العميد ناجي ملاعب لموقع( أجيال قرن ال21): إن الجهل الكامل لمفهوم الميثاق في التاريخ المقارن والعلم الدستوري المقارن” للبناء القومي للدول، أدّى إلى الطعن بميثاق 1943 واتفاق الطائف

النوع: 

 

إن لعنة الجغرافيا هي أحد رهانات خروج الدول من مازق الفشل وبخاصة بعد تصاعد الإهتمام في العلاقات الدولية حول صورة القرن الجديد التي تهيمن عيه الصراعات بين القوى الكبرى في أوراسيا في كتاب للعالم الجغرافي هالفورد مكايندر التي مفادها سياسة (قلب العالم)، في للدول الكبرى الى استعادة إرث إمبراطورياتها التاريخية  مستدلا بمشروع عالمي وهو (حزام الطريق)، حيث يركز موقع أجيال قرن ال21 في حوار خاص مع العميد زالدكتور ناجي ملاعب المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية ومدير مجلة الأمن والدفاع العربي، على خرائط المفاهيم التي نبعث من الاهتمام المتصاعد بالجغرافيا السياسية مثل عسكرة الجغرافيا والحدود الطائفية والانقسام بين المرطز والاطراف وما ينجم عنها من تحديات ومخاطر أمنية يستدعي مواجهتها من خلال  احتواء والانكشاف على الدول الحبيسة وقربها من دول توسعية وامبراطورية كالحالة (اللبنانية)، حيث يقول العميد ناجي ملاعب :”إن للجغرافيا دور إيجابي للكيان اللبناني وليست أبدا لعنة. واذا ما أحسن اللبنانيون ممارسة السلطة وحافظوا على النظام الإجتماعي الذي رسخوا مبادئه وكانت ملاذاً في الأزمات، واذا انعتقوا من سياسة المحاور، سوف يعود لبنان الى سابق عهده صلة وصل بين الحضارة الغربية والشرق. وذلك كم خلال التخطيط لدور تكاملي يضمن للبنان عبر إنخراطه في منظومة تكاملية في الإقليم الذي يسميه الغرب The Levent  أو الشرق الأوسط، مواجهة المخاطر التي تتهدد مصالحه الخارجية، حيث يستطيع الإقليم، من خلال هذا الدور، تحقيق مدى حيوي للموارد وللعنصر البشري المتجانس منذ ما قبل التاريخ ليكون بديلاً قويماً للتصارع العقيم بين القوميات أو الإثنيات أو الأديان أو المذاهب . وليس الحل ولن يكون بسياسة “النأي بالنفس” في ظل عدو يتربص بحدودنا الجنوبية، وفي انتشار مرعب للعولمة الإقتصادية، والهيمنة القطبية من دولة واحدة. 

فهذا البعد يمثّل بالنسبة لدولة صغيرة المساحة ومتواضعة الموارد كلبنان، الرئة المصلحية والعمق الإستراتيجي، والذي من خلاله يمكن له أن يستثمر طاقاته البشرية وإمكانياته الثقافية-الفكرية الوقّادة في الآفاق العربية الرحبة المشبعة بالإرث الحضاري والثروات الطبيعية والفرص الاستثمارية، ويستثمر جغرافيته المميزة بدلاً من كونه عِضة لجغرافيا المشاغبة ، حيث يضيف أن لبنان لم يكن الخلاف فيه بين مسيحيين ومسلمين، بل كان النضال في سبيل تصحيح الخلل الممارس بواسطة ما سمي “المارونية السياسية” لصالح المواطنة أقلق المسيحيين فكانت أحداث 1975 ذات وجه طائفي. ولم يأتِ الحل في الطائف وفق معايير دولة علمانية حديثة.

إذ تعبّر هذه الضبابية الفكرية الشاملة، عن جهل كامل، للأسف، لمفهوم الميثاق في التاريخ المقارن والعلم الدستوري المقارن”. ويشرح مسرّة: “المواثيق في التاريخ اللبناني وفي تاريخ دول عدّة كسويسرا والنمسا، والبلدان المنخفضة، هي سياق سياسي ودستوري للبناء القومي للدول، على إثر حروب أهلية تقع فيها. وهي نقيض السياق العنفي والدموي للبناء القومي انطلاقاً من مركز قوي وامتداداً إلى الأطراف. ولذا، فإنّ الطعن بميثاق 1943 واتفاق الطائف عام 1989، هو طعن بأهمّ قواعد البناء القومي اللبناني والسلم الأهلي”. ما يوحي بأن حدود الطوائف تترسخ أكثر على حساب قيام دولة المواطنة.

