النزيه بالقيم الذاتية التأسيسية لجمهوريتهم، كالحرية في الشأن العام والخاص والكرامة الإنسانية والوطنية، وحرية الضمير والفكر والمعتقد والتقيّد بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان في كل المجالات وحق المواطنين بالمساواة وبالعدالة الاجتماعية وبالصحة والتعليم، وهذه المبادئ العامة تستدعي استدراكها في النصوص الدستورية وفي القوانين.
المحور الثاني: الكيان والهوية الوطنية والهوية القومية
أقرّ الميثاق أن لبنان وطن سيّد مستقل ونهائي. وانه وطن عربي الهوية والانتماء. تتكامل فيه الهوية الوطنية اللبنانية مع الهوية العربية الجامعة، على اعتبارهما معًا هوية مستقبلية، يجسّدها انتماؤنا الى ميراث الحضارة العربية المتألقة والمحررة من الولاءات الدينية والعرقية والجغرافية والمكرّسة لدور لبنان ورسالته في دنيا العرب.
كانت بلاد العرب، على امتداد مساحتها، المسرح الأرحب للقاء حضارات البشر، منذ فجر التاريخ، قبل أن تتمخّض حضارةً عربيةً غنيةً بتراكم طبقات روحية شكلّت بتنوّعها مختبرًا إنسانيًا للتآلف والتعارف، لبلورة الهوية العربية المنفتحة والسمحاء التي نادى بها روّاد الفكر اللبنانيون، منذ القرن التاسع عشر، ونادوا بها منطلقًا وقاعدة لبناء مستقبل مشترك، يُعيد إلى العرب ما أعطوه للعالم، ويعيد لبنان الى موقعه في ورشة نهضة الشعوب العربية وعودة الروح الى حضارتهم وقيمهم. ومن المهم أن يؤكّد اللبنانيون خيارهم لهذه العروبة الجامعة، بدون انتقاص أو تجزئة.
المحور الثالث: فصل الدين عن الدولة
الدولة الزمنية التي تُلغي الطائفية هي البديل عن الدولة الطائفية التي تُلغي إمكان قيام دولة منجزة. وهي تطرح إشكالية فصل الدين عن الدولة، ودائرة الإيمان عن دائرة السياسة. ومن الراهن أن بإمكاننا، من طريق الحوار، إقرار نظام زمني خاصّ بنا، بدون الحاجة إلى تجاهل خصوصيات المذاهب والطوائف. وسيكون على الهيئة الوطنية للحوار طرح الحلول التي تصون حرية الضمير والمعتقد، بدون أن يؤدي ذلك إلى تحويل العلمنة الى دين جديد للدولة، أو إلى إشكالات المؤسسات الروحية في مآذارة سلطاتها على من تعتبرهم من رعاياها.
المحور الرابع: تكوين السلطة
إنَّ النظام السياسي الذي ارتضاه الاجتماع اللبناني للعيش معًا هو الديمقراطية القائمة على مبادئ أصبحت من النظام العام، الذي يتقدّم في تراتبية المعايير القانونية على الميثاق وعلى الدستور. ومن أهم هذه المبادئ اعتبار حقوق المواطن في المساواة والعدالة حقوقًا طبيعية مكرّسة، لا يجوز الانتقاص منها. وهي تنسحب على الجماعات وعلى الأقليات الدينية والإتنية، وتتقدّم على منطق الأعداد والتعداد.
اللبنانيون مجمعون في أدبيّاتهم السياسية على اعتبار مبدأ التوازن بين جناحي الوطن، واحدًا من المسلّمات الميثاقية التأسيسية للعيش معًا. إنّ حلّ الإشكالية المطروحة لتكريس هذه المسلّمة يمرّ بالتوافق على الضوابط التي تحدّ من تنامي عصب المتّحدات التفكيكية المؤدية إلى الانقسامات العمودية الملازمة لشهوة الاستحواذ أو لنوازع إلغاء الآخر وإقصائه، وقد أوكل الميثاق هذه المهمة النبيلة الى هيئة الحوار الوطني.
من نافل القول أن الشرط الإضافي الملازم لقيام الدولة الزمنية العصرية، يكمن في الكفّ عن تقاسم المناصب بين الطوائف، مما يعني، تحرير كافة المواقع في السلطة، بدءًا من رئاسة الجمهورية حتى حارس المحطة، من التخصيص والتقنين، وهذا هو جوهر ميثاق الطائف. ويعني ذلك توفير الفرصة لأي مواطن، بمعزل عن طائفته وانتماءاته، لارتقاء أي منصب عام. أي، تحرير المنصب من ملكية المواقع النافذة في الطوائف وإعادته إلى المواطن، بمعزل عن دينه ومذهبه وانتمائه، وبدون تمييز بين مواطن وآخر، لا في القوانين والأنظمة ولا في التطبيق.
