ماذا يقول أهل الطائف وضحاياه وخوارجه بعد عشر سنوات ؟ الجميل وعون: الاتفاق انتهى والموارنة عوقبوا وسوريا أخطأت

النوع: 

 

بعد عشر سنوات على ولادة اتفاق الطائف، يستمر شعور أغلبية المسيحيين بأن علاقتهم بالآني هي علاقة ب »امر واقع« مفروض اقليميا ودوليا ولا بد من زواله في يوم من الايام، وهكذا يتحول المسيحيون ولأول مرة في تاريخ نشوء دولة لبنان الى موقع المعارضة للنظام السياسي الذي طالما أرادوه على صورتهم وبدافع امومي، يجعل الآخرين قاصرين عن ممارسة فعل الأمومة الا بالتبني، لأنهم أولاد لبنان بالتبني لكنهم طالما انشدّوا الى الاب العربي »الأصلي«. فجأة يصبح المسلم الشاكي مشكوا منه ويصبح المسيحي المشكو منه في موقع الشاكي. انه انقلاب ادوار يدخل لبنان منذ عشر سنوات في مرحلة ما تزال تتسم بالانتقالية لكأن هناك من يريد للعبور ان يتحول الى اقامة ثابتة في جسر معلق بين صيغة انتهت وصيغة لم تأت بعد. من اين تبدأ معالجة علاقة المسيحيين بالطائف و»دولته«؟ تبدو العودة الى الوراء دعوة الى الحرب فهل تستبدل بدعوة الى الأمام لا أحد يعرف ملامحها بعد؟ هل نعود الى التاريخ السحيق لكي نستعيد صورة زعاماتنا المارونية مثل يوسف بك كرم مشوها وغيره حتى نستنهض همم المسيحيين، ام نبالغ في المراهنة على استعادة ماض مر فيه زعماء رحلوا مثل بيار الجميل وكميل شمعون وبشارة الخوري وسليمان فرنجية وما أتى من بعدهم من يتحلى بصفات الزعامة؟ ام نبالغ في تحميل حاضر قداسة طائفية لا يرتضيها سيده لنفسه أبدا؟ عشر سنوات على الطائف والتطبيع لم يحصل بعد بين المسيحيين والدولة، لأن الأولوية ما زالت في ذهن أغلبية الجمهور المسيحي ل »السيادة الوطنية«، ولا سيما في شقها المتصل بموضوع الوجود السوري في لبنان، فضلا عن ان اسلوب تنفيذ اتفاق الطائف كان مشوها الى حد عدم تعرف الجمهور اللبناني كله على النسخة الأصلية من »شريط الطائف«. في باريس، حاورت »السفير« الرئيس الأسبق أمين الجميل وقائد الجيش السابق العماد ميشال عون، الأول بصفته رمز وصول الكتائب بعد مقتل بشير الجميل الى سدة رئاسة الجمهورية لأول مرة بعد اجتياح العام 1982 وصاحب فضل اساسي في تولي قيادة عهد أوصل لبنان الى ذروة التأزم الفراغ تاركا البلد رهن ارادة العسكري ميشال عون. وحاليا يصح القول في أمين الجميل انه من »أعداء الطائف« مع انه يرفض لنفسه اي انتساب لهذه الصيغة السياسية، وهو الذي كان اعترف سابقا بضرورة الإصلاح قبل ترك منصبه فقط. والثاني (ميشال عون) بصفته أحد صانعي اتفاق الطائف غير المباشرين وأحد ألد أعدائه المهزومين وأحد ضحاياه المغلوبين على أمرهم. من الصعب تصنيف الرئيس الأسبق امين الجميل والجنرال ميشال عون في خانة محددة حيال اتفاق الطائف، فلا هما من صانعيه ولا من ضحاياه، وفي الحالتين لم يعلقا عليه اهمية في البداية وباتا يعتبرانه في حكم الملغى راهنا، ولعل مشكلة الرجلين تكمن في قراءة الظروف التي احاطت سابقا بالاتفاق بحيث ان الاول ايده لكنه اصبح لاحقا من معارضيه، والثاني حاول الحؤول دون قيامه فأصبح خارج اللعبة والوطن، اما اليوم فإن الجميل وعون مقتنعان بوفاة الاتفاق، ليس فقط لأن شيئا من بنوده لم يطبق ولكن ايضا لأن الكثير من مؤيديه السابقين ارتدوا