 ولذلك ستبقى تأثيرات الحدود الطائفية ما بين مكونات الوطن، ما لم ينفتح لبناننا في حدوده الجغرافية على العمق المشرقي، والعودة الى الدور الحضاري الذي مثّله القرب من الغرب بإرسالياته وجامعاته، حتى يؤمّن إحتواء أزمة الطائفية. وذلك يكون في بناء تكتلات اقتصادية وثقافية وسياسية يستطيع لبنان من خلالها التوسع والانتشار والاستفادة من محيطه على صعيد النهضة والنهوض والارتقاء ومكافحة الارهاب والتكفير بفعل مصطلح الكونكتوجغرافيا (الاتصال الجغرافي).   فخط التقسيم الجديد للعالم لن يكون بين عالم الشمال والجنوب، والعالم المتقدم والمتخلف، بل على أسس جديدة أولها من يملكون القوة السيبرانية والقدرة على صناعتها وإدارتها، حيث باتت مسالة التكنوجغرافيا، أحد أهم العناصر الجديدة في التحولات الجيوسياسية التي يمكن استخدامها لتحقيق تفوق ونصر سياسي معين ودليل ذلك استختدام الدعاية الموجّهة في الانتخابات الامريكية، والتي نجحت في التغلغل في الولايات الأميركية كافة – عبر شركة “كامبردج أناليتكا” التي استخدمت أكثر من خمسين مليون حساب في فيسبوك، بلا علم أصحاب الحسابات، للمساعدة في حملة ترامب الانتخابيّة عام 2016؛ فكانت بمنزلة الذراع الرقميّة للحملة وغيرت مجرى الإنتخابات التي جاءت بالرئيس دونالد ترامب الى البيت الأبيض.

 * برأيك هل يمكن للبنان أن يتحول من لعنة الجغرافيا الى عبقرية الجغرافيا.. وكيف؟

-العناصر المكونة للدولة هي: التجمع البشري – الأمة، ثانياً الإقليم، ثالثاً: السلطة، رابعاً: النظام الإجتماعي. التجمع البشري اللبناني لا يصل الى مستوى الأمة لكنه صلب لم يتغير رغم التداخل مع المحيط نتيجة العوامل الطبيعية (الكوارث والأمراض الجرثومية و…) أو السياسة (الغزوات، النزوح…)، وما زلنا نتغنى بأرض الأجداد (فينيقيا، أو أرض الكنعانيين..) ومن المسلمات أن اللغة شكلت عاملا قوياً للثقافة وعممت وما تزال حضارة عربية ارتبط بها لبنان وكتب بها تاريخه.

والإقليم هو الثابت الوحيد في جغرافية الوطن، وفي هذا العامل يمتاز لبنان بموقعه الجغرافي. فقد شكل مرفأ صيدا اول منافذ التصدير السوري الى العالم خلال الحقبة الفينيقية، وبعدها مرفأ صور حيث ينقل لنا المؤرخون أن بحارة صور كانوا ينقلون البضائع السورية والعراقية الى مصر وبلاد الإغريق وأوروبا. وقد شكل مرفأ بيروت – الذي لا يضاهي عمق مياهه وقدرته على إستيعاب البواخر الكبرى اي مرفأ آخر على الساحل اللبناني والسوري والفلسطيني – 11 في المائة من مجمل التجارة العثمانية في مطلع القرن العشرين. وهذا يعني أن لبنان وجه سوريا الى البحر والعالم وان سوريا عمق لبنان الى الشرق والشمال.

 من هنا تأتي أهمية العاملين اللاحقين: السلطة والنظام الإجتماعي. فللجغرافيا دور إيجابي للكيان اللبناني وليست أبدا لعنة. واذا ما أحسن اللبنانيون ممارسة السلطة وحافظوا على النظام الإجتماعي الذي رسخوا مبادئه وكانت ملاذاً في الأزمات، واذا انعتقوا من سياسة المحاور، سوف يعود لبنان الى سابق عهده صلة وصل بين الحضارة الغربية والشرق.

*لطالما عانى لبنان الخطر على مر التاريخ بفعل ذلك الممر المعرّض لتجاذبات الامبراطوريات الكبرى بحكم لعنة الجغرافيا. بداية هل لك أن تشرح لنا نظريات الجغرافية السياسية وأي منها تنسجم مع طبيعة وخصوصية لبنان؟

أ – في تعريف مصطلح الجغرافيا السياسية

الجغرافيا السياسية أو الجيوبولتيك هي مصطلح مركب من قطعتين يقصد به “علم سياسة الأرض” وهي ثمرة الدمج بين علمي الجغرافيا والسياسة. نشأ هذا العلم الهام في الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وارتقى الى مصاف العلوم العسكرية والسياسية الرفيعة في الحرب العالمية الثانية. ولهذا العلم العديد من المدارس والنظريات، وقد تطور تطورا هائلا بدخول القرن الحادي والعشرين. والجيوبولتيكا لا تضع الجغرافيا وحقائقها فقط في خدمة حركة ونشاط الدولة السياسي، فالجغرافيا تبقى عنصراً هاما من عناصر القوة في بناء الدولة السياسي، بالإضافة الى باقي المقومات الديمغرافية والطبيعية والعسكرية.

