القبس تنشر أوراقا من مذكرات البطريـــرك صفير (1992 – 1998).. حول لبنان اقتناع بأن المساعدة الأميركية وحدها تسحب سوريا من لبنان(17)
يدعوالسفير الفرنسي لإيجاد طريقة لمعالـجة الوضع المسيحي البائس وغداة عودته من الأردن، استقبل السفير الفرنسي الجديد ميشال شاتليه الذي خصّه، في السابع والعشرين من نوار 1993، بالزيارة البروتوكولية الرابعة في لبنان بعد زيارته الرؤساء الهراوي، وبري والحريري. وهو رجل ملتح، بلغ الستينات من عمره أو ما حولها، كان يشغل قبل سنة من تعيينه في لبنان، منصب السفير في يوغسلافيا السابقة، وكانت أحاديث حول لبنان. وقد أراد أن يستطلع رأي البطريرك في أوضاع البلاد فشرحها له مشدداً على وجوب مساعدة لبنان على استعادة سيادته واستقلاله وقراره الحر. فرد السفير قائلاً: «هناك بلدان هما الأقرب الى فرنسا هما كندا بفعل العرق واللغة ولبنان لأسباب أخرى ترقى الى زمن الملك لويس التاسع القديس. ترداد الشكاوى لا يفيد، لذلك يجب ايجاد طريقة لاخراج الوضع المسيحي من وضعه البائس واستعادة المسيحيين مواقعهم على قدم المساواة مع غيرهم، ولكن هذا لا يعني أنه لم تبق مشكلة في لبنان وأن كل شيء يسير على ما يرام». وبدا للبطريرك الماروني أن السفير الفرنسي الجديد رجل لطيف وعلى المام جيد بالوضع اللبناني وعنده فكرة واضحة عن معظم اللاعبين السياسيين. السلام آت وكان البطريرك صفير يتابع أيضاً باهتمام كبير المفاوضات الجارية في واشنطن بين اسرائيل والوفود العربية. فهو يعلم مدى تأثيرها المباشر على الوضع اللبناني. وكان سفير لبنان لدى واشنطن سيمون كرم يضعه باستمرار في أجواء جولات المفاوضات المتعاقبة. وفي التاسع من حزيران 1993 زار كرم بكركي وأطلع سيدها على المحادثات العربية – الاسرائيلية الجارية في واشنطن. وكان انطباعه أن «السلام آت، أغلب الظن، بالشروط الاسرائيلية». في هذه الفترة، حلّ عمدة باريس ورئيس وزراء فرنسا السابق جاك شيراك ضيفاً على رئيس الحكومة رفيق الحريري الذي أراد تكريم ضيفه في شكل مميز. فأراد أن يجمع تحت سقف قصره كل الشخصيات اللبنانية البارزة. وأرسل، تحقيقاً لهذا الهدف، مستشاره داود الصايغ ليدعو البطريرك الماروني الى غداء على شرف شيراك. وكرر هذه الدعوة، في الثالث عشر من حزيران، وقال الصايغ لسيد بكركي «ان الرئيس الحريري على استعداد ليأتي بنفسه ليدعوكم، وسترون شيراك على انفراد، قبل الغداء المقرر يوم الخميس الواقع فيه السابع عشر من حزيران». لم يكن بامكان البطريرك صفير الذي يفقه لغة الرموز أن يقبل الاجتماع بالزعيم الفرنسي في بيت الحريري في أول مرة يزور فيها لبنان. فالتقليد يقول بأن على كل مسؤول فرنسي يحل ضيفاً على لبنان أن يزور بكركي التي هي أقدم مرجعية على علاقة بالدولة الفرنسية. وفي النهاية، قرّ الرأي على أن يأتي الزعيم الديغولي الى بكركي ويعقد خلوة مع الحبر الماروني قبل ظهر اليوم المحدد ويقبل بطريرك الموارنة دعوة الغداء على شرف الضيف الفرنسي. شيراك في بكركي زار جاك شيراك البطريرك الماروني، كما كان محدداً، في السابع عشر من حزيران. فاستقبله البطريرك الماروني بكلمة مكتوبة، باللغة الفرنسية، ضمّنها ملاحظاته التي لن يقولها في الخلوة عن الشكل الذي تم به تحضير الزيارة الى بكركي: «تزورون اليوم بيروت، عاصمتنا الجريح، وقد نزلتم ضيفاً على دولة الرئيس رفيق الحريري، رئيس حكومتنا الذي تشد دولتكم اليه رابطة صداقة متينة. وقد شئتم أن تقوموا بزيارة لهذه البطريركية، عملاً بتقليد قديم يقضي على كبار الزائرين الفرنسيين، المتمسكين بما انتقل اليهم عن السلف الصالح من عادات» (…) واضاف: «أسارع الى التأكيد أن كل صداقة توثقون عراها مع أحد المسؤولين اللبنانيين لا بل مع أي لبناني، نعتبره مكسباً للبنان، وبالتالي لجميع اللبنانيين(…) ولكيلا نطيل الكلام، ان قصة لبنان معروفة لديكم. انه يحاول أن ينهض، لكنه لا يزال ينتظر الانصاف من المجموعة الدولية التي أخذت لمصلحته قرارات منذ سنوات، لكنها ظلت دون تنفيذ. وهو ان لم يتحرر من جميع القيود التي يرسف فيها، لا يمكنه أن يأخذ انطلاقته المرجوة والتي تمكنه، لا من استعادة ذاته وحسب، بل من أن يقوم بدور فعّال قام به سابقاً لخيره وخير جيرانه وكل بلد تربطه به رابطة صداقة. وانا لنأمل انه لن يكون منسياً، خاصة عندما تُدعون لتحمل أكبر المسؤوليات عندكم. وفرنسا تحمل تجاهه مسؤولية معنوية بعد أن قادت خطاه الى الاستقلال، وأنشأت ما أنشأت فيه من مؤسسات رسمية واجتماعية» (…). خلوة مع شيراك رد شيراك بكلمة مرتجلة شدد فيها على ضرورة استعادة اللبنانيين لثقتهم بلبنان والتمسك به. ثم أظهر رغبة، ما أن استقر على مقعده، في عقد خلوة مع البطريرك صفير. فكان له ما أراد. وبدأ عمدة باريس كلامه بالاشارة الى دور المسيحيين الأساسي في نهضة لبنان وفي استعادته لنشاطه الاقتصادي وقال: «يجب أن يعود المسيحيون اليه، وهذا ما يريده الحريري، ونخشى، ان لم يعودوا اليه، أن يزول لبنان بتركيبته الحالية». ورد صفير: دعونا نترجم لكم، صاحب السعادة، عاطفة المسيحيين، وهي أنهم لا يشعرون بالاطمئنان ما دام على أرض لبنان جيوش غريبة: اسرائيليون وسوريون وفلسطينيون، نخشى، ان توطنوا نهائياً، على مستقبل لبنان ومستقبل تركيبته التي أشرتم اليها قبل قليل. كما أن هناك مسلحي حزب الله. فيما تخلى السعوديون والجزائريون والمغربيون، وهم عرابو اتفاق الطائف، عن الاتفاق لاهتمامهم بمشاكلهم. نحن نعلم أن ثمة مصلحة مشتركة بين لبنان وسوريا في قيام أحسن العلاقات الثنائية، انما مع المحافظة على سيادتنا. شيراك: هذا كله صحيح، انما يجب أن نذكر أيضاً أن الاقتصاد بدأ يتحسن، ودعوني أورد هذا المثل المبتذل: «القنينة نصف مليئة فلنر النصف المليء لا النصف الفارغ». لقد تحدثت مع رئيس وزراء ألمانيا، هلموت كول، ووعد بالمساعدة المالية للبنان. وكثيرون من اللبنانيين بدأوا يعودون من كندا لما تشكوه من ركود اقتصادي. وهناك العرب يشترون الأراضي. هذا دليل ثقة. صفير: هذا أيضاً مما يخيف المسيحيين. فالبقدر الذي نسر به بعلامات الثقة هذه بقدر ما نخشى أن يتم افراغ لبنان من سكانه الأصليين ويجري توطين غرباء. وتبادل البطريرك صفير مع ضيفه الفرنسي الهدايا فقدم اليه سبحة فضية وتلقى منه لوحة برونزية تمثل مراحل تاريخ باريس. بعد الخلوة التي دامت نحو ثلث ساعة، توجه سيد بكركي برفقة النائب البطريركي المطران رولان أبو جودة الى منزل الرئيس الحريري للمشاركة في مأدبة غداء أقامها رئيس الحكومة على شرف شيراك. وكان البطريرك صفير تلقى في السادس من نيسان 1993، دعوة من عمدة باريس للمشاركة في افتتاح معرض أيقونات لبنانية المصدر، ورد شاكراً عليها في السابع والعشرين من الشهر عينه مشيراً الى عدم قدرته على الذهاب شخصياً الى باريس والى أنه سيطلب من مدير البيت الفرنسي ـ اللبناني المونسنيور بطرس حرفوش تمثيله في المناسبة. واستغل سيد بكركي الرسالة الجوابية ليذكر شيراك بما قاله في الثلاثين من تشرين الأول 1986 يوم استقبله في مقر رئاسة وزراء فرنسا: «هل من الضروري أن أقول لغبطتكم أن الجهاد التي تخوضونه هو أيضاً جهادي، هو جهادنا؟». وأضاف البطريرك صفير في الرسالة: «هذا الجهاد – أتجرأ وأقول المشترك- لا يمكنه الا أن يستمر طالما