ماذا يعني تجدد الكلام على تعديل اتفاق الطائف؟ أدمون رزق لـ”النهار”: الطائف أفضل الممكن نحو الدولة المدنية(2)

النوع: 

النائب السابق إدمون رزق، من المشاركين والمساهمين الأساسيين في مناقشات مؤتمر الطائف الطويلة، وفي صوغ نصوصه. وانطلاقاً من كونه أحد قدامى المخضرمين في المجال، يرى أن كل إعادة نظر بالطائف لا تفترض التقدم نحو دولة المواطنة المدنية، تكريس للأسوأ وذهاب بلبنان إلى التفكك والتشرذم.

يكثر الكلام اليوم على إدخال تعديلات معينة على اتفاق الطائف، كيف تنظر الى مثل هذا الكلام؟

-كل من تكلم على تعديل الطائف، أو على طائف ثانٍ، لم يقل ماذا يريد وما الذي يقترح تعديله من بنود الاتفاق في اتجاه الأفضل. أنا لا أعتبر أن الطائف مثالي ونهائي في بنوده، لكنه أفضل الممكن، ولا يمكن إعادة النظر فيه في هذه الظروف، إلا في اتجاه الأسوأ والأقل محافظة على الكيان اللبناني الموحد.

لماذا تجزم بأن إعادة النظر اليوم تتجه نحو الأسوأ؟

-لأن الاشخاص الذين يمكن إئتمانهم اليوم على القضية اللبنانية، صاروا نادرين، إن لم يكونوا معدومي الوجود. ذلك لانعدام الاشخاص المخولين تمثيل حقيقة تطلع اللبناني والدور اللبناني والرسالة اللبنانية. فلبنان ليس كسائر الدول، بل يتمتع بخصوصية تتطلب الانطلاق منها. فحين نقول باعتماد التوافقية، لا نعني الطوائف، ولا الأحزاب، ولا أحزاب الطوائف. ونعني أن لبنان هو البلد الوحيد الذي تعيش فيه 18 طائفة متكافئة ومتساوية في الشرق. لذلك فإن كل قياس للنظام اللبناني على نظام آخر، أعتبره عبثياً، لأن ليس من كيان تعددي في العالم على غرار التعدد اللبناني. هنا يحضرني القول إن لبنان حاجة إسلامية أكثر منه مطلباً مسيحياً. فالإسلام والمسلمون يحتاجون الى إثبات امكان عيشهم مع الآخر على أساس المساواة الكاملة.

لكن البطريرك بشارة الراعي أشار، أخيراً، الى ضرورة اعتماد عقد اجتماعي جديد في لبنان.

-أنا فهمت من كلامه هذا أن لديه نوايا حسنة، من دون اكتمال المعطيات المتعلقة في هذا الموضوع لديه. لا أعلم إن كان يقصد الدستور في عبارة العقد الاجتماعي التي اعتبرها اليوم خارج الزمن. فالعقد الاجتماعي اللبناني قائم ومكرس، لأن اتفاق الطائف هو عهد وعقد. وهذا ما أشرت إليه في محاضرة دعيت إليها في شباط 2011. العقد هو عقد المشاركة في المسؤولية. والعهد هو عهد الحياة المشتركة. وهذه الصياغة هي أفضل الممكن في تجسيد الارادة اللبنانية التاريخية في ما يتعلق بالتعددية. اتفاق الطائف جرى صوغه في خضم انهيار الدولة وتفريغ المؤسسات، وخصوصاً رئاسة الجمهورية، لإعادة إحيائها وتجديدها.

هنالك من يقترح اليوم التفكير في إعادة بعض الصلاحيات الى رئاسة الجمهورية التي قلّصها الطائف، كي يتمكن الرئيس من ممارسة الحكم.

- لا أعتقد أن رئيس الجمهورية يفتقد الى صلاحيات كي يحكم، وفقاً لاتفاق الطائف. فالصلاحيات التي تكرسها النصوص تحتاج الى شعور بالمسؤولية للقيام بالدور المطلوب لتطبيقها. الصلاحية لا تستمد من النصوص وحدها، بل من الدور والمسؤولية. رئيس الجمهورية في نصوص الطائف هو في مثابة الأب للدولة، أي رمز وحدتها، وهو المؤتمن على تطبيق دستورها. أرى أن الأشخاص فشلوا في القيام بهذا الدور، ليس لأن النصوص لا تخولهم ذلك، على ما أثبتت التجارب بعد انقضاء 20 سنة على اتفاق الطائف. الثغرة الكبرى في وثيقة الوفاق الوطني، تتمثل في جهل الرأي العام اللبناني بها، كما أن رجال السلطة يتجاهلونها ولا يرغبون في الاطلاع عليها، ويلوحون بها تلويحهم بالشعارات في المناسبات، لكسب ما في ظروف محددة. ما سُمي إصلاحات سياسية في اتفاق الطائف، أدخلناها في صلب الدستور وجرت الموافقة عليها في مجلس النواب العام 1990. وما تحتاج اليه هذه الاصلاحات في التنفيذ، هو حسن النوايا، وليس الاضافة أو التعديل. وأعني بحسن النوايا تحمل المسؤولية الايجابية، وليس التهرب من المسؤولية، على ما يحصل اليوم. فبند فصل السلطات مثلاً، يمنع بدعة "الترويكا" وكلمة الرؤساء الثلاثة. وهذا مخالف للدستور، شأن الكلام الشائع عن حصة رئيس الجمهورية في الحكومة. فالرئيس ليس صاحب حصة في الحكم لممارسة صلاحياته، وليس بديكتاتور، بل هو المؤتمن على تطبيق الدستور لأنه المرجع الأساسي في الحكم. وهو لا يصوت في مجلس الوزراء، لأنه ليس عضواً فيه، بل لأنه رئيس الدولة. فإن يتمتع رئيس الدولة بحق التصويت كسائر الوزراء، ليس أقل من مهانة لموقعه ودوره، كحاله حين تصله رسائل مباشرة أو غير مباشرة من هذا أو ذاك من السياسيين، ويقوم هو بالرد على هذه الرسائل عبر وسائل الإعلام.