الانطلاقة الحقيقية لهذا العلم بمنهجياته ومحدداته الأساسية تعود إلى الألماني فردريك راتزل (1844-1904) الذي يرجع إليه الفضل في كتابة أول مؤلف في الجيوبوليتكا يحمل عنوان “الجغرافيا السياسية” في عام 1897م: ومن نظرياته “الروابط القوية بين القوى القارية والقوى السياسية من خلال نظرية النشوء والارتقاء”. والمفاهيم الثلاثة الأخرى الأكثر انتشاراً حول النظرية الاستراتيجيه للدولة، هي:

نظرية رودولف كيلن ( 1864-1922): القوة أهم من القانون

نظرية كارل هوسهوفر(1869-1946): الدولة الكبيرة لان الدولة الصغيرة  مصيرها الزوال

نظرية هالفورد ماكيندر(1861- 1947): نظرية “أوراسيا” قلب العالم – من يحكم أوراسيا يحكم العالم.

ب – قبل ان نستنتج أي من النظريات تلائم لبنان – الدولة، ينبغي الإلمام ببعض القواعد التي تمثل “مبادئ إجرائية” تتألف من مجموعة من الفروض الجغرافية السياسية التي تنطلق منها الدولة في صياغة سياستها الخارجية وبناء علاقاتها الدولية. وهذه القواعد تتضمن: تحديد مصالح الدولة، وتحديد مصادر التهديد التي تتعرض لها تلك المصالح، من ثم مخطط الرد لمواجهة التهديدات المزعزمة، ان وقعت. وبالتالي بيان المبررات التي تقدم الاتخاذ مثل هذا الرد.

وهنا يبدو أن النظرية التي يستطيع لبنان اعتمادها، برأيي، هي نظرية كارل هوسهوفر صاحب المدرسة التي جهزت الفكر الألماني بنظرية “عضوية الدولة وضرورة زحزحة حدودها لتشمل أراضي تتناسب مع متطلباتها الجغرافية وتحقق ضم الأراضي التي يقطنها الجنس الآري”. والمقصود هنا فقط التخطيط لدور تكاملي يضمن للبنان عبر إنخراطه في منظومة تكاملية في الإقليم الذي يسميه الغرب The Levent  أو الشرق الأوسط، مواجهة المخاطر التي تتهدد مصالحه الخارجية، حيث يستطيع الإقليم، من خلال هذا الدور، تحقيق مدى حيوي للموارد وللعنصر البشري المتجانس منذ ما قبل التاريخ ليكون بديلاً قويماً للتصارع العقيم بين القوميات أو الإثنيات أو الأديان أو المذاهب.

في مجتمع العولمة الإقتصادية، والتي لم تتأخر لتصبح عولمة تكنولوجية، امام التطور الهائل في وسائل اتصال وشبك المعلومات خاض الشباب العربي ظاهرة “ثورات الربيع”، التي وصف الأميركي فرانسيس فوكوياما – صاحب نظرية نهاية التاريخ – إحداها (مصر) بأنها “انتفاضة شبان يافعين وغاضبين من الطبقة الوسطى، استخدموا فايس بوك وتويتر لتنظيم احتجاجاتهم، ولكشف فظائع النظام، وحشد الدعم لمصر ديمقراطية”.

التجسيد الرئيس لهذه الحقيقة تمثّل في بروز مايسميه جورغان هابرماس Jurgen Habermas المجال أو الحقل العام، الذي هو كناية عن شبكة اتصالات يستطيع الأفراد من خلالها بلورة وطرح حاجاتهم الاجتماعية، فيقود ذلك في نهاية المطاف إلى تشكُّل رأي عام واسع ينتقد بشكل عام السلطات القائمة سواء أكانت دينية أو مدنية أو عسكرية.

فثورة الشباب (الذين هم الأغلبية العددية الساحقة في المجتمعات العربية) بفضل المجتمع التكنوشبكي، كشفت عن نبض جديد يعكس التحولات الضمنية الكبرى التي جرت في المنطقة، قوامها الرئيس ولادة ما أسماه عن حق زبغنيو بريجنسكي (مستشار سابق للأمن القومي الأميركي) “ثورة الشارع السياسي” العربي.

