القبس تنشر أوراقا من مذكرات البطريـــرك صفير (1992 – 1998).. حول لبنان صفير: اللبنانيون يتفاهمون متى أصبحوا وحدهم(18)
عند الثامنة من صباح الرابع من تشرين الأول، حضر القائم بالأعمال في السفارة الأميركية فنسنت باتل ومساعده دايفيد هيل القداس في المصلى الخاص حيث يحتفل به البطريرك الماروني في أيام الأسبوع. وقد قدّم سيد بكركي نسخة عن كتاب القداس الجديد المكتوب باللغة العربية الى الدبلوماسي الأميركي. وبعد انتهاء الصلاة، انتقل الجميع الى المائدة وتناولوا الفطور بحضور النائب البطريركي المطران بولس مطر. ثم عقد اجتماع دام من التاسعة والدقيقة الخامسة والعشرين حتى الحادية عشرة والربع. بدأ باتل بالكلام عن ضرورة أن يتحمل اللبنانيون مسؤولياتهم قبل أن ينتظروا مساعدة الولايات المتحدة والعالم. وقال: «اللبنانيون لا يبذلون الجهد الكافي لجمع صفوفهم ووضع خطة للخروج من وضعهم وهم ينتظرون الخلاص من الخارج». صفير: ان الفسلطينيين والاسرائيليين والسوريين قسّموهم واستعملوهم كأدوات. أعطوهم سلاحاً وأموالاً فاقتتلوا. باتل: لو لم يقبلوا بذلك لما استطاع أحد أن يجبرهم عليه. صفير: ان ثمة قرارات اتخذتها الأمم المتحدة تقضي باخراج جميع الجيوش من لبنان، لماذا لم تنفذ؟ باتل: هذا حق لبناني وتقصير من المجموعة الدولية. ولكن ليس كل اللبنانيين يريدون انسحاب سوريا من لبنان. فهناك حزب الله وأشكاله، وهم ايضاً لبنانيون ولا يمكن تجاهلهم، ولذلك لا يمكن القول ان جميع اللبنانيين لهم موقف موحد. صفير: سوريا وايران تسهلان لهم اتخاذ مواقعهم داخل التركيبة اللبنانية. باتل: جميع اللبنانيين لا يظهرون القدر الكافي من التضحية في سبيل وطنهم والدفاع عن الحريات مكلف وخطر. صفير بلهجة حازمة: ساعدونا على اخراج الجيوش الأجنبية ونحن نتكفل بالباقي واللبنانيون يتفاهمون متى أصبحوا وحدهم في لبنان. التوازن الطائفي ولفت الدبلوماسي الأميركي الى جو الحرية الذي يتمتع به لبنان مقارنة مع البلدان العربية المجاورة خصوصاً في مجال الصحافة. وتطرق الى ترسخ الشعور الطائفي لدى اللبنانيين متسائلاً: «لماذا عليّ زيارة الشيخ (محمد مهدي) شمس الدين كل مرة أزور فيها البطريرك؟». بحلول تشرين الأول من العام 1993، كان ما لمسه سيد بكركي من محادثاته مع بعض المسؤولين الغربيين وغير المسؤولين، «يدل على أنهم لا ينظرون الى المنطقة، ولبنان منها، بعين التقدير من حيث النظام الديموقراطي فهم يقولون: لماذا يريد لبنان أن ينفرد عن المنطقة ويمارس الديموقراطية بطريقة أفضل مما هي تمارس في كل البلدان المحيطة. وليس في أي بلد منها انتخابات يمكن أن يقال فيها انها صحيحة. وهم يرون أن مقاطعة الانتخابات عزلت المسيحيين وكان عليهم أن يشاركوا فيها لتبقى لهم مواقعهم. ومما يعيبون به اللبنانيين قولهم انهم لا يعرفون كيف يجمعون صفوفهم ولا يريدون أن يضحوا في سبيل استعادة حريتهم، وهم يتكلون على سواهم في هذا الأمر. واذا قيل لهم ان اللبنانيين ابان الحرب كانوا أدوات بيد غيرهم فأعطوهم سلاحاً ومالاً وقالوا لهم أو أوحوا اليهم بأن يقتتلوا فاقتتلوا، لكنهم يقولون: «لو أن اللبنانيين عندهم من المناعة الكافية لما كانوا يرضون بأن يكونوا أدوات بيد سواهم». تشبث بلبنان لم تحبط هذه الانطباعات البطريرك صفير التي كانت مبنية بالاجمال على اقتناع بعض الدبلوماسيات الغربية، وعلى رأسها الدبلوماسية الأميركية، بأن لبنان خطأ تاريخي فرنسي، وبأنه