القبس تنشر أوراقا من مذكرات البطريـــرك صفير (1992 – 1998).. حول لبنان(2) 29 نائبا مارونيا حاولوا الرد على اتهام صفير لهم بأنهم «شهود زور

النوع: 

سلاح الموقف، أمضى الأسلحة، في عرف البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، في تمزيق أغشية الأوهام، وابقاء شعلة الحرية والكرامة متقدة في نفوس اللبنانيين، وتذكير المجتمع الدولي أن ثمة شعباً مظلوماً متروكاً لقدره، وهو سلاح لا يؤذي أحداً ولا يمس كرامة ولا يسفك دماً، وان كان في حده الحد بين الحق والباطل. امتشق بطريرك الموارنة سلاح الموقف ورهانه على كرامة المواطن اللبناني وعزة نفسه، وقد أيقن منذ البداية أن هذا الانسان سينتفض على واقعه، أطال الزمن الرديء أم قصُر. وقد تأخر اللبنانيون، أو بعضهم، في ادراك جدوى وفاعلية هذا السلاح في مواجهة أسلحة القمع والتسلّط واستعمال العنف لالغاء المواقع المعارضة. وقد أظهرت الأيام أنه الأجدى والأسلم وأنه يوصل في النهاية الى الهدف من غير المخاطرة بحياة الناس وكراماتهم. بحلول تشرين الأول 1992، أي مع انتهاء العمليات الانتخابية، تحولت بكركي الى مرجعية وطنية مساوية للمرجعيات الدستورية الثلاث مجتمعة التي باتت تمثل فقط مواقع نفوذ سورية تنفذ سياسة دمشق في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط. فيما استمرت بكركي المعقل اللبناني الحر الأخير الرافض للأمر الواقع الذي نظّر له كثيرون، واستقوى به آخرون، ودعا فريق ثالث البطريرك الى الالتحاق به على قاعدة تحالف الأقليات الدينية لتعزيز وضع المسيحيين واعطائهم أكثر مما هو مقدّر لهم في الدستور. وبين تأمين مصلحة اللبنانيين، وتأمين مصلحة المسيحيين، اختار البطريرك أن يدافع عن لبنان لثقته بأن ما هو خير للبنان هو خير للمسيحيين وليس العكس. في حين إن كثيرين لم يتمكنوا من الصمود أمام هذه التجربة وفضّلوا أن يقدّموا مصالحهم الشخصية ومصالح طوائفهم على مصلحة لبنان العليا. يغطي الجزء الثاني من السيرة البطريركية الأحداث الواقعة بين العامين 1992 و 1998 وموقف البطريركية المارونية منها، في فترة صعبة للغاية، كان على البطريرك الماروني السادس والسبعين أن يوازن خلالها ويوفق بين أمرين: أن يدافع عن شعبه المستهدف بشكل مبرمج، والثاني أن يحافظ على الخط الوطني للبطريركية المارونية التي طالما تميزت بالدفاع عن الكيان اللبناني ومقوماته ككل. لقد كان أسهل على سيد بكركي في المرحلة السابقة أن يقصر مقاربته للشأن العام على مواقف وطنية تطال الخير العام للّبنانيين تاركاً للقوى السياسية المسيحية مسؤولية التفاهم مع القوى السياسية الاسلامية على الشؤون التفصيلية وحقوق كل طائفة. بيد أنه وجد نفسه مضطراً الى أن يتولى مهمة الدفاع عن المسيحيين الذين تعرضوا لحملات مركزة من قمع وسجن ونفي واعتقال وتعذيب. ورغم قيامه بهذا الدور بشجاعة كبيرة، لم يُشعر القواعد الشعبية الاسلامية أن نضاله لا يشملها وأن مواقفه أهملتها، لذلك تعاطفت معه وأيدته وأشعرته بدعمها، ولو المستتر له. ولعل هذا الدعم، اضافة الى مؤازرة مجلس المطارنة الموارنة وصلابته، هو ما مكّن البطريرك من الصمود طويلاً كسنديانة عتيقة عميقة الجذور في مهب الريح العاتية