لم يكن لبنان بمنأى عما يحصل في جواره، ولو جاء حراكه متأخراً. وما رأيناه من تداعيات على واقع ثورات الربيع لا يوحي بثقة الوصول الى خواتيم يشتهيها دعاة الحرية والكرامة، ولكن لا عودة الى الوراء امام اصرار شباب لبنان على خوض معركة الإصلاح سيما وأن كل الوعود من زعماء طوائف واقطاع سياسي مالي ناهب للمال العام سقطت ولم تعد تجدِ نفعاً.  

*ماهي التحديات والفرص أمام لبنان؟مفهوم الأمن من منظور مقاربات

-التحديات التي تتحكم بلبنان قوية وما زالت تصاعدية في ظل عوامل ثلاث: الأول داخلي متمثل بسلطة هجينة من تعاون راس المال مع الإقطاع السياسي والسلطة الدينية أسموها “ديمقراطية توافقية” ولم تكن سوى توافق على النهب المنظم وتعميم الفساد أوصل البلاد الى الإفلاس. والعامل الثاني إقليمي، ويتلخص بوقوعه في منطقة جغرافية يتنازع عليها دول إقليمية ثلاث ذوي أطماع لم نعرف حدودها حتى اليوم، وهي تركيا وإيران واسرائيل. والعامل الثالث دولي مرتبط بتداعيات حل المسألة الفلسطينية على طريقة صفقة القرن والتي تنصبّ الجهود الأميركية منفردة على تنفيذها على حساب كافة دول الإقليم ومنها لبنان.

كل ذلك فيما ينخرط فريق أساسي في البلد في محور خارجي من دون اجماع اللبنانيين، ويرسل عناصره للقتال في ساحات عربية ويستحضر الأسلحة عبر معابر غير شرعية يسيطر عليها، وبطريقة ما يبني دويلة داخل الدولة، ويتصدى لرفع شعار الثورة أو التعبير عن الرأي عنوة من دون اي اعتبار لسلطة الدولة.

 الفرص موجودة ويلزمها النية بالتغيير. لقد نجحت السلطة (وهي التمغير الثالث في بناء الدولة – الأمة) حتى الأمس القريب، في العبور بلبنان الى بر الأمان عندما حاقت به المخاطر في مراحل نشوئه كدولة (ونحن اليوم في ذكرى مئوية لبنان الكبير). ولكن في بعض الأزمات، عندما “غدرت” السلطة بالنظام الإجتماعي للدولة وانحازت، رغماً عن بعض معظم مكونات المجتمع، الى الخارج – أياً كان هذا الخارج – فإنها تغامر بالسيادة، وتعود سياستها الخارجية الى الداخل وبالاً وصراعاً يرهن الوطن الى من “يدعي” انقاذه. وليس الحل ولن يكون بسياسة “النأي بالنفس” في ظل عدو يتربص بحدودنا الجنوبية، وفي انتشار مرعب للعولمة الإقتصادية، والهيمنة القطبية من دولة واحدة. 

إن النظرة الموضوعية لتوظيف جغرافية لبنان في تحقيق أمنه القومي لا بدّ وأن تُقرن مع مجاله الحيوي، ألا وهو بعده القومي العربي. فهذا البعد يمثّل بالنسبة لدولة صغيرة المساحة ومتواضعة الموارد كلبنان، الرئة المصلحية والعمق الإستراتيجي، والذي من خلاله يمكن له أن يستثمر طاقاته البشرية وإمكانياته الثقافية-الفكرية الوقّادة في الآفاق العربية الرحبة المشبعة بالإرث الحضاري والثروات الطبيعية والفرص الاستثمارية، ويستثمر جغرافيته المميزة.

*يقول هالفورد ماكيندر أن من يمتلك الجغرافيا يملك العالم. برأيك ما هي تحديات لبنان التي تعيقه من إمتصاص لعنة الجغرافيا؟

-امتلاك الجغرافيا تطورت وسائله من نظرية ماكيندر التي تعتبر السيطرة البرية على قلب العالم “الأوراسيا” – اصطلاح (قلب العالم: ويمتد من نهر الفلغا غرباً إلى شرق سيبيريا، ومن المحيط المتجمد الشمالي إلى هضاب إيران وافغانستان وبولوجستان في الجنوب) – هو السيطرة على العالم من نظريات السيطرة البحرية من ثم السيطرة الجوية وصولاً الى العولمة المعلوماتية والتكنوشبكية، وأصبح عالم الفضاء مجالا جديدا للغزو بعد تبني الكونغرس الأميركي انشاء قوة الفضاء غير المرتبطة بسلاح الجو بل بقيادة الأركان مباشرة.