غير قابل للحياة الا اذا كان تحت وصاية دائمة. وكان رده عليها بالمزيد من التشبث والدعوة الى الاتكال على الذات. آمن من ذلك الحين بلبنان وبوجود شعور وطني لبناني حقيقي سيظهر الى العلن متى تراجعت الضغوط. لم يقتنع بالنظرية القائلة بأن المسلمين اللبنانيين لا يعيرون أهمية لاستقلال لبنان ولا يقرون بأهمية الدور الذي يلعبه في محيطه. ومما كان يقوله في حينه في مجالسه الخاصة: «علينا أن نجمع رأينا على الثوابت، على الأقل. فنطالب باستعادة سيادتنا واستقلالنا وحرية قرارنا، وهذه لا أظن أن هناك خلافاً عليها. ويجب أن نعرف كيف نصفح ونغفر ونتصالح ونعود لنبني معاً، والا نكون قد أثبتنا أننا لا نزال قاصرين، لا يمكننا أن نسيّر أمورنا بذاتنا وأننا بحاجة دائمة الى وصاية. وهذا من شأنه أن يلغي دور لبنان بانتظار أن يزول كيانه. ودور لبنان أن يكون صلة وصل بين البحر والصحراء، بين شرق وغرب، أن يكون واحة حرية». دعم الفاتيكان واستند سيد بكركي، كالمعتاد، على دبلوماسية الكرسي الرسولي وعلى تدخل الحبر الأعظم لدى الأسرة الدولية في سبيل تغيير الصورة التي كونتها الأسرة الدولية عن لبنان. وهو يعلم مدى الأهمية التي توليها روما للملف اللبناني، وقد خبر على مدى سنوات حبريته حجم الدعم المعنوي والمادي الذي قدمته لانقاذ لبنان من براثن الحرب والقوى الطامعة فيه. وكان البطريرك الماروني يناشد البابا يوحنا بولس الثاني، كتابة وفي كل مرة يلتقيه، التدخل لدى القوى الفاعلة لاقناعها بضرورة بذل الجهود لاخراج جميع القوى الأجنبية من لبنان والحيلولة دون توطين الفلسطينيين فيه. وقد جدّد مناشدته هذه عندما أخذت مفاوضات السلام منحى أوحى باقتراب التوصل الى حل لمشكلة الشرق الأوسط. اذ كان قلقه بالغاً من أن تاتي الحلول على حساب لبنان. وقد حمل السفير البابوي،الى البطريرك صفير، رسالة جوابية من الكاردينال أنجلو سودانو، أمين سر الدولة البابوية، كتبها باسم البابا يوحنا بولس الثاني وفيها تجديد للوعود ببذل كل جهد تحقيقاً لهذا المطلب. خلاف بويز والحريري وكان البطريرك الماروني يتابع، اضافة الى مستجدات السياسة الخارجية اللبنانية، التباينات والخلافات بين الرئيس رفيق الحريري ووزير الخارجية فارس بويز، منذ بدايتها. وقد زاره الأخير في الحادي والعشرين من تشرين الأول 1993، وقدّم له ملخصاً عن رحلته الى الأمم المتحدة ومقابلته للرئيس الأميركي بيل كلينتون وجميع الرسميين الأميركيين المعنيين بقضية الشرق الأوسط. وكذلك عن رحلته الى فرنسا فيما كان الحريري يرأس وفداً ضم اليه وزير الصحة مروان حمادة بدلاً منه. وقال بويز: «طالبت، خلال اجتماعاتي بالمسؤولين الأميركيين والفرنسيين، باخراج جميع الجيوش الأجنبية من لبنان. فيما الحريري طالب كلينتون باخراج اسرائيل فقط وبالسماح للأميركيين بزيارة لبنان ولطائرات الشرق الأوسط بالهبوط في الولايات المتحدة. ولم يأت على ذكر سوريا». وحرص الكرسي الرسولي على التنسيق الكامل مع البطاركة الكاثوليك في الشرق وفي مقدمهم البطريرك الماروني. وقبل أن تُعلن نتائج الاتصالات بين الفاتيكان واسرائيل، أرادت الدولة البابوية أن تقف على رأي سيد بكركي. وفي السابع عشر من تشرين الثاني1993، جاء السفير البابوي الى الصرح البطريركي موفداً من الكاردينال أنجلو سودانو ليسأل رأي سيد بكركي في مسألة اقدام الكرسي الرسولي قريباً على الاعتراف بدولة اسرائيل. فرد البطريرك صفير بالقول: «اذا رأى