الرامية الى اقتلاع كل ما يقف في وجه هيمنتها على لبنان. صفير لم يقبل اقتراحاً من الـحريري للقاء مع الهراوي وبري وجنبلاط ما غاب عن انتباه السياسيين – ولا يزال – أن للكنيسة اعتبارات تختلف عن اعتباراتهم. فهي تتمسك بأبنائها حتى لو تركوها، وتفتح أبوابها للجميع، من دون استثناء، ولا تدع أحداً يعود خائباً. بهذا التفسير واجه البطريرك والأساقفة الموارنة المعترضين، من أبنائهم ومن غير أبنائهم، على استقبالهم النواب الجدد الذين لم يلتزموا بخط بكركي. ويشير راعي أبرشية انطلياس المطران يوسف بشارة الى أن «موقف الكنيسة لا يمكن أن نفهمه الا اذا انطلقنا من مبدأين: الموقف السياسي الوطني الذي يؤكد على الثوابت الوطنية، والموقف الراعوي القائم على العلاقة التي تربط البطريرك الماروني بأبنائه حتى أولئك الذين يأخذون مواقف وطنية معاكسة لموقف البطريرك في القضايا الوطنية. هؤلاء ليس بامكان الكنيسة أن تتنكر لهم. ان من يعيبون على البطريرك أو الكنيسة التعاطي مع من خالفوا توجه بكركي ولم يلتزموا بالمقاطعة ويطالبون ألا يستقبلهم السيد البطريرك، انما يحاولون أن يفرضوا على الكنيسة مواقف سياسية، ولكن حتى في التعاطي السياسي النبيل لا تصل الأمور الى درجة القطيعة. ومن وجهة نظر راعي أبرشية جبيل، المطران بشارة الراعي فان الأسرة الدولية «اعترفت بعملية الاغتيال للديموقراطية ولرأي الشعب اللبناني وغطتها، وشرعّتها، ولهذا اعتبرنا مجلس النواب المنبثق من هذه الانتخابات شرعياً لكنه غير ممثل للارادة الشعبية. والسلطة الكنسية المتمثلة بالبطريرك لا تستطيع أن تقاطع السلطة الشرعية. وهو لم يتكلم مرة عن لا شرعية النواب بل عن عدم تمثيلهم للشعب. الكنيسة لا تقاطع بل تحاور. وان هي دخلت في مشروع المقاطعة ستصل الى وقت لا تكلم فيه أحداً في حين أنها مؤتمنة على مد الجسور بين الناس واحترام السلطات القائمة. سيدنا ينطلق من التمـــــييز بين الشخص كشخص والأعمال الناتجة عنه: الشخص يحترمه ويستقبله ويستبقيه الى مائدة الغداء، ويكرمه، ولكن الأعمال لا يصمت عنها وهو يقول هذا صح وهذا خطأ. قيل الكثير عن أنه لم يكن يفترض بالبطريرك أن يستقبل النواب المنتخبين عام 1992، لكنه كان يستقبلهم كنواب شرعيين ويقول لهم ويعلن أمام الجميع أن لديهم مشكلة في التمثيل». وكان البطريرك صفير تشاور مع الأساقفة في الثاني من أيلول 1992 حول الموقف الواجب اتباعه حيال المجلس النيابي المنتخب على رغم ارادة اللبنانيين. فهو، على عادته، لا يتفرد في اتخاذ الخيارات الأساسية. وقد توافق يومها المطارنة الموارنة على أن «موقفنا هو موقف التحفظ وليس موقف العصيان المدني، لأنه يجب أن يكون لنا موقف ثابت في المطالبة بتطبيق اتفاق الطائف بكل بنوده وبعدم الغاء الطائفية السياسية دون تحضير كاف لها. (…) ان عملنا يتميز عن عمل السياسيين وهو يحكم بضوء المواقف المبدئية». وخلص الأساقفة الموارنة بعد مناقشة وافية لكل التحديات والهواجس والمخاطر التي تحملها المرحلة، الى توافق «على وجوب التمييز بين تصريف الأمور العادية، وهي مقبولة، وبين القرارات المتعلقة بشؤون مصيرية وهي تفرض أن تتخذ حيالها المواقف الملائمة». وكان النواب المسيحيون المنتخبون، وبخاصة الموارنة، يزورون الصرح البطريركي تباعاً، ليضعوا «ذواتهم بتصرف غبطة البطريرك»، على ما قالوا له جميعاً ، وليعرفوا تحديداً موقفه منهم، ومن مجلس النواب الذي عارض بحزم ووضوح طريقة انتخابه. وكثيراً ما كان من تأخروا عن الزيارة البروتوكولية، يتصلون بمن سبقهم من زملائهم الى بكركي ليسألوهم عن شكل استقبال البطريرك الماروني لهم. ماذا قال حسين الحسيني؟ وكان الرئيس حسين الحسيني من ضمن النواب الذين زاروا الصرح البطريركي غداة انتهاء الانتخابات، فعند وصوله، في الساعة الأولى والنصف من السادس عشر من تشرين الأول، كان في انتظاره حشد من رجال الاعلام اهتم بتغطية وقائع زيارته، وقد جاءت بعد غياب طويل نسبياً شهدت البلاد خلاله الانتخابات النيابية التي عارضها البطريرك صفير بقوة للأسباب المعروفة، وبخاصة قانون الانتخاب الذي صوت رئيس مجلس النواب لصالحه. وقد اهتم الرأي العام كثيراً، في حينه، بمعرفة ما تداول به سيد بكركي وضيفه، لكونه أحد أبرز من سوّق اتفاق الطائف لدى البطريرك مؤكداً له أنه قائم على مبدأ الحفاظ على العيش المشترك، ولأن الحسيني عاد وعارض نتيجة الانتخابات كاشفاً عن تجاوزات كبيرة في مجريات العملية الانتخابية في الدائرة التي ترشح عنها. وارتدت الزيارة أهمية أيضاً لكونها أتت غداة انتخاب رئيس حركة أمل نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي. تكلم الرئيس الحسيني ثلاثة أرباع الساعة في شكل متواصل، وأصغى البطريرك صفير، على عادته، الى كل ما أدلى به ضيفه. بدأ بتوضيح ملابسات خلافه مع رئيس الجمهورية الياس الهراوي الذي سعى بكل جهده لكي يقصيه عن رئاسة مجلس النواب. وأعرب عن اعتقاده أن زيارته الى روما أواخر كانون الثاني من السنة نفسها، كانت سبب غضب الرئيس الهراوي عليه، لأنه اعتبر أنه تجاوز بذلك صلاحياته كرئيس للمجلس النيابي. وكانت غاية الزيارة، على ما كشف الحسيني للحبر الماروني، اقامة علاقة أوثق بين الفاتيكان وسوريا، بحـــــيث يــــكون لسوريا سفير لدى الفاتيكان مقيم في روما. وأضاف أن نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام عطّل المسعى، في حين كان الرئيس حافظ الأسد سيوفد الى الفاتيكان وزير خارجيته فاروق الشرع. وأردف بالقول: «وما أن عدت من روما، حتى شن عليّ الرئيس الهراوي حملتين داخلية وخارجية، في لبنان وفي سوريا. وعلمت، فيما بعد، أن رئيس الجمهورية أوفد النائب فؤاد السعد الى الفاتيكان لاستطلاع ما جرى من محادثات بين المسؤولين في الفاتيكان وبيني». الهراوي أساء للرئاسة وقد أخبر الحسيني سيد بكركي أن الرئيس الهراوي طلب من نظيره السوري استبداله بنبيه بري: «لكن الرئيس الأسد استمهله في الاجابة ريثما يقابلني. وعندما طرح الموضوع عليّ قلت له: لا بأس، ما يهم هو مصلحة البلاد قبل كل شيء. ما يزعجني في الرئيس الهراوي أنه يسيء الى موقع الرئاسة الأولى فهو يتصرف كرجل عادي لا كرئيس، كأنه غير مصدق أنه أصبح رئيساً للجمهورية». وانتقل الرئيس السابق للمجلس النيابي الى تعداد ما يعتبره الركائز التي يقوم عليها لبنان. وفي رأيه أنها ثلاث: الوفاق الوطني، والتفاهم مع سوريا، واخراج اسرائيل من لبنان. وقال: «أما البندان الأخيران فباستطاعة الولايات المتحدة أن تساعدنا على تحقيقهما بالضغط على اسرائيل وسوريا». لقاء الأسد ثم تطرق الحسيني الى موضوع زيارته قبل خمسة أيام الى دمشق حيث التقى الرئيس الأسد لمدة ست ساعات معتبراً أنها من أنجح الزيارات التي قام بها الى العاصمة السورية. وكشف عن أن الحديث فيها تناول كل المواضيع ومن بينها موقف بكركي. وقال: «سألتُ الرئيس الأسد: هل سمعتم أن البطريرك صفير أقام علاقة مع اسرائيل؟ أجابني: لا. سألته أيضاً: هل رأيتموه تنكّر للعيش المشترك؟ أجاب كذلك: لا. وعندها قلت له: اذا للبطريرك هواجس، وقد يكون من الأفضل أن تبنوا علاقة معه لتبديد هذه الهواجس. يأتي اليكم بعض اللبنانيين ليصوّروا لكم أنهم وحدهم مخلصون لسوريا وأن سواهم يضمر لها العداء. هذا غير صحيح، يا سيادة الرئيس، البطريرك يريد للبنان أطيب العلاقات مع سوريا ضمن اطار السيادة والاستقلال». وترك الرئيس الحسيني موضوع الانتخابات النيابية الى النهاية. وقال انه لم يكن بمقدور المجلس النيابي منعها لأن الحكومة حوّلت مشروع القانون الى مجلس النواب فلا يستطيع هذا الأخير رده أو اهماله. وأضاف: «انتظرت ثلاثة أيام ظناً مني أنكم ستجمعون بعض النواب وتقدمون على ما من شأنه أن يُغيّر الوضع، فلم يحصل تغيير. في الحقيقة، لم أزركم بعد ما كان لأنه لم يكن لدي ما أقوله لكم». عدم ثقة بدمشق وبعدما أثار الحسيني هذه النقطة، وجد البطريرك الماروني أن لا بد له من توضيح بعض المسائل المهمة، والمتعلقة بموقف الرئيس السابق لمجلس النواب من الانتخابات النيابية وطريقة تطبيق اتفاق الطائف. وبعد أن شرح سيد بكركي موقفه من الانتخابات التي أرادها صحيحة يشترك فيها جميع اللبنانيين بمن فيهم المهجرون والمهاجرون حديثاً، وقد أتت خلافاً لذلك، وضع المشكلة في اطارها العام والشامل وهو فقدان بعض المسيحيين الذين ساروا في اتفاق الطائف ثقتهم بنية أركان النظام في لبنان وسوريا، في تطبيق صحيح لوثيقة الوفاق الوطني. وأضاف البطريرك الماروني: «اعتقد هذا البعض أن تنفيذ البنود الأساسية من الوثيقة هو التمهيد المطلوب لاجراء الانتخابات النيابية واذ بكم – المقصود جميع أركان النظام المنبثق من الطائف – تجرون الانتخابات على النحو الذي جرى، وهذا ما ولّد عدم الثقة بكم». وفي ختام اللقاء الذي دام ساعة، وعد الرئيس الحسيني بالعودة الى بكركي للتداول مع البطريرك حول أفكار ترمي الى «انطلاقة جديدة»، بعد سفر يستغرق أسبوعين لاجراء فحوصات طبية. ما لم يقله سيد بكركي للرئيس الحسيني هو بروز اتجاه لدى القيادات المسيحية، خصوصاً في مرحلة الانتخابات النيابية، يحمّل الرئيس السابق لمجلس النواب المسؤولية الكبرى في التطبيق السيئ لاتفاق الطائف. وقد وصل بعضهم الى حد القول للبطريرك صفير ان الرئيس الحسيني قد خدعه وخدع، من خلاله، المسيحيين. النواب الأصوليون وزارت النائبة نايلة معوض البطريرك الماروني في الثالث والعشرين من تشرين الأول. ودار الحديث على المرحلة المقبلة وعلى وجوب اجراء المصالحة عن طريق اعادة المهجرين الى بيوتهم وقراهم. ولفتت معوض الى أن الحاجة باتت تدعو الى درس معمق في القضايا الملحة يقوم به اختصاصيون: «هذا ما يعتمده النواب الأصوليون في المجلس