اما عن لبنان فلم تكن يوما الجغرافيا لعنة ما لم تتعرض أرضه ودولته الى التوظيف في أحلام وطموحات القوى العظمى لتمتد هيمنتها عملاً بمبدأ هوسهوفر. ولا يمكن للبنان أن ينجو من تلك الطموحات سوى بالشبك التكاملي مع مكونات الأقليم (الشرق الأوسط).  

أ – التحديات المباشرة:

– العقوبات الاميركية الشديدة على ايران وأذرعتها بما فيها التطورات العسكرية المتخذة من واشنطن على إيران وميليشياتها.

– تصنيف حزب الله بصفة إرهابية من قبل أميركا وبعض دول الخليج والإجراءات الصارمة بحق قياداته في لبنان والخارج.

– اطماع العدو الإسرائيلي في المياه وفي الثروة النفطية على الساحل في جنوب لبنان، مع قابلية تطور الوضع الى نسف قواعد الإشتباك التي ينعم بظلها لبنان من خلال دور ايجابي لقوات اليونيفل.

– الأزمة السورية وتدخل حزب الله فيها واكتسابه المهارات والتقنيات الحديثة كتسيير الدرون المسلحة الى جانب سيطرته على مدن وساحات في الداخل السوري وعلى الحدود اللبنانية مكنته من التدرب المستمر ما يجعله في موازاة الجيوش النظامية.

ب – التحديات غير المباشرة

عودة الحضور الروسي الى المتوسط عبر البوابة السورية، وفيه نوعان من المخاطر:

الإلتزام الروسي بأمن سرائيل ما يسمح للطيران والمدفعية باستباحة الجو واستهداف الأراضي السورية كافة ما قد يتطور الى ضوء أخضر مماثل في لبنان، سيما وأن التصاريح الإسرائيلية التصاعدية بحق حزب الله تشي بهكذا احتمالية.العلاقات الروسية التركية المتطورة ومباشرة مد خط الغاز الروسي عبر البوسفور الى أوروبا عبر الأراضي التركية وما يمكن أن يمتد الطموح الروسي التركي بالتحكم بمسار خطوط غاز الساحل السوري واللبناني في ظل تصميم أميركي على اشراك لبنان في الكونسوتيوم المصري.

*هل لك أن تحدد لنا تجارب سابقة مرت بلعنة الجغرافيا وكيف تجاوزتها؟

شكّلت آخر ضربات معاول العمال المصريين في أعماق قناة السويس عام 1869 مفارقة تاريخية على مستوى الأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي والأمن الدولي. ففي حين مثّل شقّ القناة هبة اقتصادية جيوسياسية استراتيجية لمصر والوطن العربي والعالم بتوفير طريق بحري للملاحة البحرية العالمية بين الشرق والغرب، فقد كان المشروع بمثابة إستثمار كارثي بسبب شروطه التعاقدية المجحفة في ذلك الوقت، بما في ذلك غياب أي حرصٍ من الطبقة السياسية المصرية الحاكمة آنذاك على حماية السيادة المصرية على القناة، وصيانة المكتسبات الإقتصادية والتنموية المصرية، وحفظ حقوق الشعب المصري الذي شق القناة بسواعده، وتأكيد اكتساب التكنولوجيا أو التعاقد من الباطن مع أطراف محلية. وقد استُخدم المشروع كأداة رئيسية في تفويض القوى الإستعمارية للأمن الوطني المصري والقومي العربي لعقود طويلة.

نعمة الموقع الجغرافي حوّلت الثروة الوطنية في بلدٍ متخلف سياسياً وتنموياً واقتصادياً إلى نقمة، فكانت أداة لارتهان أمنه الوطني الى أخطبوط استعماري رهيب. وعندما تسنى لمصر ضباطاً وطنيين أحرار لإصلاح الوضع جاء القرار الجريء بتأميم قناة السويس، ما أرعب الإستعمار وأفشل خططه، فكان أن تعرضت مصر، خلال عام من التأميم، للعدوان الثلاثي عام 1956 (بريطاني وفرنسا واسرائيل) والذي فشل في تحقيق أهدافه، وأعاد الثروة الوطنية الى نصابها. ‏

هذا انموذج لتجربة مصر في تحويل لعنة الجغرافيا الى نعمة، في ظل سلطة مرتهنة للخارج وسلطة ذات سيادة.