الكرسي الرسولي أن مصلحة الكنيسة ككل تقضي بذلك، فنحن لا يمكننا أن نقف في وجه الكنيسة خصوصاً أن العديد من الدول العربية اما اعترفت باسرائيل واما تتفاوض معها بغية التوصل الى الاعتراف بها». وزير خارجية فرنسا واستقبل البطريرك الماروني في التاسع عشر من تشرين الثاني 1993 وزير الخارجية الفرنسية آلان جوبيه على رأس وفد دبلوماسي تجاوز العشرين شخصاً وضم السفير الفرنسي لدى بيروت ميشال شاتليه وعقيلته ومعاونين وأمناء سر حرصوا على تدوين وقائع المقابلة. وقد حرص سيد بكركي على اعداد استقبال لائق بالضيف الفرنسي. فكان الأبوان يوسف طوق وميشال عويط في استقباله على الباب السفلي للصرح البطريركي، المطل على الساحة الكبيرة، والمطرانان رولان أبو جودة وبولس مطر على الرتاج الداخلي، وسيد الصرح والأب يوحنا عويس على مدخل القاعة الكبرى حيث جلس كل الحاضرين. وفيما هو يدخل الى القاعة محاطاً بوزير الخارجية الفرنسية والسفير الفرنسي، بادر البطريرك الماروني بسؤال جوبيه عمّا اذا كان تعباً فأجابه: «لا يخلو الأمر من تعب لأننا زرنا الأردن وسوريا ونحن الآن هنا وسنغادر الى اسبانيا بعد الظهر». وبعد أن جلس الى يمين سيد بكركي، طرح رئيس الدبلوماسية الفرنسية أسئلة استيضاحية عن الوضع في لبنان وموقف البطريرك الماروني من المستجدات ومن مجرى الأحداث في شكل عام. فسأل عن الوضع الأمني وتنفيذ اتفاق الطائف ومسيرة السلام وعودة اللبنانيين المهاجرين من جراء الحرب والأمل بانهاض البلاد. – بصراحة، أجاب سيد بكركي، ما دام على الأرض اللبنانية جيوش غير لبنانية فلا أمل بتحسين الأحوال أكثر مما تحسنت. هناك قرارات لمصلحة لبنان لم تنفذ، وبخاصة القرار 425. سكت المدفع، صحيح، ولا قنابل تتساقط على رؤوس الناس، ولا حواجز، انما الناس غير مطمئنين، والمهاجرون، وان رجع بعضهم، فهم يترددون في العودة لأنهم غير مطمئنين الى أمنهم. – هل طبق الطائف؟ سأل وزير الخارجية بكل جدية. – لم يطبق كما يجب، لأن المهجرين لم يعودوا بعد، وعددهم نصف مليون، معظمهم مسيحيون. والسلاح لم ينزع من أيدي جميع الناس والمجلس الدستوري أنشئ لكن أعضاءه لم يعينوا، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي لم يبصر النور، واللامركزية الادارية غير مطروحة الى ما هنالك… – هل تعتبر أن مقاطعة الانتخابات النيابية الصيف الماضي كانت خطأ؟ المقاطعة وأسبابها – بعضهم يعتقد ذلك. نحن تركنا الخيار، انما لم تكن العملية صحيحة منذ البدء. قانون الانتخاب كان خطأ. من كان اسمه على اللائحة المدعومة من سوريا، كان واثقاً من الفوز. ومن لم يكن على اللائحة لن يفوز، ولو انتخبه جميع اللبنانيين. لذلك لا يشعر الشعب أنه ممثل. المطلوب انتخابات صحيحة ينبثق منها حكومة صحيحة ورئيس ينتخبه المجلس. هناك اليوم فجوة بين الحكام والشعب. كانت المقاطعة المخرج الوحيد للحيلولة دون أن يتخذ المجلس قرارات تقرر مصير البلاد. لذلك لم يعد لنا، في هذه الحال، الا ان نقول: هذا المجلس النيابي لا يمثلنا ما دام أكثر من ثمانين بالمئة من اللبنانيين امتنعوا عن الادلاء بأصواتهم. دائما كان هناك حاكم لبناني – كيف ترى، غبطتكم، مسيرة السلام؟ – اذا كانت ستتم على حساب لبنان وتكريس هيمنة سوريا واقتطاع قسم من الجنوب لاسرائيل فلن يكون السلام الذي نريد. أما اذا أعيد لبنان الى وضعه الطبيعي فنحن مع هذا السلام. توطين الفلسطينيين لا يمكن أن يتم في لبنان لأنه يخلخل التوازن الاسلامي-المسيحي. لبنان ليست حدوده مصطنعة، كما يحلو القول لبعضهم. البطريرك الحويك طلب من مؤتمر السلام اعادة لبنان الى حدوده الطبيعية التي كانت قائمة قبل العام 1860 لم يحكم التركي لبنان ابداً مباشرة، بل كان هناك دائماً حاكم لبناني، ونحن اليوم أيضاً لسنا بقاصرين ولا حاجة لنا الى وصاية. مصلحة لبنان وسوريا المشتركة تقضي بأن نكون على أحسن علاقة مع سوريا شرط أن نتدبر أمورنا الداخلية بذاتنا. وامتدح الحبر الماروني دور فرنسا التي قادت لبنان الى الاستقلال وأقامت فيه مؤسسات دستورية وادارية مثل رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب والمحاكم والدوائر العقارية. وتحدث عن الثقافة التي هي غنى لبنان، ولا بترول عنده ولا معادن، وهو مدين بقسم كبير من ثقافته الى فرنسا التي يذهب اليها الطلاب اللبنانيون ليتموا دراساتهم في جامعاتها. وشكر وزير الخارجية الفرنسية للبطريرك صفير استقباله اياه. وقال انه صرّح أكثر من مرة بوجوب اخراج جميع الجيوش من الأراضي اللبنانية. وسأله عما اذا كان سيزور فرنسا مبدياً ترحيبه به في ما لو عزم على زيارتها. ودامت الزيارة خمساً وأربعين دقيقة، وانتهت بتبادل التمنيات بالتوفيق. في الثالث والعشرين من كانون الأول، استمع الى السفير السابق سيمون كرم وأخبره عن الاتصالات التي أجراها بالادارة الأميركية قبل عودته النهائية الى لبنان. وقال لسيد بكركي ان هذه الادارة يتنازعها عاملان: أحدها غير مبال بأمر لبنان والثاني يرى، في الوقت الحاضر، ما يمكنه أن يعمل من أجله في ظل المعطيات الراهنة. وأبدى كرم اعتقاده أن زيارة يقوم بها الحبر الماروني الى الولايات المتحدة ويقابل رئيسها من شأنها أن تحمل فوائد للمسألة اللبنانية. هامبلي يعرف العربية وختم الحبر الماروني العام 1993، على مستوى العلاقات مع الدبلوماسيين، باستقبال السفير الجديد للولايات المتحدة لدى لبنان مارك هامبلي في زيارة بروتوكولية أولى الى بكركي، بعد نحو أسبوع من تقديم أوراق اعتماده لرئيس الجمهورية. وقد بدا الدبلوماسي الأميركي، للبطريرك صفير، كهلاً أنيقاً في ملبسه كما في تصرفاته. ولفته أنه يتكلم العربية التي تعلمها، على ما قال، في سفارة الولايات المتحدة، في عين المريسة، في الستينات. وأوجز هامبلي لمضيفه مسيرته الدبلوماسية التي شملت أيضاً تونس واليمن وسوريا حتى جاء لبنان سفيراً. وعرض السفير الأميركي الأوضاع مستفسراً عن مواقف سيد بكركي منها. فيما شدد البطريرك صفير على أمرين: مسيرة السلام وأمل لبنان في أن يعود اليه السلام كاملاً، والأزمة الاقتصادية الناتجة عن الأزمة السياسية. وشرح وجهة نظره من الوضع في لبنان والهوة القائمة بين الشعب والحكام وبخاصة النواب الذين لم ينتخبهم الشعب بل عُينوا. وقال بلهجة حازمة: «يجب اخراج جميع الجيوش من الأرض اللبنانية: الاسرائيلية والسورية والفلسطينية». فأكمل هامبلي على الايقاع نفسه قائلاً: «والايرانية». واكد السفير الجديد أن سياسة الحكومة الأميركية تؤكد سيادة لبنان واستقلاله وحرية قراره خلافاً لما ينشره بعض الصحف عن موقف واشنطن من الوضع اللبناني. فرد البطريرك صفير بالقول: «لبنان لم يستطع أي بلد أن يحل مكانه ابان سني الحرب ولا بد للولايات المتحدة أن تتابع دعمها له حتى يستعيد مكانته». وكان جو المحادثة ودياً ووعد هامبلي بأن يزور بكركي من وقت لآخر. الـحلقة التاسعة عشرة العلاقة مــع جنبلاط ومعالجة قضية المهجرين