ما الذي قرأته في كلام النائب وليد جنبلاط عن طائف سني – شيعي؟

-المشكلة القائمة اليوم في لبنان بين السنة والشيعة لا تحتاج الى طائف جديد، ولا الى تعديل الطائف، ولا الى دستور جديد. إن استعمال النائب جنبلاط هذه العبارة، تعني التفتيش عن حل للمشكلة. وأظن أن كلامه على طائف سني – شيعي، هو كلام سياسي، وليس دستورياً، للقول إننا نحتاج الى وفاق سياسي ما بين السنة والشيعة. فالمواجهة ما بين هذين الطرفين تكريس لسلفية تخطاها الإسلام نفسه، فكيف يعقل أن تكرسها في نصوص دستورية حديثة؟! إن هذه المواجهة تنطوي على تعبئة لإثارة غرائز دينية للوصول الى غايات سياسية. فالناس ليسوا أعداء بالولادة، أو على نحو أبدي.

اليوم، لا العقد الاجتماعي، ولا طائف ثانٍ وثالث، ولا إعادة النظر في بنود وثيقة الطائف وفي الصلاحيات، هي المطلوبة لحل المشكلات اللبنانية، بل إن المشكلة الكبرى تتجسد في تحمل المسؤوليات وممارسة الصلاحيات التي كرسها الدستور في الطائف.

ما رأيك في فكرة المثالثة؟

-الكلام على المثالثة يعني إلغاءً للمواطنية. أقر الطائف المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بغية الجمع والمواءمة بين 18 عائة روحية في لبنان، وليس للتفريق بينها وشرذمتها. لذا اعتُمد عنوان كبير لتطبيق الجمع والمواءمة، ما بين العائلتين الروحيتين الكبريين، أي المسلمين والمسيحيين، توكيداً للمساواة والمواطنية الموحدة بينهما. هذه هي غاية المناصفة التي تعني الشراكة الكاملة. أما المثالثة فمكرسة اليوم في مجلس الوزراء. ليس الهدف من هذه المسائل كلها الاستقواء بالأكثريات الديموغرافية، بل الحرص على الشراكة والمساواة في الحقوق والواجبات والمسؤوليات.

فحوى هذا الكلام أن الرغبة في تطوير النصوص الدستورية منطلقه تحسين شروط المواطنية ووحدة الدولة. في هذا المعنى إن دستورنا اللبناني الراهن، نموذجي ومثالي في هذا المشرق. وهذا ما تنص عليه مقدمة الدستور في توكيدها الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وإذا أردنا تطوير الدستور، فعلينا تطويره في اتجاه تخطي الاصطفافات الطائفية المنافية لحقوق الانسان، وليس في اتجاه تكريس الطائفية أكثر مما هي مكرسة راهناً. والتخطي هذا يفترض التوجه نحو إرساء دولة مدنية. أما المادة 95 من دستور الطائف، والتي تقترح تشكيل هيئة وطنية مهمتها اقتراح الوسائل الكفيلة بإلغاء الطائفية، وليس إلغاء الطائفية السياسية. والفرق بين الأمرين كبير. فإلغاء الطائفية يعني إرساء ركائز دولة المواطنة المدنية. أما إلغاء الطائفية السياسية فقط، فتعني إلغاء المساواة عبر تكريس القوة العددية. والمادة الدستورية نفسها شددت على اعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة، بناء على المواطنة، وليس بناءً على المحسوبية والزبائنية. أما اعتماد المحاصصة الطائفية والكلام على إلغاء الطائفية السياسية فقط، فهما مروق على الطائف.

تلفت "النهار" إلى أن المقابلات لهذا الملف أعدت قبل مدة وهي تالياً ليست مرتبطة بأي تطور سياسي راهن.

الثغرة الكبرى في وثيقة الطائف تتمثل في أن الرأي العام يجهل حقيقتها، ولم يقرأها. أما رجال السلطة فيتجاهلونها ويلوحون بها كشعار، أو كقميص عثمان في المناسبات توخياً لمكاسب معينة.

الكاتب: 
محمد أبي سمرا
التاريخ: 
الثلاثاء, يونيو 5, 2012
ملخص: 
اليوم، لا العقد الاجتماعي، ولا طائف ثانٍ وثالث، ولا إعادة النظر في بنود وثيقة الطائف وفي الصلاحيات، هي المطلوبة لحل المشكلات اللبنانية، بل إن المشكلة الكبرى تتجسد في تحمل المسؤوليات وممارسة الصلاحيات التي كرسها الدستور في الطائف.