*برأيك ما هي الاتجاهات الحديثة لدراسة الحدود الطائفية وتأثيراتها وبخاصة في لبنان وسوريا والعراق؟

-لقد ذهب اﻠﻌﺎﻟﻡ ﺇﺭﻧﺳﺕ ﻏﻠﻧﺭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻭﻝ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﺩﻳﻥ ﻳﻘﻭﻡ ﺑﻭﻅﻳﻔﺔ ﻣﺷﺎﺑﻬﺔ ﻟﻠﻘﻭﻣﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺷﺭﻕ ﺍﻷﻭﺳﻁ ﺍﻟﻣﻌﺎﺻﺭ، ﻓﻬﻭ ﻳﺣﺷﺩ ﺍﻟﻧﺎﺱ ﺑﻔﻌﺎﻟﻳﺔ، ﻧﻅﺭﺍ ﻷﻥ ﻟﺩﻳﻪ ﻣﺣﺗﻭﻯ ﺭﻭﺣﺎﻧﻳﺎ ﻭﻋﺎﻁﻔﻳﺎ ﻟﻳﺱ ﻣﻭﺟﻭﺩﺍ ﻟﺩﻯ ﺍﻟﻭﻋﻲ ﺍﻟﻁﺑﻘﻲ. ولذلك، فإن “الديمغرافيا المشاغبة” في منطقة الشرق الأوسط، كما أسميتِها شفاهة، أثّرت على العلاقة بين السلطة الحاكمة والعقد الإجتماعي منذ تقسيم المنطقة بموجب اتفاقية سايكس بيكو. وفيما أمّن الإستعمار الفرنسي الغلبة للطائفة المسيحية في حكم لبنان، لم يعد للمسيحيين في سوريا والعراق ذلك النفوذ القوي بعد زوال الإستعمار.

في لبنان، لم يكن الخلاف بين مسيحيين ومسلمين، بل كان النضال في سبيل تصحيح الخلل الممارس بواسطة ما سمي “المارونية السياسية” لصالح المواطنة أقلق المسيحيين فكانت أحداث 1975 ذات وجه طائفي. ولم يأتِ الحل في الطائف وفق معايير دولة علمانية حديثة.

وفي ظل انخراط حزب الله وما يمثل من “شيعية سياسية” في محور اقليمي يشارك في معارك خارجه، ويستقدم السلاح الى الداخل، لا يركن اللبنانيون الى الدعوة التي أطلقها المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الى “التخلص من الطائفية وبناء لبنان الوطن” بل انها كما قال عنها الدكتور انطوان مسرّة: “تنمّ عن ضبابية فكرية شاملة، إذ تعبّر عن جهل كامل، للأسف، لمفهوم الميثاق في التاريخ المقارن والعلم الدستوري المقارن”. ويشرح مسرّة: “المواثيق في التاريخ اللبناني وفي تاريخ دول عدّة كسويسرا والنمسا، والبلدان المنخفضة، هي سياق سياسي ودستوري للبناء القومي للدول، على إثر حروب أهلية تقع فيها. وهي نقيض السياق العنفي والدموي للبناء القومي انطلاقاً من مركز قوي وامتداداً إلى الأطراف. ولذا، فإنّ الطعن بميثاق 1943 واتفاق الطائف عام 1989، هو طعن بأهمّ قواعد البناء القومي اللبناني والسلم الأهلي”. ما يوحي بأن حدود الطوائف تترسخ أكثر على حساب قيام دولة المواطنة.

 ولذلك ستبقى تأثيرات الحدود الطائفية ما بين مكونات الوطن، ما لم ينفتح لبناننا في حدوده الجغرافية على العمق المشرقي، والعودة الى الدور الحضاري الذي مثّله القرب من الغرب بإرسالياته وجامعاته، حتى يؤمّن إحتواء أزمة الطائفية. وذلك يكون في بناء تكتلات اقتصادية وثقافية وسياسية يستطيع لبنان من خلالها التوسع والانتشار والاستفادة من محيطه على صعيد النهضة والنهوض والارتقاء ومكافحة الارهاب والتكفير بفعل مصطلح الكونكتوجغرافيا (الاتصال الجغرافي).   

وهذا ينسحب كذلك على سوريا والعراق. فالدولتان اللتان كانتا لفترة زمنية تنعمان بالمواطنة “المقنّعة” – تحت حكم توتاليتاري – كانت ممارسة السلطة فيهما محكومة بعقد اجتماعي تسوده غلبة فئة مذهبية على أخرى. فقد كانت القيادات العسكرية في المراكز الحساسة – وهي أداة الدولة الأمنية – تتبع لمذهب الرئيس أو لمن يواليه. وقد تفجرت تلك الحدود “المضبوطة” الى العلن فور تغير السلطة في العراق ولكن بنمط انتقامي أسوء مما كان. وكانت القبضة الأمنية في سوريا سيفاً مسلطاً على العسكرين من الرتب كافة وحتى على عائلاتهم بغية المحافظة على الغلبة لطائفة الرئيس.