عليه. وفي الذكرى العاشرة لصياغة هذا الاتفاق، زارت »السفير« الجميل وعون اللذين وإن كانا سعياً مراراً لإقامة حلف معارض في الخارج إلا انهما بقيا متباعدين حيال الأهداف والوسائل، ولعل القاسم المشترك الوحيد بينهما حاليا هو قربهما في السكن في »منفاهما« الباريسي بعد انتقال الجنرال من منطقة »لا هوت ميزون« الى باريس. الرئيس الجميل يرفض السؤال عما اذا كان يعتبر نفسه اليوم ضحية الطائف، ويقول »ان السؤال الأهم هو حول لبنان كدولة، فهل استفاد وطننا من هذا الاتفاق ام لا؟ وذلك لأننا نحن كأشخاص عابرون، وبقدر ما يستقر الوضع في لبنان بقدر ما يرتاح المواطن ويستقر، وأنا لم تعد لي اهداف شخصية خاصة، وانما انظر الى الوضع بنظرة شمولية وليس نظرة شخصية حصرية«. ويضيف بل»لا بد من التذكير اليوم بأنه عندما تفاهم النواب اللبنانيون في السعودية على وثيقة الوفاق الوطني التي سميت في ما بعد باتفاق الطائف، اصدرت بيانا رسميا علنيا وواضحا اعربت فيه بداية عن شكري للعاهل السعودي الملك فهد وهنأته والنواب اللبنانيين على الانجاز، واعتبرت منذ البداية ان في الاتفاق ايجابيات كثيرة أبرزها انه اداة فضلى لوقف النزف وآلة الحرب والهجرة، فآنذاك كنا بحاجة لكي نتنفس، لكني في الوقت نفسه تمنيت على النواب ان ينكبوا على الهنات العديدة التي تضمنها الاتفاق لكي يصار الى معالجتها بحيث يصبح الاتفاق فعلا اداة لإعادة بناء الوطن والمواطن«. ما هي السلبيات؟ يجيب الرئيس الجميل »ثمة سلبيات عديدة، ويحضرني منها الآن: أولاً: قضية العلاقات بين المؤسسات الدستورية لأنها بالصيغة التي وردت بها تخلق مشكلات وتشابكا بين الصلاحيات وتعطل سلطة الدولة بحيث يصبح لبنان بدون رأس ولا قيادة، وهذا ما حصل، وقد كان الاستاذ طلال سلمان في صحيفتكم »السفير« اول من اطلق تعبير »الترويكا« مع كل ما حمله هذا الاسم من تشابك وتناقض في صلاحيات رؤوس الدولة. ثانياً، موضوع السيادة اللبنانية، فقد خلا الاتفاق من اي شيء يعالج بالعمق مشكلة السيادة اللبنانية، الامر الذي دفع في ما بعد ابناء الطائف أنفسهم او لنقل جزءا كبيرا منهم للتنبه الى هذه الفجوة والبدء بحملة اعتراض وانتقاد، ونرى اليوم ان اشد متحمسي الأمس باتوا اشد المعارضين. هل يعني ان الرئيس الجميل خائف على صلاحيات الرئاسة؟ يسارع الرئيس الأسبق الى الجواب بالنفي، ويعتبر ان المشكلة لا تكمن في انتزاع صلاحيات من رئيس الجمهورية وإعطائها لرئيس الحكومة، »فالتجربة في لبنان علمتنا ان حل القضايا الكبيرة في لبنان كان يستند الى تسويات وتوافق وطني، وان الاتفاقات غير المكتوبة هي اكثر فعالية من كل النصوص، ولعل دراسة معمقة لهذا الموضوع في التجربة اللبنانية ستثبت أن اللبنانيين كانوا يتفقون على الكثير من القضايا بما يشبه العرف اكثر من استنادهم الى النص المكتوب، وأستطيع ان اعطي امثلة كثيرة على ذلك أكان بالنسبة لبعض القرارات التي اتخذناها في عهدي او بالنسبة لتشكيل الحكومات، وأذكر كيف ان الرئيس رشيد كرامي رحمه الله كان يصر على رأيه ويعاند وكيف انه رفض بعض الأسماء في الحكومة التي كان من شأنها ان تساهم في مسيرة انقاذ لبنان، والأمر نفسه كنا نتوافق عليه مثلا حين يتعلق الأمر بتعيين حاكم لمصرف لبنان، بحيث ان