السؤال الذي ينتظر الجواب من الهيئة الوطنية للحوار، المعوّل عليها للحفاظ على خصوصية هذا الوطن ومستقبل أجياله هو الآتي: كيف يمكن، في حال تخلّينا عن الطائفية السياسية وتوزيع السلطة حصصًا بين الطوائف، أن نوفّر الظروف لإنتاج سلطة وطنية تشارك فيها الجماعات اللبنانية على قدم المساواة من دون هيمنة فريق على آخر؟ وما هي الآلية التي توفّر الديمومة لهذه الصيغة، وتحافظ على التوازن والسلم الأهلي وتكون صمّام الأمان في الأزمات الوطنية؟
الجواب عن السؤال المطروح، هو في الحقيقة، الوسيلة المنطقية للبحث عن هذه الصيغة البديلة. فمن الراهن، في الأنظمة البرلمانية الديمقراطية، أن المجلس النيابي المنتخب بشكل سليم والذي يمثل مكوّنات الوطن هو المصدر الأساسي لكافة السلطات، لأنه مولج بإنتاج المؤسسات الدستورية ومراقبة أدائها ومحاسبتها. فلنفترض أن بإمكاننا إيجاد صيغة إجرائية تؤمن الحضور المتوازن، في مجلس نيابي تمثيلي يُنتخب خارج القيد الطائفي، وأن هذا المجلس الذي سيتألف من ممثلين منتخبين وفقاً للمبادئ الديمقراطية، سينتخب بدوره رئيساً للجمهورية، بمعزل عن انتمائه الطائفي، وكذلك رئيساً لمجلس النواب، وسوف تُشكَّل الحكومة وفقاً للأصول الديمقراطية، وستكون هذه الحكومة خاضعة لمراقبة ومحاسبة مجلس نيابي يُمثّل بصدق الشرائح اللبنانية كافة، دون أن يوفر للرئيس أو لوزرائه، من أي طائفة كانوا، حصانة مذهبية؛ ولنفترض أن ذلك سوف ينسحب على الموظفين في الإدارة. مهما بدا هذا الكلام تبسيطياً وعرضةً للنقاش، فلا بد من أن يؤدي التخلي عن نظام المحاصصة الطائفية، إلى البحث عن معايير بديلة، لتولّي المناصب في الإدارة والمجال العام، ترتكز على الكفاءة والجدارة، وسيكون على المسؤول مهما كانت طائفته انتهاج الحياد في مآذارة مسؤولياته مع المواطنين. فإذا توافرت هذه الآلية لإنتاج سلطة وطنية خارج نهج المحاصصة الطائفية، فسيكون عند ذلك، وعند ذلك فقط، إمكانية لقيام دولة زمنية أحادية النصاب، تراتبية وحيادية، خلافاً لواقع نظام المحاصصة الطائفي الفاشل والفاسد.
إذا قدر للدولة أن تقوم، سنتحرر أولاً تجاه العالم الخارجي من وصمة التخلّف، حيث ستكون لنا دولة عصرية مثل سوانا من شعوب العالم، كبديل عن تجمع طوائف متناحرة، لا تليق بما ندّعيه من تقدم حضاري. وسيتحول الأفراد من رعايا طوائف إلى مواطنين في دولة، لا حاجة لهم لوسيط أو شفيع معها. وسيعاد للموظف المحرر من الارتهان دوره في رعاية المواطنين وخدمة الشأن العام.
إن انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي، وخارج نظام المحاصصة، سيتيح إعادة تشكيل العلاقات الإجتماعية، وحمل اللاعبين في أعلى الهرم، المحررين من التبعية الطائفية، إلى الكف عن استقطاب اتباع لهم في المراتب الأدنى ليجاروهم المنطق ذاته. وسيصبح عندئذ من الممكن المحاسبة والمساءلة وتطهير الموظف الفاسد، وانتقاد هذا الرئيس او ذاك، دون أن يعني ذلك تعرضاً لهذه الطائفة أو تلك، وسوف يمكن حل أزماتنا الوطنية ديمقراطياً باللعبة البرلمانية دون الجنوح للإستقواء بالغير والبحث عن وساطة أو مرجعية خارجية أو شفاعة صديق أو شقيق.
