القبس تنشر أوراقا من مذكرات البطريـــرك صفير (1992 – 1998).. حول لبنان(19) .. وتأجلت زيارة الشوف
جنبلاط يجدد هجومه على صفير بعد تعثر زيارة الجبل مع تراجع فرص حصول الزيارة في ظرف قريب، عاد جنبلاط الى خطاب سلبي حيال البطريرك صفير ينتقد مواقفه المطالبة باستعادة لبنان لسيادته على أرضه: «نذكّر البطريرك وغير البطريرك في لبنان وخارجه، اننا مع وحدة البلد واستقراره، ولكن مع تحرير الهوية الوطنية لهذا البلد. نريد لبنان عربياً. يريدون لبنان غربياً مارونياً (…) ليحدد البطريرك من هي تلك الجيوش التي تزعجه. لما لا تبدر منه كلمة جيش اسرائيلي أو أنه يحدد فقط الجيش السوري. يريد أن ينسحب الجيش السوري فماذا سيحصل لنا؟ هل يتحمل مسؤولية هذا الكلام، عملانياً وأمنياً وسياسياً؟»، وفي موضع آخر، قال: «لو عادت لي، لأنشأت وزارة اصلاح زراعي في لبنان وأمّمت كل أملاك الكنيسة ووزعتها على الفــــــقراء من المسيحيين (…) وكذلك الحال بالنسبة الى أوقاف الشيعة والسنة والدروز (…) نحن عندما ذهبنا كوفد الى بكركي، ذهبنا بكل حسن نية وصدق كي نقول لبكركي: لنختم الأحزان، ولنفتح صفحة جديدة وطنية في الجبل. مع الأسف لم يكن هناك من تجاوب. دخلت حسابات قصيرة المدى جداً». وفي التاسع والعشرين من كانون الأول 1993، دعا وزير الاعلام ميشال سماحة البطريرك صفير الى أن يزور جميع مناطق لبنان وخاصة الــــشوف قــــبل زيارة الــــبابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان. وقال للبطريرك انه يُعد قانون اعلام متطوراً لا يسمح باقفال وسيلة اعلامية دون صدور حكم قضائي بذلك. صبيحة رأس سنة 1994، فاتح البطريرك صفير رئيس الحكومة رفيق الحريري بقضية عودة المهجرين مثيراً هواجس المهجرين من ممارسات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على رأس وزارة شؤون المهجرين الذين «لا يريدون العودة تحت وصاية شخص بل في ظل الدولة». فرد الحريري: «يجب تشجيعهم على العودة، وكلما عادوا بكثرة خفّ الضغط عليهم. وليد جنبلاط يعاني من مشاكل مع الدروز. لذلك اذا ضحينا ببعض المال يأخذه جنبلاط ليعطيه للدروز، فنكون قد عملنا على حلّ المشكلة، والمال لا يسلم اليه بل الى أصحاب الحقوق. واذا أعطينا عائلة خمسة آلاف دولار لتترك منزلاً وتذهب الى بيت مهدم فهل هذا كثير؟ واذا أخذ جنبلاط مائة مليون وأرجع المسيحيين الذين سيصوتون ضده في الانتخابات فهذا ليس بكثير. وهو يفضّل ألا يعود المسيحيون اذا استطاع، بعد أن توازنت زعامته مع زعامة طلال أرسلان حيث عاد المسيحيون الى الجبل». وفي موضوع زيارة البطريرك الماروني الى الشوف، رأى رئيس الحكومة رفيق الحريري أنه من المستحسن أن يقوم البطريرك بالزيارة لما يمكن أن تتركه من نتائج ايجابية على مستوى تشجيع المهجرين على العودة الى قراهم في الجبل. أما في ما يختص بضرورة أخذ آل أرسلان بالاعتبار، فيمكن زيارة طلال أرسلان في وقت آخر. ورد سيد بكركي على هذا الاقتراح بالتأكيد على الأسباب التي أقنعته بارجاء زيارة الشوف مضيفاً: «عندما رأينا أن هذه الزيارة سترضي أناساً وتغضب غيرهم، وأنها ستتسبب بسلبيات أكثر من ايجابيات تريثنا للقيام بها ريثما نتمكن من ايجاد تسوية وحل العقد. والزيارة لا تزال واردة على أن تتم في جو ايجابي سليم». وظل المقرّبون من جنبلاط يحاولون اقناع البطريرك صفير بزيارة الجبل وبقي بطريرك الموارنة على موقفه بأن الجو الملائم غير متوافر ولم يتوافر هذا الجو قبل مطلع آب سنة 2001. زيارة أستراليا