قراراتنا بين رئيس الجمهورية والحكومة والوزراء كانت توافقيه«. من هنا، يعتبر الجميل »ان الزمن قد تجاوز الطائف اليوم، هذا الاتفاق الذي لم يتم احترام حتى ما جاء فيه، فمثلا عدد النواب، او اعادة انتشار الجيش السوري، او طريقة التعاطي مع القرارا 425 او تنظيم الإدارات، وكلها مسائل مهمة لقيام الدولة وتحقيق الاستقلال والسيادة والتوازن الداخلي، لكن ما نراه اليوم هو ان الجزء البسيط الذي نفذ من الطائف جاء يخدم مصالح ضيقة لبعض الجهات المحلية او الإقليمية«. من يعني بكلامه؟ يقول الجميل »ان رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري اختزل الطائف بشخصه، وتحت ذريعة التخلص من الهيمنة المزعومة لرئيس الجمهورية تم استبدال الهيمنة بهيمنة جديدة، لا بل حصل اختزال للسلطة بشخص الحريري وطاقم من الموظفين في مؤسساته التجارية التي تسلمت مقدرات الوطن بلا حساب، واحتكر الحريري مؤسسات الدولة بشخصه وأحكم القبضة عليها بالمال«. لكن الهراوي كان رئيساً للجمهورية؟ يجيب الرئيس الأسبق »هناك مثل فرنسي يقول »ان الذي يعطي هو صاحب الأمر«، كان الرئيس الهراوي يتقاضى اموالا من الرئيس الحريري هو نفسه لم يخفها فكيف له اذا ان يناقض الحريري فغرق باهتمامات شخصية، الامر الذي اضعف موقع الرئاسة في كل الاستحقاقات، وبدلا من الاستفادة من ايجابيات الطائف بحيث يصار الى اجراء انتخابات نزيهة ويوضع قانون انتخابي رأينا كيف كانت المهزلة في انتخابات عامي 92 و96 بحيث كان التزوير كبيراً وتوسعت الهوة بين الناس«. سوريا والاستقلال وأما عن العلاقة مع سوريا وموضوع السيادة والاستقلال، فيبدو الرئيس الجميل راغبا في استخدام لغة مهدئة، ويقول »لا اريد العودة الى سلبيات الماضي حيث كان التعامل السوري دائما فوقيا مع القيادات اللبنانية المسيحية والإسلامية وكانت الأخطاء كبيرة في التعامل منذ الاستقلال وعهود شهاب وشمعون وسركيس مروراً برياض الصلح وصبري حمادة وصائب سلام وصولا الى يومنا هذا، فقد كانت سوريا تعتقد، مخطئة، انها لو احكمت قبضتها على لبنان فإنها ستساهم في تطويعه بدلا من ان يكون التعامل فعلا تعامل بلدين شقيقين، ولئن كنا نتفهم القلق السوري في المراحل الحرجة، فقد اعتقدنا انه مع اتفاق الطائف وتغير موازين القوى وسط الظروف الدولية والإقليمية التي باتت تحيط بلبنان سوف يتغير التعامل السوري مع لبنان لا سيما وان اللبنانيين مدركون ان وقوفهم الى جانب سوريا مهم للطرفين لا سيما في معمعة السلام ومتطلباته، لكن الطائف لم ينفذ كما ينغبي ولم نستطع بعد، رغم كل المحاولات التي بذلت منذ عهدي حتى اليوم، من إقامة علاقات متوازنة وخلق مناخ من الثقة بين البلدين بحيث يصبح التعامل صادقا وعفويا وتغدو سوريا فعلا الشقيقة الكبرى، ولبنان كان ولا يزال بعلاقاته الدولية سندا لسوريا وورقة ايجابية لها على الصعيد الدولي، اما اذا اختفى لبنان فهل يمكننا ان نتحدث عن علاقات او عند سند«. ويضيف »ان سوريا لم تنفذ اي بند من بنود الطائف في ما يتعلق بوجودها في لبنان، الامر الذي فتح التحليلات على اكثر من احتمال في هذه الأوقات العصيبة من عملية السلام«. والجميل الذي يكرر اكثر من مرة انه يفضل الحديث كسياسي لبناني وليس كقيادي مسيحي ماروني، يرى