ولعل الثورة الرقمية التي أزالت الحواجز ما بين الدول وعممت ثقافة الذكاء الإصطاعي تكون حلاً شاملاً وحقيقياً يتجاوز الطوائف وحواجزها ويدخلنا في “العالمية”، سيما بعد معاناة البشرية جمعاء من وباء الكورونا.

تحولات في مفهوم الأمن: من أمن الوسائل إلى أمن الأهداف

*لقد حدث تحول عميق في القرن ال21 من حيث تطور المجتمع الشبكي والامني الذي يفرضه مجتمع المعلومات حيث لم تعد السيادة هي المبدأ المنظٍّم للجنس البشري بل الاتصال. برأيك هل لبنان قادر أن يستجيب إلى مشروع المدن الذكية والضخمة لتطوير بنيته التحتية والتطور ويكون لاعبا إقليميا؟

-يعيش العالم الآن “حربًا باردة تكنولوجية” بين الدول الكبرى، هدفها السيطرة على العالم “رقميًّا”، حيث تحاول القوى الدولية استخدام قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي من أجل الحصول على مكاسب على حساب باقي الدول بشكل رئيسي في الأبعاد الثلاثة للقوة: الاقتصادية، والعسكرية، والمعلوماتية. وقد أصبحت القدرة على اختراع واستخدام تكنولوجيا الجيل الخامس هي مصدر القوة للوحدات الدولية، ومحور المنافسة القادمة بين القوى الدولية. لذا بدأت القوى الكبرى سباقًا من أجل الحصول على زعامة جيواستراتيجية وجيوسياسية وجيواقتصادية بهدف تحقيق الريادة، والإمساك بزمام قدرات الذكاء الاصطناعي، التي تُعد مؤشرًا لحاضر ومستقبل الزعامة الدولية. ومن ثم سوف ينعكس هذا السباق على طبيعة النظام العالمي.

وأن هذا الصراع سوف تحسمه قدرة كل دولة على امتلاك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تمكّنها من تحقيق التنمية الاقتصادية ولعب دور خارجي مؤثر، وقدرة على بسط النفوذ في العديد من دول العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، وقدرة على الردع من خلال استحداث أسلحة يصعب هزيمتها في المعارك العسكرية. حين يمتثل لبنان الى تلك المقومات يعود الى دوره الفاعل في هذا المشرق بصيغة تقدمية ليعود لاعب اقليميا كما كان. ولنا في جارتنا اسرائيل المثال الأوضح على كيفية الصعود الى مستوى الدول الفاعلة اذا ما قدّر لها الإنتماء الى جيل المدن الذكية وعالم امتلاك البيانات والذكاء الإصطناعي.

*هل تعتقد أن الاتصال المادي/ الرقمي يستطيع التغلب على الصراع بين القوى الاقليمية مثل تجارب الصين وتايوان واليابان والهند، الهند وباكستان؟

-تفعيل الصراع بين القوى الإقليمية أو اضعافه وتجاوزه يندرج ضمن مدى توظيفه في طموحات السيطرة الجيوسياسية والجيواستراتيجية لدى الدول العظمى. وهذا ينسحب على الصراع بين القوى الاقليمية مثل تجارب الصين وتايوان واليابان والهند، الهند وباكستان …

وعلى سبيل المثال، فإن أي تواصل إيراني مع الاتحاد الأوروبي – في نظر واشنطن – يعني فتح الباب للصين على مصراعيه امام أسواق الشرق الأوسط والمنطقة عموما، لذلك تنصب الإدارة الأميركية الفيتو لمنع أي تواصل بين الإيرانيين ودول الاتحاد الأوروبي، وبالأخص مع فرنسا التي تحاول تجاوز الخلاف الأمريكي الإيراني في مسألة المفاعلات النووية الإيرانية. وتذكي الخلاف ما بين الصين وتايوان عن طريق بيع الأخيرة أحدث المقاتلات الأميركية، وترسل حاملات الطائرات اى بحر الصين لدعم الدرع الإستراتيجي مقابل كوريا الشمالية.

ولكن، لقد أصبح الفضاء السيبراني جزءاً من التفاعلات الدولية التى تبذل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الجهود لضبط مجالات المسئوليات فيه، لأن معدلات التهديدات وفرص الحروب السيبرانية تتوسع بشكل كبير قد يتفوق على عالم الحروب العادية. وبزيادة عدد الأطراف في هذا المجال، صار الصراع ذا طبيعة سياسية، لكنه يتخذ شكلاً عسكرياً – إن صح التعبير- من حيث طبيعة الأضرار وتدمير الثروة المعلوماتية في البنية التحتية للدولة لأهداف سياسية.