من طريقة، وقد علمتُ أن لكل نائب أربعة أو خمسة أساتذة من أساتذة الجامعة يعدون له الدراسات المطلوب مناقشتها في المجلس النيابي». ومن النواب الذين زاروا بكركي بعد انتهاء العمليات الانتخابية، النائب جان عبيد الذي انتقد الوضع العام، ورأى أن على اللبنانيين انتظار نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، وسير مؤتمر السلام في الشرق الأوسط. أما النائب كميل زيادة فقد رأى أنه من غير اللائق أن يزور البطريرك صفير فور انتهاء الانتخابات النيابية. وأبدى خشيته من أن يُطعن في نيابته بعد أن خرج على الموقف المعارض الذي اتخذه سيد بكركي. استقبل سيد بكركي جميع النواب الجدد بكثير من اللياقة والمحبة بمن فيهم النواب الموارنة على رغم عدم احترامهم لتوجهاته الواضحة حيال الاستحقاق الانتخابي، لكنه عرف كيف يفهم عتبه وعدم قبوله لموقفهم الخارج على اجماع اللبنانيين. ولاحظ النائب روبير غانم، «على رغم اللطافة المعهودة في البطريرك، نقزة واضحة لديه من المجلس الجديد لأنه كان يعتبر أنه آت لمواضيع غير التشريع وبأنه لن يكون مجلساً يؤمن مصلحة لبنان». 29 نائباً وتحت عنوان التداول في مستقبل العلاقة مع البطريركية المارونية، التقى تسعة وعشرون نائباً مارونياً في مجلس النواب، في اجتماع دام أكثر من ثلاث ساعات في الثاني من تشرين الثاني. وغاب عنه النواب اسطفان الدويهي وفارس بويز ومخايل الضاهر وسليمان فرنجية وروبير غانم. كان هذا الاجتماع مناسبة لاطلاق مختلف أنواع المواقف التي تراوحت بين التهجم على شخص البطريرك صفير واعتباره منحازاً للأحزاب والتيارات المعارضة، خصوصاً لعميد حزب الكتلة الوطنية ريمون ادة والقوات اللبنانية، وبين الدعوة الى فتح حوار معه والوقوف على هواجسه. وأعرب بعض النواب عن استيائه من موقف السيد البطريرك الذي وصف النواب الجدد بأنهم لن يكونوا الا شهود زور في البرلمان. صدر، في نهاية اللقاء، بيان مقتضب تلاه النائب جان عبيد باسم المجتمعين: «بدعوة من النائب الشيخ حبيب كيروز، عقد عدد من النواب اجتماعاً في مجلس النواب، تخلله تعارف في ما بينهم وعرض لمختلف القضايا على الساحة اللبنانية. واتفق المجتمعون على استمرار التشاور والاتصال وتوسيعهما ليشملا أكبر عدد ممكن من القوى والاتجاهات في لبنان. وقد سادت اللقاء أجواء الصراحة والانفتاح». فيما كشف أكثر من نائب من مجلس 1992 عن تشجيع سوري لعقد هذا اللقاء الذي كانت الغاية من عقده اقامة كتلة نيابية مارونية جاهزة للرد على مواقف سيد بكركي في كل مرة لا تروق مواقفه لدمشق. أجواء الاجتماع صباح اليوم التالي، زار النائب رشيد الخازن بكركي ليضع سيدها في أجواء ذلك الاجتماع. وقال انه دعا الى اجتماع النواب الموارنة لعله يحملهم على المجيء مجتمعين الى الصرح البطريركي، لكنه لم ينجح لأن كلاً من الثمانية والعشرين نائباً راح يتخذ موقفاً خاصاً به شخصياً. وجعل يلخص مداخلات النواب ويُقيّمها ايجاباً وسلباً مضيفاً: «عبثاً حاولت أن أقنعهم بأن موقفكم وطني ينطلق من مبادئ ثابتة وليس ضد أشخاص، فلم يقتنع معظمهم». وأسر الخازن الى البطريرك صفير أن النائب مخايل الضاهر قد أعدّ في اجتماع سابق عريضة وقعها خمسة نواب منهم سليمان