شكلت زيارة السيد البطريرك الى أستراليا بين الرابع والعشرين من تشرين الأول والعاشر من تشرين الثاني 1993، تحولاً مفصلياً في حبرية البطريرك الماروني السادس والسبعين لأنها كانت الاطار الأول الذي تجلى فيه تجاوب الرأي العام وثقته بنمط تفكير البطريرك صفير وأسلوب عمله. حتى ذلك التاريخ، كان في اعتبارات المراقبين أن سيد بكركي في غربة عن الرأي العام المسيحي الذي كان في غالبيته معارضاً لاتفاق الطائف، وأن التلاقي حول معارضة الانتخابات النيابية في صيف 1992 كان ظرفياً وانتهى بانتهاء العمليات الانتخابية. بيد أن ما شهدته زيارة أستراليا أكد بما لا يقبل الشك أن الرعية استعادت ثقتها براعيها وأن موجة تأييد لطروحاته أخذت تتبلور وتكبر حتى بلغت حداً قارب الاجماع ظهر لاحقاً في مناسبات عدة. أسئلة عديدة ولدى وصوله الى استراليا، استقبلته الصحافة بأسئلة حول المسائل المطروحة كافة بدءاً من موقفه من اتفاق أوسلو وصولاً الى مسألة الاحباط عند المسيحيين. فأعطى رأياً متمايزاً عن الاتفاق بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ففي حين ندد به البعض وأشاد به البعض الآخر، قال الحبر الماروني: «نحن نرحب بكل مسعى يؤدي الى السلام أما أن نقول ان هذا السلام قد تم فلا يمكننا أن نقول ذلك». وأجاب عن أسئلة متعلقة بشكوى المسيحيين وبطريقة تطبيق اتفاق الطائف: «قلنا أكثر من مرة ان كلمة احباط ربما استعملت في غير معناها. ولغوياً يقال أحبط مؤامرة أو فشّلها (…)ربما كانت هناك مؤامرات على لبنان انما انتهينا منها. أما الآن فلا يمكننا أن نقول ان المسيحيين، وغير المسيحيين في الوقت عينه، راضون كل الرضا عن الطريقة التي تسير بها الأمور من الناحية الاقتصادية والسياسية ومعروف ان الاقتصاد والسياسة متلازمان (…) هناك اتفاقات، واتفاق الطائف بالدرجة الأولى، وكل بلد عندما يكون فيه جيوش من غير المواطنين فان سيادته لا تكون سيادة كاملة، علما بأنه من مصلحة كل بلد أن تقوم بينه وبين البلد المجاور أصدق علامات الصداقة وأخلص العلاقات ان على الصعيد الاقتصادي أو السياسي». ارتفعت، في اليوم الثاني للزيارة، وتيرة الخطاب البطريركي: «ان الحرية لا تعطى بل تؤخذ بجهاد وتعب والسيادة لا تمنح وانما تفرض نفسها، وما دام هناك جيوش غريبة على أرضنا لن نشعر يوماً بأننا حائزون على السلام. (…)ان لبنان بلد التعايش المشترك بين المسيحيين والمسلمين وعلينا المحافظة على التوازن بين الطوائف والا أصبحنا بلداً اسلامي الانتماء أو مسيحياً منعزلاً عن جيرانه. (…) لا خوف على الموارنة في لبنان لأنهم الضمانة لأنفسهم». ورداً على سؤال عما اذا كان خائفاً على مستقبل المسيحيين في لبنان قال الحبر الماروني: «هذا الخوف ليس فقط في لبنان بل في دول المنطقة بكاملها، ولهذا القلق أسباب منها عدم تمتع المواطنين المسيحيين بحقوقهم كسائر الفئات». وفي اليوم العاشر لزيارته، قال: «ان دولاً وجيوشاً وغزوات تعاقبت على لبنان(…) فرأى الأشوريين (…) والصليبيين والمماليك والعثمانيين والفرنسيين يمرون على أرضه ويذهبون ولم يستطيعوا أن يسلبوه نفسه ونزعته الى الحرية والديموقراطية (…) ولبنان ليس رقعة ضيقة من الأرض، بل امبراطورية انتشر أبناؤها تحت كل سما»، وفي مناسبة أخرى قال: «ولبنان ليس مساحة جغرافية بل مساحة فكرية واللبناني خارج الحرية يموت». وكانت للبطريرك الماروني لقاءات مع العديد من الشخصيات السياسية الأسترالية متحدرة من أصل لبناني وغيرها. وتوجّه باجتماع مع رئيس