فخط التقسيم الجديد للعالم لن يكون بين عالم الشمال والجنوب، والعالم المتقدم والمتخلف، بل على أسس جديدة أولها من يملكون القوة السيبرانية والقدرة على صناعتها وإدارتها، وعلى الجانب الآخر المحرومين منها وإن كان يُسمح لهم باستخدامها. وستبقى الصراعات الإقليمية متفجرة لإضعاف الدول- الأمة وعدم تمكينها من الولوج الى مصاف الدول المتقدمة.

*بالختام هل انت متفاءل بلبنان وما هي رسالتك الى أجيال قرن ال21 أي جيل المجتمع المعلوماتي؟

-لبنان الفينيق سوف يعود لسابق عهده، فهو يختزن طاقات شبابية هائلة بمقيميه ومغتربيه، وينعم بموقع جغرافي يفيده في مهمته “الوطن – الرسالة”. فقليل من الجهد والثقة في سلطة نزيهة – وحتى في ظل المواثيق الإجتماعية الحالية – ترسم له مستقبلا منفتحا الى الشرق والغرب. ويبقى العائق الأهم في تقدمه هو ما يعانيه من عدو على حدوده الجنوبية يسعى لقويض فكرة التعايش المسلم المسيحي التي نجحت لمدى غير قصير، وهذا ما يطيح بما ترغب تحقيقه اسرائيل من يهودية الدولة. 

والى جيل المجتمع المعلوماتي ننصح بأن يوازن ما بين ايجابيات امتلاك وتثمير المعلومات والبيانات محليا للصالح العام، وما بين استباحة البيان والمعلومة من قبل شركات سيبر عالمية وظيفتها قنص المعلومة وتوظيفها بالتحكم في المجتمع حتى في مساره السياسي.

نحن نقبل، مرغمين، أن نُستغَلّ ونُحوَّل إلى سلع رقميّة من غير أن نحرّك ساكنًا؛ نحن ندرك – بعضنا على الأقلّ – أنّ بياناتنا تجمعها شركات مواقع التواصل الاجتماعيّ الكبيرة (فيسبوك، وغوغل، وغيرهما)، الّتي تبيعها لشركات الإعلانات الّتي تستهدفنا حسب اهتماماتنا الناتجة عن تفاعلنا في هذه المواقع، كلّ ذلك من غير أن نُبدي أيّ ممانعة في هذا الاستيلاء على معلوماتنا الشخصيّة. لكنّ الأخطر من كلّ ذلك، عندما تتحوّل عمليّة جمع البيانات الفرديّة وتحليلها، عبر شبكات خورازميّة، إلى تلاعب في خيارات سياسيّة، من خلال الدعاية الموجّهة، والتي نجحت في التغلغل في الولايات الأميركية كافة – عبر شركة “كامبردج أناليتكا” التي استخدمت أكثر من خمسين مليون حساب في فيسبوك، بلا علم أصحاب الحسابات، للمساعدة في حملة ترامب الانتخابيّة عام 2016؛ فكانت بمنزلة الذراع الرقميّة للحملة وغيرت مجرى الإنتخابات التي جاءت بالرئيس دونالد ترامب الى البيت الأبيض.

في الزمن الرقمي الحديث، من المؤكّد أنناّ سنشهد في السنوات القادمة، المزيد من هذه الإختراقات، والمزيد من الحِراكات المطالِبة بحماية البيانات، ومن غير المستبعد أن تصبح قضايا البيانات الشخصيّة – على تنوّع مجالاتها والتهديدات الناجمة عنها – شبيهة، في أهمّيّتها والنقاش السياسيّ حولها عالميًّا، بقضايا التغيّر المناخيّ وتحدّياته، بالنسبة إلى العديد من الناشطين. ولكن هذا لا يجب أن يهد من عزيمتنا من ولوج عصر اقتصاد التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي بغية الإنتماء الى العالم المتقدم..

الكاتب: 
أورنيلا سكر
التاريخ: 
الأحد, يونيو 7, 2020
ملخص: 
في لبنان، لم يكن الخلاف بين مسيحيين ومسلمين، بل كان النضال في سبيل تصحيح الخلل الممارس بواسطة ما سمي “المارونية السياسية” لصالح المواطنة أقلق المسيحيين فكانت أحداث 1975 ذات وجه طائفي. ولم يأتِ الحل في الطائف وفق معايير دولة علمانية حديثة.