فرنجية وسايد عقل، لرفعها الى روما، يطلبون فيها تعيين لجنة رسولية للبطريرك لأنه «يتلقى أوامر من عميد حزب الكتلة الوطنية ريمون ادة ومن القوات اللبنانية». وقال رشيد الخازن انه أقنع أصحاب العريضة بتمزيقها. لم يسمع أحد من النواب الذين شملتهم المقابلات بمثل هذه العريضة، فيما ينفي النائبان مخايل الضاهر وسايد عقل نفياً قاطعاً أن يكونا قاما بما نسبه اليهم النائب الراحل رشيد الخازن. الضاهر أكد أنه لم يسمع «تقريباً بكل هذه القصة»، وأنه لا يقبل على الاطلاق بمثل هذه التصرفات حيال البطريركية وشخص البطريرك. بدوره أكد الوزير سليمان فرنجية أن لا علاقة له بهذه العريضة وأنه لم يسمع بها أبداً. وفي الرابع من تشرين الثاني، استقبل البطريرك صفير النائبين قبلان عيسى الخوري وحبيب كيروز اللذين أخبراه عن الاجتماع الذي دعا اليه كيروز النواب الموارنة قبل يومين في ساحة النجمة، للبحث في شأن العلاقة التي يجب أن تقام بينهم وبين بكركي. ونقل عيسى الخوري وكيروز شكوى النواب الموارنة من أن «الناس لم ينتخبوهم بناء على التوجيه الذي أعطاه غبطة البطريرك»، وقالا ان النواب سيأتون لزيارة بكركي وهي «لا يمكنها أن تتنكر لهم». وساطات وبذل رئيس الجمهورية الياس الهراوي الكثير من الجهود لتقريب المسافات بين بكركي والمقر الرئاسي الموقت. فأوفد رئيس الرابطة المارونية السابق شاكر أبو سليمان الى سيدها غداة انتهاء الانتخابات ليقف على رأيه في السبل الآيلة الى الخروج من المأزق الناتج عن اجراء الانتخابات على النحو الذي جرت فيه ثم وسّط الهراوي السفير البابوي بابلو بوانتي ليقوم بمسعى توفيقي لدى البطريرك صفير. فنقل الأخير، في السادس عشر من تشرين الثاني 1992، رسالة شفوية من رئيس الجمهورية تسأل عما اذا كان سيد بكركي سيوفد اليه بعثة من المطارنة لتهنئته بعيد الاستقلال. فأجاب الحبر الماروني أنه سيوفد مطراناً، هو المطران رولان أبو جودة. واقترح بوانتي أن يوفد أيضاً مطرانين لتهنئة رئيس مجلس النواب نبيه بري بمناسبة انتخابه، ورئيس الحكومة رفيق الحريري بمناسبة تكليفه، ثم يردان له الزيارة. فقال سيد بكركي: «قبل الانتخاب، أرسل الينا كل منهما موفداً يبدي استعداده لزيارتنا والاتصال بنا. بعد الانتخاب، انقطع الاتصال مع بري. لذلك سنهنئهما، بعد فترة، بعد أن نرى كيف ستجري الأمور. – هل تقبلون دعوة غداء تجمعكم بالرؤساء الثلاثة ووزير كاثوليكي وأخر أرثوذكسي والسفير البابوي؟ – من المستحسن ارجاء الأمر لئلا يصاب الشعب بالاحباط بعد أن أحرز مقاطعة لافتة للانتخابات النيابية بلغت نحو 87 في المائة. – هل ترضون بايفاد مندوب عنكم للاجتماع بحضورنا بالوزير وليد جنبلاط على الغداء على مائدة فؤاد السعد؟ فأنا اشترطت على جنبلاط ألا أجتمع به للتحدث في شأن عودة المهجرين الا في حضور ممثل عنكم لأن روما تعتبر أن الحديث في هذا الموضوع يعود الى البطريرك الماروني. – لا بأس. وكشف السفير البابوي أنه أبدى لرئيس الجمهورية عدم موافقته على ما ورد في الخطاب الذي ألقاه في البرلمان، عندما قال انه كان على مقاطعي الانتخابات ألا يقاطعوا وأن يعارضوا من الداخل. وأضاف: قلت له ان هذا الكلام أزّم الوضع، كان الخطاب مناسبة لأن