ان اتفاق الطائف سعى لأن يجعل من بعض الطوائف المسيحية مكسر عصا، فللموارنة دور اساسي في تكوين الصيغة اللبنانية وخلق التضامن العربي لمواجهة الخطر الصهيوني، ومعظم المذكرات او كتب التاريخ التي صدرت مؤخراً تؤكد على الدور الكبير الذي لعبه جدي الدكتور امين وأخوه الشيخ يوسف الجميل في محاربة الانتداب الفرنسي، تماما كما كان الأمر مع والدي الذي سجنه الانتداب حين تولى قيادة الكتائب والنجادة وخشي الفرنسيون من نزعاته الاستقلالية، ولذلك نقول اننا لسنا بحاجة الى احد ليعطينا امثولات بالعروبة، وان الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر نفسه الذي كان رمزا للعروبة، لدى الكثيرين، كان منح الشيخ بيار وشاح النيل احتراما وتقديرا منه لتوجهات الكتائب ومؤسسها، فماذا حصل مع الطائف جيء بنائب آخر عن بيروت التي كان يمثلها الشيخ بيار، نائب لا يمت بصلة لتاريخه وكذلك الامر مع جان عبيد خلفا لكميل شمعون في الشوف، ويبدو الامر منذ الطائف والانحرافات السياسية التي لحقت ان ثمة رغبة في المجيء بقيادات لا تمثل لا مناطقها ولا شعبها وانما تكون فقط موالية او تابعة لدمشق«. ويضيف »ان في الطائف ايجابيات كثيرة كان ينبغي ان تتم الإفادة منها لتحصين الساحة اللبنانية، وفي تحصينها هذا مصلحة لسوريا انطلاقا من المثل القائل »جارك بخير اذا انت بخير«، والمطلوب الآن تحصين موقف سوريا، مطلوب ذلك من لبنان والاردن وكافة الدول العربية لمواجهة اسرائيل«. ويبدو الرئيس الجميل متوسما خيرا في العهد الجديد بقيادة الرئيس اميل لحود »الذي يستحق كل دعم ومؤازرة لأن في نجاحه نجاحا للبنان، ونعتقد بأنه بما يتمتع به من سمعة جيدة وعلاقات مع الجميع وانعدام الأنانية والمصالح الشخصية قادر بانفتاحه تحقيق نقلة نوعية في العلاقة بين لبنان وسوريا وبين اللبنانيين انفسهم«. عون عون وفي هذه الذكرى يبدو كمن يشعر بأن لا التاريخ أنصفه ولا المؤرخون صدقوه، ويقول انه يفضل عدم الرد على ما جاء من كلام تناوله في مذكرات رئيس الجمهورية الياس الهراوي »لأنه لا يريد إعطاء الهراوي حجما لا يستحقه«، ويجد ان افضل وسيلة لرد كيد أخصامه هي في العودة الى التاريخ وترك الناس يحكمون على تلك التجربة التي ليس نادما على شيء فيها. السيادة ثم السيادة! وفي العودة الى التاريخ يقول »حين أخبرنا الأخضر الابراهيمي باجتماع السعودية وأرسلت الينا الوثيقة الدستورية، لم أوافق على الاجتماع من منطلق دستوري وسيادي، فمن جهة قلت ان النواب ما عادوا يمثلون الشعب لأنهم منتخبون عام 1974 والمعطيات التي أدت الى انتخابهم سابقا تغيرت، ومن جهة ثانية لا يمكن دستوريا عقد جلسة لمجلس النواب خارج الوطن فقال لي النواب ان الامر هو مجرد جلسة تشاورية، فعرضت عليهم ان يلتقوا في مجلس النواب وأنا أضمن حمايتهم، لا بل قبلت اقتراح الرئيس حسين الحسيني برفع كل الجيش من محيط المجلس لكي لا يفسر الامر وكأنني جئت بهم للضغط عليهم، وفكرت آنذاك بأني لا أريد منع النواب من التوجه الى البرلمان او اللقاء لأني لا أريد ان يقول البعض لاحقا ان لبنان كان أمام فرصة تاريخية وان الجنرال ضيعها، فأنا لم أتولى الحكومة لكي أبقى في السلطة وانما لأؤمنها بحيث تكون الحكومة لتصريف الاعمال باستثناء اجراء انتخابات حرة ونزيهة«. واضاف »قلت للنواب اني لست مع الذهاب الى الطائف، فقالوا لي انهم لن يذهبوا اذا لم أعطهم موافقتي، عندها اتفقنا على أولويات تمثلت بأن تقر الوثيقة انتخابات رئاسية، وانسحاب سوريا او برمجة الانسحابات، والاصلاحات، وقلت لهم انا لا تهمني كثيرا الاصلاحات وإنما السيادة ويمكن ان تتناتشوا وتتشاوروا واتفقوا على ما شئتم بالنسبة للاصلاحات ولكن ليس حيال السيادة«. وماذا كان موقف الهراوي؟ هل صحيح ما قاله من انه اعترض وقال اذا كنت جئت بنا لتفرض موقفا فنحن لا نقبل؟ يجيب عون »لا أذكر انه كان للهراوي موقف مميز في ذاك الاجتماع بل انا الذي قلت للنواب اني لا أريد إملاء شروط، وانه في حال ذهب مركز القرار من بعبدا الى مكان آخر فان ذلك سيعطل مركز القرار الذي سينتقل الى مناطق غير حرة، وقلت اننا في وضع سيء ومن غير المسموح ان ننتقل الى ما هو أسوأ منه، وبيار دكاش لا يزال حتى اليوم يذكرني بذلك، كما ان جوزيف جريصاتي كتب المحضر«. ولكنك هددتهم مرارا حين كانوا في الطائف؟ يسارع لرد الاتهام »هذا غير صحيح مطلقا، انا تحديتهم للعودة ومواجهة الشعب وأخذت على عاتقي أمنهم الشخصي، ولم يكن في الاساس اتصال بيننا سوى مرة او مرتين وكان جورج سعادة يرد علي في كل مرة احذر من المساس بالسيادة او التنازل عن الحقوق بالقول أعوذ بالله، بقي حتى اللحظة الاخيرة يؤكد لي ذلك، كنت اقرأ أخبارهم في الصحف وأستخلص استنتاجات أبني عليها خطبي للشعب، وكان دوري شمعون يتولى الاتصال، على كل حال الاتصالات الهاتفية مسجلة في السعودية وأنا اتحدى أيا كان ان يستمع اليها ويقول لي ان كنت أقول عكس ما أرويه اليوم«. هل كان ميشال عون يخشى على صلاحيات رئيس الجمهورية؟ يسارع الى القول: »الاصلاحات لم تكن تهمني بقدر الحريات والسيادة، فأنا لا ازال متمسكا بفكرة انه مع نظام علماني يمكن للمواطن اللبناني ان يتخلى عن الاختباء وراء مذهبيته والاحتماء وراء الطوائف ويصبح القضاء ملاذه، وهذا أساسا ما طرحته في اللجنة السداسية التي انعقدت في تونس«. ويخرج عون كتابا كان أرسله الى الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، وصودف اننا كنا نجري الحديث مع الجنرال في ذكرى اليوم نفسه من إرسال الرسالة قبل 10 سنوات ويقول له فيها ان لا اعتراض له على الصلاحيات وانما قلقه كبير حين يقرأ نص الطائف »على استقلال لبنان ومستقبل علاقته بسوريا بحيث يعطى الاحتلال السوري تشريعا عبر هذه الروزنامة الفضفاضة لإعادة انتشاره«. هذا بالنسبة للتاريخ، فما هي مآخذك اليوم على الطائف؟ يجيب الجنرال »لم يطبق شيء من الطائف فلا المسلم حكم ولا المسيحي، القرار لا يزال في دمشق، واللبنانيون ممنوعون اليوم من التحاور في ما بينهم، يا أخي أنا زرت قبر السيد جوفنيل واضع الدستور اللبناني الذي لم يتغير حتى اليوم رغم ان فرنسا نفسها صارت في الجمهورية الخامسة زرته ووضعت إكليلا من الزهر لأنه سمح للبنان ان يكون له وللمرة الأولى هيكلية دولة«. لكن فرنسا وافقت على اتفاق الطائف وباركته؟ يضحك عون الذي كان وجد الحماية في سفارة فرنسا ببيروت ثم في فرنسا نفسها بعد نفيه عن لبنان ويقول »بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار المنظومة الاشتراكية بات في العالم قوة واحدة، ولا فرنسا ولا غيرها قادرة على الوقوف بوجهها، وما حصل في لبنان جاء نتيجة لتفاهم ضمني سوري اميركي اسرائيلي، ويجب الا يغيب عن بالنا ان اتفاق الطائف جاء ليحل محل اتفاق الأسد مورفي على قضايا شرق أوسطية منها حرب الخليج وإخراج اليهود من سوريا والموافقة على محادثات ثنائية، حصل ذلك قبل ان أصبح رئيسا للحكومة بخمسة عشر يوما، وقلت مرارا ان لبنان أخذ ليدفن حيا، ولما طلب مني ان أتحاور مع سوريا قلت في رسالتي الجوابية الى وزير الخارجية الاميركي جيمس بيكر »ان لبنان يريد ان يقوم بالتزاماته حيال سوريا للحفاظ على مصالحها شرط ان يبقى سيدا ومستقلا، فموضوع السيادة والاستقلال غير قابلين للنقاش ونحن نأمل بالتمتع بأبسط الحقوق السياسية التي ينص عليها الدستور الاميركي نفسه اي الحياة والحرية والسعادة، وقلت ايضا انه اذا كان لا بد من ان نخسر لبنان سيكون ذلك من خلال صراع مشرف وليس عبر الدبلوماسية الدولية التي تبدو متمنية لنا ان نوصي بوطننا ارثا للآخرين وكأننا نسير بجنازتنا«. وقبل ان نطرح على عون السؤال عن سبب معاداته لسوريا واعتباره وجودها احتلالا، يجيب »نحن لم نقل مرة واحدة اننا لسنا ضد علاقات مميزة مع سوريا، لكننا رفضنا ان يفرض علينا ذلك بقوة المدفع، وانا أقول احتلالا لأن التعريف قانوني، فعندنا رئيس الجمهورية والحكومة والوزراء والنواب كلهم تعينهم دمشق، وفي كل احتلالات العالم كان يسمح للمعارضة بالنجاح«. لكن الطائف وحماية سوريا انقذا لبنان من حرب ضروس وأوقفا آلة الحرب اليس ذلك إنجازا للطائف؟ يبتسم عون مجددا ويضيف »يا أخي حين يصل المحتل الى الدولة المقصودة يوقف آلة الحرب وهذا معروف في التاريخ والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن الطائف لم يقدم شيئا للبنان في هذا السياق، فإيقاف الحرب الداخلية جاء بقرار سياسي لأسباب إقليمية ودولية ولبنان لم يكن معنيا لا بحربه ولا بإيقافها وذلك لأن الذين أشعلوها قرروا إخمادها، والطائف لم يعط شيئا على المستوى السياسي لا للحريري ولا للحود ولا غيره، القرار لا يزال خارج الوطن«. هل أخلّ الطائف بالتوازنات الداخلية فأخذ من الموارنة ليعطي المسلمين؟ يجيب عون »أنا أتجنب عادة الخوض بمواضيع طائفية، وقد كنت سباقا في رفع العلمانية شعارا، لكني أستنتج ان الطائفة المارونية عوقبت لأنها كانت طائفة مقاومة باسم لبنان، ولبنان قام أساسا على جهود الطائفتين المارونية والدرزية، وكلنا يذكر قصص الجبلين الصغير والكبير، وعلى كل حال وليد بك لحق نفسه وصار يقول اليوم كلاما مناسبا بحق الطائف«. يغادر زائر الجميل وعون في الدائرة السابعة عشرة، طارحا على نفسه سؤالا واحدا »هل فعلا استفاد لبنان من اعتماده سياسة النفي، أولم يكن أفضل للقائمين على السلطة من ترك الجميل وعون في لبنان اذا كانوا مقتنعين بأن ما يقولانه لا أساس له من المنطق؟«.

الكاتب: 
سامي كليب
التاريخ: 
الثلاثاء, نوفمبر 2, 1999
ملخص: 
الجميل يرفض السؤال عما اذا كان يعتبر نفسه اليوم ضحية الطائف، ويقول »ان السؤال الأهم هو حول لبنان كدولة، فهل استفاد وطننا من هذا الاتفاق ام لا؟ وذلك لأننا نحن كأشخاص عابرون، وبقدر ما يستقر الوضع في لبنان بقدر ما يرتاح المواطن