الحكومة الفدرالية بول كيتينغ في الثامن من تشرين الثاني. في الرابعة والنصف من بعد ظهر ذلك النهار، وصل الحبر الماروني الى مقر رئاسة الحكومة الأسترالية فطاف مع الوفد المرافق في أرجائه بقيادة أحد الموظفين الشباب. وعند الساعة الخامسة، حان الموعد فأخذ الدليل الوفد البطريركي الى حيث يستقبل رئيس الوزراء زائريه في قاعة متوسطة الحجم وعادية وقد أشار أحد موظفي البروتوكول الى الكرسي الذي يجلس عليه رئيس الحكومة وقال للبطريرك بكل كياسة: «تفضلوا» مشيراً الى كرسي على شمال كرسي رئيس الحكومة. واتخذ كل من أعضاء الوفد مجلساً له وكان مؤلفاً من المطرانين حتي ومطر والسفير اللبناني لطيف أبو الحسن وجورج غصين وجوي الدويهي والشماس جفري عبد الله وجورج بشير وبشارة الخوري. وجاء رئيس الوزراء بول كيتينغ الى القاعة وسلم على ضيوفه، وهو معتدل القوام، يبدو في الخمسين من عمره، ويتكلم بهدوء بطريقة تعبر بوضوح عما يريد قوله. بادر المضيف بالسؤال عما اذا كان ضيوفه مسرورين في وجودهم في استراليا وعما اذا كانوا سيمضون أياماً عديدة. فأجاب الحبر الماروني بأنه سر باقامته فيها مدة أسبوعين وأنه يغادرها في اليوم التالي. وشكر للحكومة الأوسترالية الرعاية الكريمة التي خصت بها اللبنانيين معرباً عن سروره لمعرفته بأنهم يساهمون في ازدهار أستراليا فيما يستفيدون من مناخ الحرية والديموقراطية الذي وجدوه في هذه البلاد. وقال الحبر الماروني ان اللبنانيين يتكبدون مشقات ونفقات لا طاقة لهم عليها كي يحصلوا على تأشيرة للسفر الى أستراليا. وأضاف: «لو أعدتم فتح السفارة لكان ذلك يوفر عليهم الكثير من المال والعذاب. وبعد، فلا أعداء لأستراليا في لبنان الذي يمتاز بأمر وهو العيش المسيحي-الاسلامي المشترك وهذا ما نشهده عندكم في أستراليا». – هذا ما بدأ يغير وجه أستراليا، فنحن عندنا من الوافدين علينا من الصين وتايلندا وسواها عدد كبير. بلادنا أصبحت متعددة الثقافات وهناك سبع عشرة لغة يتكلمها السكان، قال كيتينغ قبل أن ينقل الحديث الى الاستفسار عن الوضع السياسي في لبنان. – نأمل أن يتحسن مع تقدم عملية السلام. انما لن يكون السلام حقيقياً ما دام على أرضنا جيوش غريبة، ولنا قرارات أخذتها منظمة الأمم المتحدة تقضي باخراج القوات الغريبة من لبنان. ولكن على منظمة الأمم المتحدة أن تساعد لبنان على استعادة وضعه الطبيعي. وهنا تدخل سفير لبنان لطيف أبو الحسن بالحديث ليعرب عن وجهة نظر حكومة لبنان الرسمية المطالبة بتنفيذ القرار 425 باعتبار أنه يشكل الأولوية بالنسبة اليها. ثم سأل أحد الحاضرين عن عدد الناخبين من أصل لبناني في دائرة رئيس الوزراء فأجاب: «ستة عشر ألف ناخب من أصل سبعين ألف صوت أخذتها». وأثار جوي الدويهي مسألة بناء كنيسة ومدرسة في آنفيلد فأبدى المسؤول الأسترالي الكثير من الاهتمام بالمسألة، قبل أن يتطرق الى معضلة السكان الأصليين الذين وجدوا في أستراليا منذ أربعة آلاف سنة وهم يريدون أن يأخذوا أرضاً لهم انما الخوف أن يعلنوا دولة في قلب الدولة وهذا يؤذي البلاد. وفي ختام اللقاء الذي دام ثلاثة أرباع الساعة واتسم بالود والمرح، قدّم البطريرك الماروني لرئيس الحكومة الفدرالية كتاباً فيه صور قديمة عن لبنان يرقى بعضها الى القرن الخامس عشر فتقبله برضا ظاهر. ورافق كيتينغ البطريرك الماروني الى الباب الخارجي المطل على الساحة حيث كانت السيارة تنتظره والمطر يتساقط. وما أن استقلها مع صحبه حتى بدأت التعليقات المشيرة الى نجاح المقابلة وخصوصاً الى