يقول الرئيس انه يقدّر الجميع، من انتخب ومن قاطع. لكان ساعد هذا الكلام على ترطيب الأزمة». بدا لسيد بكركي أن السفير البابوي حريص جداً على انهاء حال الجفاء القائمة بينه وبين الحكم على خلفية طريقة اجراء الانتخابات النيابية، وكان يسعى جاهداً الى مد الجسور بينهما. وقد تكرر هذا المسعى في كل مرة حصل فيها سوء تفاهم بين البطريرك الماروني وأركان الحكم. اذ كان بوانتي يخشى أن تؤدي مواقف البطريرك المبدئية الى قطع الحوار أو حصول قطيعة بين بكركي والمواقع الرسمية. فيما رأى الهراوي في بوانتي الغطاء المسيحي له الذي يستظله في كل مرة تتأزم علاقته مع البطريرك صفير. زيارة الحريري وكانت محاولة أخرى، في هذا السياق، قام بها سمير فرنجية موفداً من الرئيس الحريري في الثاني من كانون الأول. فاقترح أن يأتي رئيس الحكومة الى بكركي، ثم يرد له سيدها الزيارة، وتكون مناسبة سانحة «لتناول طعام الغداء على مائدته مع وليد جنبلاط وان شئتم مع رئيس الجمهورية الياس الهراوي، ورئيس مجلس النواب نبيه بري. فقال البطريرك: «ان الرئيس الهراوي اقترح علينا مثل هذا الاقتراح واعتذرنا». الهيمنة السورية كان وزير الداخلية سامي الخطيب الذي أشرف على الانتخابات من جملة الزائرين الراغبين في معرفة ما هو موقف البطريرك صفير من المجلس الجديد، وربما كان أكثرهم حشرية لمعرفة الجواب. فزار بكركي يوم السبت الواقع فيه الرابع والعشرون من تشرين الأول، ودار الحديث مباشرة على العمليات الانتخابية. فعرض البطريرك الماروني وجهة نظره وأسباب معارضته لقانون الانتخاب وتوقيت اجراء الانتخابات. فأقر وزير الداخلية بوجود ثغرة في تقسيم الدوائر الانتخابية، خاصة في الجنوب حيث ضمت محافظتان وفي جبل لبنان حيث قُسمت المحافظة الواحدة الى أقضية. وقال ان الأميركيين هم الذين دفعوا الى الانتخابات ليصبح هناك ثقة بالبلاد وتأتي المساعدات المالية. ولفت الخطيب الى أن اللبنانيين هم مسؤولون أكثر من السوريين عن هيمنة هؤلاء على لبنان لأن اللبنانيين يدخلونهم في شؤونهم العادية اليومية التافهة، ويطلبون منهم الخدمات. واعترف أنه ذهب الى نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، وطلب منه انجاح صهره المحامي صائب مطرجي في الانتخابات النيابية فأجابه خدّام: دع عنك هذا الأمر. وأردف الخطيب أنه يقر بالخجل. وفي نهاية المقابلة، وجّه وزير الداخلية في الحكومة التي تُصرّف الأعمال سؤالاً مباشراً الى سيد بكركي: «ما سيكون موقف غبطتكم من المجلس الجديد؟». فأجاب الحبر الماروني بهدوء: «اننا نعترف بالمجلس النيابي». وعندما ظهرت على وجه الخطيب ملامح الارتياح، أردف السيد البطريرك: «اننا نعترف بالمجلس النيابي على أنه أمر واقع لكننا سنحارب كل مشروع يشكل خطراً على مصير لبنان وعلى العيش المشترك بين أبنائه».

الكاتب: 
أنطوان سعد
المصدر: 
التاريخ: 
الخميس, نوفمبر 24, 2005
ملخص: 
انتظرت ثلاثة أيام ظناً مني أنكم ستجمعون بعض النواب وتقدمون على ما من شأنه أن يُغيّر الوضع، فلم يحصل تغيير. في الحقيقة، لم أزركم بعد ما كان لأنه لم يكن لدي ما أقوله لكم». عدم ثقة بدمشق وبعدما أثار الحسيني هذه النقطة، وجد البطريرك الماروني أن لا بد له من تو