أن لبنان لم يستعد سيادته الكاملة، واستقلاله الناجز، وحرية قراره التامة». مطالب إلى الإدارة الأميركية وحمّل البطريرك صفير سفير الولايات المتحدة رايان كروكر المغادر بعد سنتين أمضاها في لبنان، مطالبه الى الادارة الأميركية، عندما زاره في الديمان برفقة دايفيد هيل في الثاني والعشرين من تموز 1993. دار الحديث في حضور المطران بولس اميل سعادة وطلب الدبلوماسي الأميركي انطباعات الحبر الماروني لينقلها الى الخارجية الأميركية، وفي المقابل، طلب المضيف من ضيفه أن يكشف عن انطباعاته عن الفترة التي امضاها في لبنان. وأعاد البطريرك الماروني على مسمع الدبلوماسي المغادر ما كان قاله له مراراً: «ان الاقتصاد غير مرض، وهو مرتبط بالسياسة، وطالما هناك جيش أجنبي على أرض لبنان، فالقرار ليس للّبنانيين، والسيادة لا تزال ناقصة، ويُخشى، في هذه الحال، ألا يعود من هاجر وأن يهاجر من لا يزال مقيماً. على الولايات المتحدة ألا تكتفي بالتصريح بوجوب سحب الجيش السوري من لبنان بل عليها أن تأخذ تدابير عملية تنسجم مع دورها كراعية لاتفاق الطائف الذي ينص على اعادة الانتشار». رد كروكر باعادة تأكيد حرص الولايات المتحدة على استقلال لبنان وسيادته ودوره الفريد في منطقة الشرق الأوسط. الموقف الأميركي وكشف عن رغبته في تسجيل سلسلة ملاحظات ايجابية تجعل المراقب يتفاءل حيال مستقبل لبنان: 1- الوضع يتقدم وسيتقدم وازدحام الطرقات بالسيارات علامة حيوية. 2- الجيش ينتظم، وما كنا نتوقع أن ينتظم بسرعة ونحن نساعده وهناك ستون ضابطاً يتدربون عندنا. لقد أعطينا الجيش اللبناني سبعمئة ناقلة جند، لكننا لم نعطه أسلحة. 3- مجلس النواب الحالي أفضل من المجلس السابق وفيه عنصر شباب ونحن نعلم أنه ليس بالمثالي وأن الانتخابات داخلها تزوير انما مقارنة مع البلدان المجاورة يظل وضع لبنان ديموقراطياً أكثر من سواه. دامت المقابلة ساعة، طاف بعدها السيد البطريرك وضيوفه في أرجاء الكرسي البطريركي الصيفي. فأرشدهم الى غابة الأرز ومقر البطاركة في وادي قنوبين مع الشروحات اللازمة كي يتمكنوا من فهم ما تعنيه منطقة الجبة في الوجدان التاريخي الماروني. كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي زار فيها السفير رايان كروكر الديمان وأبدى اعجاباً كبيراً بما رآه وسمعه. وعندما جال وزير الخارجية الأميركية وارن كريستوفر على الدول المحيطة بلبنان، مطلع آب 1993، من غير أن يلحظ برنامج زيارته المعلن المرور بلبنان، استاء الحبر الماروني من هذا الأمر. واعتبره دليلاً على فقدان لبنان لزمام سياسته الخارجية «مما جعله أداة لتنفيذ مآرب لا شأن له بها، ولا فائدة منها له»، وفي الأول من أيلول، اطلع من الرئيس الياس الهراوي، بمناسبة حضور هذا الأخير حفل افتتاح الأسبوع الموسيقي في جامعة الروح القدس في الكسليك، على أجواء زيارة كريستوفر الى منزل رئيس الجمهورية في زحلة. فوصل الهراوي بكركي في الرابعة الا ربعاً، وعقد خلوة مع سيدها دامت نحو ساعة. وقال الهراوي انه طلب من رئيس الدبلوماسية الأميركية مساعدة لبنان على استعادة سيادته واستقلاله، وأنه بيّن له أن لبنان لا يمكنه أن يوقع اتفاق سلام منفرداً مع اسرائيل. اتفاق أوسلو نهاية آب 1993 فوجئ الرأي العام العالمي والعربي واللبناني بأنباء أفادت عن نجاح مفاوضات سرية فلسطينية-اسرائيلية جرت في أوسلو ستؤدي الى توقيع اعلان مبادئ على حكم ذاتي فلسطيني. عمّ التفاؤل اللبنانيين الذين ينتظرون نجاح عملية السلام في الشرق الأوسط، ومنهم البطريرك الماروني الذي يعتبر أن ايجاد حلّ حقيقي للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي من شأنه أن يشكل مدخلاً لحل باقي النزاعات الناجمة عنه. ورأى مجلس المطارنة الموارنة، برئاسة البطريرك صفير، في البيان الذي أصدره بعد اجتماعه في الأول من أيلول 1993 أن «التغيير المرتقب يحمل على الأمل بأن لبنان سيتحرر من كل المعوقات التي حالت حتى اليوم دون استرجاع سيادته تامة على جميع أراضيه واستقلاله الناجز وقراره الوطني الحر، اذا عرف الشعب اللبناني أن يقف صفاً واحداً للمطالبة بحقه التاريخي في هذا المجال. ولكن هذا التغيير قد يكون، في الوقت عينه، سبباً لاستمرار الوصاية على هذا الوطن اذا ظل المسؤولون عن مصيره يظهرون بمظهر العاجزين عن الاتفاق فيما بينهم على مواجهة المستقبل بقرار واع وجازم بعيداً عن خلافات اقتسام الحصص في التعيينات على أنواعها، وفي غنى عن مداخلات غير لبنانية للتوفيق بينهم ووضع حدّ لخلافاتهم الشخصية». غداة توقيع اتفاق اعلان المبادئ في واشنطن، زار وزير الخارجية فارس بويز بكركي وأطلع سيدها على ما توفر لديه من معطيات. ورأى أن الوضع دقيق بعد أن وقع الفلسطينيون على اتفاق «غزة وأريحا أولاً» وأضاف: «لذلك يجب أن ينشط لبنان للمحافظة على حقوقه وأن يطالب بانسحاب اسرائيل من الجنوب دون تحديد مهل انسحاب تدريجية لأن ذلك سيحمل سوريا على الاصرار على بقاء جيشها في لبنان ريثما يتم الانسحاب الاسرائيلي كاملاً فيبقى لبنان تحت وصاية سورية». طلب مساعدة الكونغرس وتناول اللقاء بين البطريرك الماروني ووزير الخارجية قضية التوطين واتفقا على أنها «خطرة على لبنان، وهو بلد صغير وكثافة سكانية كبيرة، لا يمكنه أن يقبل بتوطين الفلسطينيين فهذا يحدث اختلالاً بالتوازن السكاني ويساعد على بقاء السوريين بحجة المحافظة على الأمن ومنع التظاهرات. واستمرار وجود الجيش السوري في لبنان سيمنع المهاجرين من العودة مما سيزيد من اختلال التوازن الاسلامي – المسيحي وهذا يهدد لبنان بالزوال. لذلك لا بد من مضاعفة التحرك لدى الولايات المتحدة وفرنسا والفاتيكان لتأمين انسحاب القوات السورية من لبنان». وهنا أبدى البطريرك صفير استعداده لارسال كتاب الى رئيس الأكثرية الديموقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي جورج ميتشل يسأله فيه مساعدة لبنان على استعادة سيادته. وكشف بويز للحبر الماروني أنه أمضى خمس ساعات ونصف الساعة مع الرئيس السوري حافظ الأسد، قبل خمسة أيام. وقال انه لاحظ عليه أنه، خلافاً للعادة، أبدى الأسد بعض القلق من جراء أنه لم يعد له حليف بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان يزوده بالسلاح. وأضاف وزير الخارجية: «لقد أصبح سلاحه قديماً فيما الأميركيون يطوّرون أسلحتهم ويمدّون بها اسرائيل وقد أصبحت سوريا معزولة». رسالة إلى الكونغرس وبناء على ما اتفق ووزير الخارجية، وجّه البطريرك الماروني رسالة الى رئيس الأكثرية في مجلس الشيوخ الأميركي جورج ميتشل، في التاسع عشر من أيلول 1993، «لفت فيها نظره الى ثلاثة أمور مهمة»: 1- وجوب انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان دونما ابطاء وبغير مهل، والجيش اللبناني باستطاعته أن يقوم بواجب حماية الأمن حيثما يوكل اليه ذلك. وهذا يوجبه قرار مجلس الأمن رقم 425 الصادر سنة 1978. 2- وجوب انسحاب القوات السورية، تطبيقاً لاتفاق الطائف، الى البقاع ثم الى الأراضي السورية نهائياً. 3- العمل على الحيلولة دون توطين الفلسطينيين نهائياً في لبنان لصغر أرضه وكثافته السكانية وانعكاس هذا التوطين على التوازن الاسلامي – المسيحي(…)». الـحلقة الثامنة عشرة رهان على مساندة الفاتيكان للموقف اللبناني