مبادرة كيتينغ الى مرافقة سيد بكركي الى السيارة التي أقلته. وأكد الأستراليون من بينهم أن «قلّما يرافق رئيس الوزراء زائريه». وعلم البطريرك في المساء أن بشارة الخوري الذي كان برفقتهم في الزيارة وله مدخله على الرئيس سأل هذا الأخير عن رأيه في المقابلة، فأجابه: «أعجبني الرجل»I liked the man . أما سفير لبنان لدى أستراليا، فنقل الى وزارة الخارجية اللبنانية وقائع لقاء البطريرك الماروني والمسؤول الأسترالي، خلال زيارته، وذكر في تقريره أنه تدخل خلال الاجتماع بينهما ليوضح وجهة نظر الحكومة اللبنانية التي تضع نصب عينيها تطبيق القرار الدولي رقم 425 قبل أي أمر آخر38. لقد كانت زيارة أستراليا فاتحة تفاعل الجماهير مع طروحات البطريرك صفير الداعية الى التشبث بالثوابت الوطنية من غير أن يؤدي ذلك الى التشنج والمغامرات المتهورة. لم تغره الحشود والجماهير الهاتفة باسمه يوماً، فكثيراً ما قيل له أن يأخذ مواقف معينة تؤمن له تأييد الشعب، لكنه لم يرد أن تكون له مواقف لا ترضي اقتناعاته ولا يرى فيها فائدة للبنان. لقد ارتاح سيد بكركي الى بداية تفهم الرأي العام اللبناني في لبنان والانتشار لطريقة تفكيره وعمله. وعبّر عن ارتياحه في مدرسة مار شربل عشية عودته الى لبنان، منهياً زيارة تاريخية دامت ستة عشر يوماً، في كلمة مرتجلة لفت فيها الى الفارق الذي لاحظه بين حشود أسترالي وحشود لبنان: «(…) خلال هذه اللقاءات شعرت بأنني لا أزال في لبنان والحشود التي استقبلتني هنا لم أر مثيلاً لها في لبنان لأنه كما تعرفون فان الحشود التي كانت تأتي، في بعض الأحيان، الى بكركي كان لبعضها غايات معينة». كانت أنباء تفاعل القوى اللبنانية في لبنان مع مواقف البطريرك صفير في أستراليا تصل اليه رغم بعد المسافة والفارق في التوقيت الزمني. وقد وصله استياء الموالين وترحيب المعارضين وبدا جاهزاً للتعامل مع أي استفهام عن أسباب رفعه سقف المطالبة بالثوابت بعد أن استكان بعض الشيء في الأشهر التي سبقت الزيارة الى أستراليا. ويوم عودته من أستراليا، في العاشر من تشرين الثاني، استقبل السفير البابوي بابلو بوانتي. فأثار معه ما صرح به القاصد الرسولي خلال سفره رداً على أسئلة متعلقة بتصريحات البطريرك صفير في أستراليا. وكان بوانتي أجاب بالقول: «البطريرك حر بأن يدلي بما يريد وهو مسؤول عن كلامه». وأتى وقع التصريح سيئاً اذ فُهم منه بأنه يعتبر أن البطريرك مخطئ بتصريحاته. وفي معرض الحديث مع السفير البابوي قال البطريرك الماروني: «صرحت بشأن ما قلناه في أستراليا بالقول ان البطريرك مسؤول عن كلامه». وأضاف بشيء من الحدة: «طبعاً، نحن مسؤولون عن كلامنا». فاحمّر وجه بوانتي واكتفى بالقول: «أوصلوا اليك هذا الكلام؟» وفي السابع عشر من تشرين الثاني 1993 زار نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي بكركي وسأل البطريرك عن سبب رفع اللهجة في أستراليا وطالب باخراج الجيوش غير اللبنانية من لبنان فقال له: «لأننا أردنا أن نرد على انتقاد المنتقدين وهم كثر. نحن نميز بين اسرائيل وسوريا ولكن نحن لسنا بقاصرين ونرفض الوصاية». فيما خص عتب الرئيس بري الذي قال انه كان بوده أن يرسل ممثلاً لتوديع البطريرك الماروني واستقباله في المطار، أوضح سيد بكركي لنائب رئيس مجلس النواب أنه تعوّد أن يُعلم رئيس الجمهورية دون سواه وأن الحريري أوفد ممثلاً عنه دون أن تخطره بكركي بذهاب وعودة البطريرك. الـحلقة العشرون السياسة السورية أدخلت «الطائف» في الموت السريري
